إنّ كل حبّ يستقطب قلب الإنسان يتّخذ إحدى صيغتين وإحدى درجتين:
الدرجة الاولى: أن يشكّل هذا الحبّ محوراً وقاعدة لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الإنسان. قد ينصرف عنه في قضاء حاجة في حدود خاصة ولكن يعود، سرعان ما يعود إلى القاعدة؛ لأنّها هي المركز، وهي المحور. قد ينشغل بحديث، قد ينشغل بكلام، قد ينشغل بعمل، بطعام، بشراب، بمواجهة، بعلاقات ثانوية، بصداقات، لكن يبقى ذاك الحبّ هو المحور. هذه هي الدرجة الأولى. والدرجة الثانية: من الحبّ المحور، أن يستقطب هذا الحبّ كل وجدان الإنسان بحيث لا يشغله شيء عنه على الإطلاق، ومعنى أ نّه لا يشغله شيء عنه: أ نّه سوف يرى محبوبه وقبلته وكعبته أينما توجّه، أينما توجّه سوف يرى ذلك المحبوب. هذه هي الدرجة الثانية من الحبّ المحور. هذا التقسيم الثنائي ينطبق على حبّ اللَّه وينطبق على حب الدنيا. حب اللَّه سبحانه وتعالى، الحب الشريف للَّهالمحور يتّخذ هاتين الدرجتين: الدرجة الاولى يتّخذها في نفوس المؤمنين الصالحين الطاهرين الذين نظّفوا نفوسهم من أوساخ هذه الدنيا الدنية، هؤلاء يجعلون من حبّ اللَّه محوراً لكل عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم. قد ينشغلون بوجبة طعام، بمتعة من المتع المباحة، بلقاء مع صديق، بتنزّه في شارع، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرّد أن ينتهي هذا الاشتغال الطارئ. وأما الدرجة الثانية فهي الدرجة التي يصل إليها أولياء اللَّه من الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام. علي بن أبي طالب الذي نحظى بشرف مجاورة قبره، هذا الرجل العظيم، كلكم تعرفون ماذا قال، هو الذي قال بأني ما رأيت شيئاً إلّاورأيت اللَّه معه وقبله وبعده وفيه «1»؛ لأنّ حبّ اللَّه في هذا القلب
______________________________
(1) لم نعثر على الرواية بكاملها، والموجود في كتاب علم اليقين 1: 49 (للفيض الكاشاني): «ما رأيت شيئاً إلّاورأيت اللَّه قبله»
العظيم استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير اللَّه، حتى حينما كان يرى الناس، كان يرى فيهم عبيد اللَّه، حتى حينما كان يرى النعمة الموفورة، كان يرى فيها نعمة اللَّه سبحانه وتعالى. دائماً هذا المعنى الحرفي، هذا الربط باللَّه، دائماً وأبداً يتجسّد أمام عينه؛ لأنّ محبوبه الأوحد، ومعشوقه الأكمل، قبلة آماله وطموحاته، لم يسمح له بشريك في النظر، فلم يكن يرى إلّااللَّه سبحانه وتعالى. هذه هي الدرجة الثانية. نفس التقسيم الثنائي يأتي في حبّ الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة على حدّ تعبير رسول اللَّه صلى الله عليه و آله «1». حبّ الدنيا يتخذ درجتين: الدرجة الاولى أن يكون حبّ الدنيا محوراً للإنسان، قاعدة للإنسان في تصرفاته وسلوكه. يتحرّك حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتحرك، ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يسكن. يتعبّد حينما تكون
المصلحة الشخصية في أن يتعبد، وهكذا. الدنيا تكون هي القاعدة، لكن أحياناً أيضاً يمكن أن يفلت من الدنيا. يشتغل أشغالًا اخرى نظيفة طاهرة. قد يصلي للَّه سبحانه وتعالى، قد يصوم للَّهسبحانه وتعالى، لكن سرعان ما يرجع مرة اخرى إلى ذلك المحور وينشدّ إليه. فلتات يخرج بها من إطار ذلك الشيطان ثم يرجع إلى الشيطان مرة اخرى. هذه درجه اولى من هذا المرض الوبيل، مرض حبّ الدنيا. وأمّا الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل فهي الدرجة المهلكة، حينما يعمي حبّ الدنيا هذا الإنسان، يسدّ عليه كل منافذ الرؤية، يكون بالنسبة إلى الدنيا كما كان سيد الموحدين وأمير المؤمنين بالنسبة إلى اللَّه سبحانه وتعالى: إنّه
______________________________
(1) بحار الأنوار 51: 258
لم يكن يرى شيئاً إلّاوكان يرى اللَّه معه وقبله وبعده. حبّ الدنيا في الدرجة الثانية يصل إلى مستوى بحيث إنّ الإنسان لا يرى شيئاً إلّاويرى الدنيا فيه وقبله وبعده ومعه. حتى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دنيا، تتحوّل عنده إلى متعة، إلى مصلحة شخصية، حتى الصلاة، حتى الصيام، حتى البحث، حتى الدرس، هذه الألوان كلّها تتحوّل إلى دنيا. لا يمكنه أن يرى شيئاً إلّامن خلال الدنيا، إلّامن خلال مقدار ما يمكن لهذا العمل أن يعطيه، يعطيه من حفنة مال أو من كومة جاه. لا يمكن أن يستمرّ معه إلّابضعة أيام معدودة. هذه هي الدرجة الثانية. وكل من الدرجتين مهلكة، والدرجة الثانية أشدّ هلكة من الدرجة الاولى، ولهذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» «1»، قال الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام: «الدنيا كماء البحر من ازداد شرباً من ماء البحر ازداد عطشاً» «2». كلّما شرب أكثر فأكثر من ماء البحر أصبح أكثر عطشاً. لا تقل: فلآخذ هذه الحفنة من الدنيا ثم أنصرف عنها، فلأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثم أنصرف إلى اللَّه. ليس الأمر كذلك، فإنّ أيّ مقدار تحصل عليه من مال الدنيا، من جاه الدنيا، من مقامات هذه الدنيا الزائلة، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الاخرى: «الدنيا كماء البحر»، «الدنيا رأس كل خطيئة». رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: «من أصبح وأكبر همّه الدنيا فليس له من اللَّه شيء» «3». هذا الكلام يعني قطع الصلة مع اللَّه، يعني أنّ ولاءين لا يجتمعان في
______________________________
(1) بحار الأنوار 51: 258
(2) الكافي 2: 143، الحديث 24. مع اختلاف يسير
(3) بحار الأنوار 73: 104 باختلاف
قلب واحد. من كان ولاءه للدنيا، من أصبح وكان أكبر همّه الدنيا فليس له من اللَّه شيء، ليس له صلة مع اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأنّ ولاءين لا يجتمعان في قلبٍ واحد.
«حبّ الدنيا رأس كل خطيئة»؛ لأنّ حبّ الدنيا هو الذي يفرّغ الصلاة من معناها، يفرّغ الصيام من معناه، يفرّغ كل عبادة من معناها، ماذا يبقى من معنى لهذه العبادات إذا استولى حبّ الدنيا على قلب الإنسان؟
أنا وأنتم نعرف أنّ اولئك الذين نؤاخذهم على ما عملوا مع أمير المؤمنين، اولئك لم يتركوا صلاة، ولم يتركوا صياماً، ولم يشربوا خمراً، على الأقل عدد كبير منهم لم يقوموا بشيء من هذا القبيل، لكنّهم مع هذا ما هي قيمة هذه الصلاة، وما هي قيمة هذا الصيام، وما هي قيمة العفة عن شرب الخمر إذا كان حبّ الدنيا هو الذي يملأ القلب؟ ما قيمة صلاة عبد الرحمن بن عوف؟ عبد الرحمن بن عوف كان صحابياً جليل القدر، كان من السابقين إلى الإسلام، كان ممن أسلم والناس كفار ومشركون. تربّى على يد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله. عاش مع الوحي، مع القرآن، مع آيات اللَّه تترى، لكن ماذا دهاه؟ ماذا دهاه حينما فتح اللَّه على المسلمين بلاد كسرى وقيصر، وكنوز كسرى وقيصر؟ ماذا دهى هذا الرجل المسكين؟ هذا الرجل المسكين ملأ قلبه حبّ الدنيا. كان يصلّي وكان يصوم، ولكن ملأ قلبه حب الدنيا حينما وقف في خيار واحد بين عثمان وعلي عليه السلام: إمّا أن يكون عثمان خليفة المسلمين وإمّا أن يكون علي خليفة المسلمين، وهو يعلم أ نّه لو أعطى هذه الخلافة لعلي لأسعد المسلمين إلى أبد الدهر، ولكنه يعلم أيضاً أ نّه حينما يعطيها إلى عثمان فقد فتح بذلك باب الفتن إلى آخر الدهر، يعلم بذلك وقد سمع ذلك من عمر نفسه أيضاً، ولكنه في هذا الخيار غلب حبّ الدنيا على قلبه. ضرب على
يد عثمان وترك يد علي مبسوطة تنتظر من يبايع. جعل عثمان خليفة، وأقصى عليّاً عليه السلام عن الخلافة.
قد تقولون: إنّ هذه معصية، هذا كترك الصلاة؛ لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جعل علياً خليفة بعده بلا فصل. هذا صحيح، تولّي علي بن أبي طالب أهمّ الواجبات، ولكن افرضوا- وفرض المحال ليس بمحال- لو أنّ رسول اللَّه لم ينصّ على علي بن أبي طالب، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف مهضوماً؟ أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف صحيحاً؟ لو تركنا كل نصوص الرسول، لو تركنا حديث الغدير «1»، حديث الثقلين «2» لو تركنا كل ذلك، لكن بمنطق حبّ اللَّه وحبّ الدنيا، بمنطق الحرص على الإسلام، بمنطق الغيرة على الدين وعلى المسلمين، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف سليماً: أن يطرح يد علي عليه السلام مبسوطة دون أن يبايعها، ويبايع إنساناً غير جدير بأن يتحمل الأمانة، أن يبايع عثمان بن عفان؟
إذن المسألة هنا ليست فقط مسألة نصّ وإنّما المسألة هنا مسألة حبّ الدنيا، مسألة خيانة الأمانة؛ لأن حبّ الدنيا يعمي ويصم. حبّ عبد الرحمن بن عوف للدنيا أفقد الصلاة معناها، أفقد الصيام معناه، أفقد شهر رمضان معناه، أفقد كل شيء مغزاه الحقيقي ومحتواه النبيل الشريف. «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» وحبّ اللَّه سبحانه وتعالى أساس كل كمال، حبّ اللَّه هو الذي يعطي للإنسان الكمال، العزة، الشرف، الاستقامة، النظافة،
______________________________
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة 3: 36، الرياض النضرة 2: 126 و 127
(2) معاني الأخبار: 90- 91، الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5
القدرة على مغالبة الضعف في كلّ الحالات. حبّ اللَّه سبحانه وتعالى هو الذي جعل اولئك السحرة يتحولون إلى روّاد على الطريق، فقالوا لفرعون: «فاقض ما أنت قاضٍ إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا» «1». كيف قالوا هكذا؟ لأنّ حب اللَّه اشتعل في قلوبهم، فقالوا لفرعون بكل شجاعة وبطولة «فاقض ما أنت قاض إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا». حبّ اللَّه هو الذي جعل علياً عليه الصلاة والسلام دائماً يقف مواقف الشجاعة، مواقف البطولة. هذه الشجاعة، شجاعة علي عليه السلام ليست شجاعة السباع، ليست شجاعة الاسود، وإنّما هي شجاعة الإيمان وحبّ اللَّه، لماذا؟ لأنّ هذه الشجاعة لم تكن فقط شجاعة البراز في ميدان الحرب، بل كانت أحياناً شجاعة الرفض، أحياناً شجاعة الصبر.
علي بن أبي طالب ضرب المثل الأعلى في شجاعة المبارزة في ميدان الحرب. شدّ حزامه وهو ناهز الستين من عمره الشريف وهجم على الخوارج وحده، فقاتل أربعة آلاف إنسان. هذه قمّة الشجاعة في ميدان المبارزة؛ لأنّ حبّ اللَّه أسكره، فلم يجعله يلتفت إلى أنّ هؤلاء أربعة آلاف وهو واحد.
وضرب قمّة الشجاعة في الصبر، في السكوت عن الحقّ، حينما فرض عليه الإسلام أن يصبر عن حقّه وهو في قمّة شبابه، لم يكن في شيخوخته، كان في قمّة شبابه، كانت حرارة الشباب ملء وجدانه، ولكن الإسلام قال له: اسكت، اصبر عن حقك حفاظاً على بيضة الدين، مادام هؤلاء يتحمّلون حفظ الشعائر الظاهرية للإسلام وللدين. سكت مادام هؤلاء كانوا يتحفّظون على الظواهر والشعائر الظاهرية للإسلام والدين، وكان هذا قمّة الشجاعة في الصبر أيضاً. هذه ليست
______________________________
(1) طه: 72
شجاعة الاسود، هذه شجاعة المؤمن الذي أسكره حبّ اللَّه. وكان قمة الشجاعة في الرفض وفي الإباء حينما طرح عليه ذلك الرجل أن يبايعه على شروط تخالف كتاب اللَّه وسنّة رسوله بعد مقتل الخليفة الثاني، ماذا صنع هذا الرجل العظيم؟ هذا الرجل العظيم الذي كان يحترق؛ لأنّ الخلافة ذهبت من يده، يحترق من أجل اللَّه لا من أجل نفسه، يقول: «لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى» «1». هذا الرجل الذي كان يحترق؛ لأنّ الخلافة خرجت من يده. لو أنّ إنساناً يقرأ هذه العبارة وحدها لقال: ما أكثر شهوة هذا الرجل إلى السلطان وإلى الخلافة! لكن هذا الرجل
نفسه، هذا الرجل بذاته عرضت عليه الخلافة، عرضت عليه رئاسة الدنيا فرفضها، لا لشيء إلّالأنّها شرطت بشرط يخالف كتاب اللَّه وسنّة رسوله. من هنا نعرف أنّ ذلك الاحتراق لم يكن من أجل ذاته، وإنّما كان من أجل اللَّه سبحانه وتعالى. إذن هذه الشجاعة شجاعة البراز في يوم البراز، وشجاعة الصبر في يوم الصبر، وشجاعة الرفض في يوم الرفض، هذه الشجاعة خلقها في قلب علي حبّه للَّهلا اعتقاده بوجود اللَّه، هذا الاعتقاد الذي يشاركه فيه فلاسفة الإغريق أيضاً. أرسطو أيضاً يعتقد بوجود اللَّه. أفلاطون أيضاً يعتقد بوجود اللَّه. الفارابي أيضاً يعتقد بوجود اللَّه. ماذا صنع هؤلاء للبشرية؟ وماذا صنعوا للدين أو للدينا؟ ليس الاعتقاد وإنما حبّ اللَّه إضافة إلى الاعتقاد. هذا هو الذي صنع
______________________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 3
هذه المواقف، ونحن أولى الناس بأن نطلّق الدنيا، إذا كان حبّ الدنيا خطيئة، فهو منّا نحن الطلبة من أشدّ الخطايا، هذا الشيء الذي هو خطيئة من غيرنا هو أكثر خطيئة منّا. نحن أولى من غيرنا بأن نكون على حذر من هذه الناحية؛ أوّلًا لأنّنا نصبنا أنفسنا أدلّاء على طريق الآخرة. ما هي مهمّتنا في الدنيا، ما هي وظيفتنا في الدنيا؟ إذا سألك إنسان: ماذا تعمل، ما هو مبرّر وجودك، ماذا تقول؟ تقول بأني اريد أن أشدّ الناس إلى الآخرة، أشدّ دنيا الناس إلى الآخرة، إلى عالم الغيب، إلى اللَّه سبحانه وتعالى. إذن كيف تقطع دنياك عن الآخرة؟ إذا كانت دنياك مقطوعة عن الآخرة فسوف تشدّ دنيا الناس إلى دنياك لا إلى آخرة ربك، سوف نتحوّل إلى قطّاع طريق، ولكن أيّ طريق؟ الطريق إلى اللَّه، لا طريق ما بين بلد وبلد، هذا الطريق إلى اللَّه نحن روّاده، نحن القائمون على الدلالة إليه، على الأخذ بيد الناس فيه، فلو أ نّنا أغلقنا باب هذا الطريق، لو أ نّنا تحوّلنا عن هذا الطريق إلى طريق آخر، إذن سوف نكون حاجباً عن اللَّه، حاجباً عن اليوم الآخر.
كل إنسان يستولي حبّ الدنيا على قلبه يهلك هو، أمّا الطلبة، أمّا نحن إذا استولى حبّ الدنيا على قلوبنا سوف نَهلك ونُهلك الآخرين؛ لأنّنا وضعنا أنفسنا في موضع المسؤولية، في موضع ربط الناس باللَّه سبحانه وتعالى، واللَّه لا يعيش في قلوبنا. إذن سوف لن نتمكن من أن نربط الناس باللَّه.
نحن أولى الناس وأحقّ الناس باجتناب هذه المهلكة؛ لأنّنا ندعي أ نّنا ورثة الأنبياء وورثة الأئمة والأولياء، أ نّنا السائرون على طريق محمّد صلى الله عليه و آله وعلي والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام. ألسنا نحاول أن نعيش شرف هذه النسبة؟ هذه النسبة تجعل موقفنا أدقّ من مواقف الآخرين؛ لأنّنا نحن حملة
أقوال هؤلاء وأفعال هؤلاء، أعرف الناس بأقوالهم وأعرف الناس بأفعالهم، ألم يقل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «انّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضة ولا عقاراً، إنّما نورث العلم والحكمة» «1»؟ ألم يقل علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: ان امارتكم هذه أو خلافتكم هذه لا تساوي عندي شيئاً إلّاأن أقيم حقاً أو أدحض باطلًا «2»؟ ألم يقل علي بن أبي طالب ذلك، ألم يجسّد هذا في حياته، في كل حياته؟ علي بن أبي طالب كان يعمل للَّهسبحانه وتعالى، لم يكن يعمل لدنياه، لو كان علي يعمل لدنياه لكان أشقى الناس وأتعس الناس؛ لأنّ علياً حمل دمه على يده منذ طفولته، منذ صباه، يذبّ عن وجه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وعن دين اللَّه وعن رسالة اللَّه. لم يتردّد لحظة في أن يقدم، لم يكن يحسب للموت حساباً، لم يكن يحسب للحياة حساباً، كان دمه دائماً على يده، كان أطوع الناس لرسول اللَّه في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وكان أطوع الناس لرسول اللَّه بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، كان أكثر الناس عملًا في سبيل الدين ومعاناة من أجل الإسلام. ماذا حصل، ماذا حصل عليه علي بن أبي طالب عليه السلام؟ لو جئنا إلى مقاييس الدنيا، ماذا حصل عليه هذا الرجل العظيم؟ ألم يُقصَ هذا الرجل العظيم؟ ألم يكن جليس بيته فترة طويلة من الزمن؟ ألم يسبّ هذا الرجل العظيم ألف شهر على منابر المسلمين التي اقيمت أعوادها بجهاده، بدمه، بتضحياته؟ سبّ على منابر المسلمين.
______________________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 214
(2) نهج البلاغة: 76 خطبة 33
إذن لم يحصل على شيء من الدنيا لا على حطام ولا على مال ولا على منصب ولا على كُنى ولا على تقدير، ولكنّه على الرغم من ذلك حينما ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه، ماذا قال هذا الإمام العظيم؟ قال: «لقد فزت ورب الكعبة» «1». لو كان علي يعمل لدنياه لقال: واللَّه إنّي أتعس إنسان؛ لأ نّي لم أحصل على شيء في مقابل عمرٍ كلّه جهاد، كلّه تضحية، كلّه حب للَّه، لم أحصل على شيء، لكنّه لم يقل ذلك، قال: «لقد فزت وربّ الكعبة». إنّها واللَّه الشهادة؛ لأنّه لم يكن يعمل لدنياه، كان يعمل لربّه، والآن لحظة اللقاء مع اللَّه، هذه اللحظة هي اللحظة التي سوف يلتقي بها عليّ مع اللَّه سبحانه وتعالى فيوفيه حسابه ويعطيه أجره، يعوّضه عمّا تحمّل من شدائد، عمّا قاسى من مصائب. أليس هذا الإمام هو مثلنا الأعلى؟ أليست حياة هذا الإمام هي السنّة؟ أليست مصادر التشريع عندنا الكتاب والسنّة؟ أليست السنّة هي قول المعصوم وفعله وتقريره؟ نحن أولى الناس. علينا أن نحذر من حبّ الدنيا؛ لأنّه لا دنيا عندنا لكي نحبها. ماذا نحبّ؟ نحبّ الدنيا؟! نحن الطلبة! ما هي هذه الدنيا التي نحبها ونريد أن نغرق أنفسنا فيها ونترك رضواناً من اللَّه أكبر؟ نترك ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا اعترض على خيال بشر، ما هي هذه الدنيا؟ هذه الدنيا دنيانا هي مجموعة من الأوهام، كل دنيا وهم، لكن دنيانا أكثر وهماً من دنيا الآخرين، مجموعة من الأوهام. ماذا نحصل من الدنيا إلّا على قدر محدود جداً؟ لسنا نحن اولئك الذين نهبوا أموال الدنيا وتحدثنا عنهم قبل أيام، لسنا نحن اولئك الذين تركع الدنيا بين أيدينا لكي نؤثر الدنيا على
______________________________
(1) بحار الأنوار 73: 59. والاستيعاب بهامش الاصابة 3: 59
الآخرة. دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة. نقيس أنفسنا بهارون الرشيد. هارون الرشيد نسبُّه ليلًا نهاراً؛ لأنّه غرق في حبّ الدنيا، لكن تعلمون أيّ دنيا غرق فيها هارون الرشيد، أي قصور مرتفعة عاش فيها هارون الرشيد، أيّ بذخ وترف كان يحصل عليه هارون الرشيد، أيّ زعامة وخلافة وسلطان امتدّ مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد؟ هذه دنيا هارون الرشيد. نحن نقول بأننا أفضل من هارون الرشيد، أورع من هارون الرشيد، أتقى من هارون الرشيد، عجباً! نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها حتى نكون أورع من هارون الرشيد؟ يا أولادي، يا إخواني، يا أعزائي، يا أبناء علي، هل عرضت علينا دنيا هارون الرشيد؟ لا، عرض علينا دنيا هزيلة محدودة ضئيلة، دنيا ما أسرع ما تتفتت، ما أسرع ما تزول، دنيا لا يستطيع الإنسان أن يتمدد فيها كما كان يتمدد هارون الرشيد. هارون الرشيد يلتفت إلى السحابة يقول لها: أينما تمطرين يأتيني خراجك. في سبيل هذه الدنيا سجن موسى بن جعفر عليه السلام. هل جرّبنا أن هذه الدنيا تأتي بيدنا ثم لا نسجن موسى بن جعفر؟ جرّبنا أنفسنا، سألنا أنفسنا، طرحنا هذا السؤال على أنفسنا، كل واحد منّا يطرح هذا السؤال على نفسه، بينه وبين اللَّه أن هذه الدنيا، دنيا هارون الرشيد كلّفته أن يسجن موسى بن جعفر، هل وضعت هذه الدنيا أمامنا لكي نفكّر بأننا أتقى من هارون الرشيد؟ ما هي دنيانا؟ هي مسخ من الدنيا، هي أوهام من الدنيا، ليس فيها حقيقة إلّا حقيقة رضا اللَّه سبحانه وتعالى، إلّاحقيقة رضوان اللَّه. كلّ طلبة حاله حال علي ابن أبي طالب، إذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس الناس؛ لأنّ أبواب الدنيا مفتوحة، خاصة إذا كان الطلبة له قابلية، له إمكانية، له ذكاء، له قابليات، هذا أبواب الدنيا مفتوحة له، فإذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس الناس؛ لأنّه سوف يخسر الدنيا والآخرة. لا دنيا الطلبة دنيا ولا الآخرة يحصل عليها. فليكن همّنا أن نعمل للآخرة، أن نعيش في قلوبنا حبّ اللَّه سبحانه وتعالى بدلًا عن حبّ الدنيا؛ لأنّه لا دنيا معتدّ بها عندنا.
الأئمة عليهم الصلاة والسلام علّمونا بأن نتذكر الموت دائماً، يكون من العلاجات المفيدة لحبّ الدنيا أن يتذكر الإنسان الموت. كل واحد منّا يعتقد بأنّ كل من عليها فان، لكن القضية دائماً وأبداً لا يجسّدها بالنسبة إلى نفسه. من العلاجات المفيدة أن يجسّدها بالنسبة إلى نفسه، دائماً يتصوّر بأ نّه يمكن أن يموت بين لحظة واخرى. كل واحد منّا يوجد لديه أصدقاء ماتوا، إخوان انتقلوا من هذه الدار إلى الدار الاخرى. أبي لم يعش في الحياة أكثر مما عشت حتى الآن. أخي لم يعش في الحياة أكثر مما عشت حتى الآن. أنا الآن استوفيت هذا العمر، من المعقول جداً أن أموت في السن التي مات فيها أبي، من المعقول جداً أن أموت في السن التي مات فيها أخي. كل واحد منّا لابدّ وأن يكون له قدوة من هذا القبيل. لابدّ وان أحباباً له قد رحلوا، أعزّة له قد انتقلوا لم يبقَ من طموحاتهم شيء، لم يبقَ من آمالهم شيء. إن كانوا قد عملوا للآخرة فقد رحلوا إلى مليك مقتدر، إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وإذا كانوا قد عملوا للدنيا فقد انتهى كل شيء بالنسبة إليهم. هذه عبر، هذه العبر التي علّمنا الأئمة عليهم السلام أن نستحضرها دائماً، تكسر فينا شره الحياة. ما هي هذه الحياة؟ لعلها أيام فقط، لعلها أشهر فقط، لعلها سنوات. لماذا نعمل دائماً ونحرص دائماً على أساس أ نّها حياة طويلة؟ لعلنا لا ندافع إلّاعن عشرة أيام، إلّاعن شهر، إلّاعن شهرين، لا ندري عن ماذا ندافع. لا ندري أ نّنا نحتمل هذا القدر من الخطايا، هذا القدر من الآثام، هذا القدر من التقصير أمام اللَّه سبحانه وتعالى وأمام ديننا، نتحمّله في سبيل الدفاع عن ماذا، عن عشرة أيام، عن شهر، عن أشهر؟ هذه بضاعة رخيصة. نسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يطهّر قلوبنا، وينقّي أرواحنا ويجعل اللَّه أكثر همّنا، ويملأها حباً له، وخشية منه، وتصديقاً به، وعملًا بكتابه.
الدرجة الاولى: أن يشكّل هذا الحبّ محوراً وقاعدة لمشاعر وعواطف وآمال وطموحات هذا الإنسان. قد ينصرف عنه في قضاء حاجة في حدود خاصة ولكن يعود، سرعان ما يعود إلى القاعدة؛ لأنّها هي المركز، وهي المحور. قد ينشغل بحديث، قد ينشغل بكلام، قد ينشغل بعمل، بطعام، بشراب، بمواجهة، بعلاقات ثانوية، بصداقات، لكن يبقى ذاك الحبّ هو المحور. هذه هي الدرجة الأولى. والدرجة الثانية: من الحبّ المحور، أن يستقطب هذا الحبّ كل وجدان الإنسان بحيث لا يشغله شيء عنه على الإطلاق، ومعنى أ نّه لا يشغله شيء عنه: أ نّه سوف يرى محبوبه وقبلته وكعبته أينما توجّه، أينما توجّه سوف يرى ذلك المحبوب. هذه هي الدرجة الثانية من الحبّ المحور. هذا التقسيم الثنائي ينطبق على حبّ اللَّه وينطبق على حب الدنيا. حب اللَّه سبحانه وتعالى، الحب الشريف للَّهالمحور يتّخذ هاتين الدرجتين: الدرجة الاولى يتّخذها في نفوس المؤمنين الصالحين الطاهرين الذين نظّفوا نفوسهم من أوساخ هذه الدنيا الدنية، هؤلاء يجعلون من حبّ اللَّه محوراً لكل عواطفهم ومشاعرهم وطموحاتهم وآمالهم. قد ينشغلون بوجبة طعام، بمتعة من المتع المباحة، بلقاء مع صديق، بتنزّه في شارع، ولكن يبقى هذا هو المحور الذي يرجعون إليه بمجرّد أن ينتهي هذا الاشتغال الطارئ. وأما الدرجة الثانية فهي الدرجة التي يصل إليها أولياء اللَّه من الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام. علي بن أبي طالب الذي نحظى بشرف مجاورة قبره، هذا الرجل العظيم، كلكم تعرفون ماذا قال، هو الذي قال بأني ما رأيت شيئاً إلّاورأيت اللَّه معه وقبله وبعده وفيه «1»؛ لأنّ حبّ اللَّه في هذا القلب
______________________________
(1) لم نعثر على الرواية بكاملها، والموجود في كتاب علم اليقين 1: 49 (للفيض الكاشاني): «ما رأيت شيئاً إلّاورأيت اللَّه قبله»
العظيم استقطب وجدانه إلى الدرجة التي منعه من أن يرى شيئاً آخر غير اللَّه، حتى حينما كان يرى الناس، كان يرى فيهم عبيد اللَّه، حتى حينما كان يرى النعمة الموفورة، كان يرى فيها نعمة اللَّه سبحانه وتعالى. دائماً هذا المعنى الحرفي، هذا الربط باللَّه، دائماً وأبداً يتجسّد أمام عينه؛ لأنّ محبوبه الأوحد، ومعشوقه الأكمل، قبلة آماله وطموحاته، لم يسمح له بشريك في النظر، فلم يكن يرى إلّااللَّه سبحانه وتعالى. هذه هي الدرجة الثانية. نفس التقسيم الثنائي يأتي في حبّ الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة على حدّ تعبير رسول اللَّه صلى الله عليه و آله «1». حبّ الدنيا يتخذ درجتين: الدرجة الاولى أن يكون حبّ الدنيا محوراً للإنسان، قاعدة للإنسان في تصرفاته وسلوكه. يتحرّك حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يتحرك، ويسكن حينما تكون المصلحة الشخصية في أن يسكن. يتعبّد حينما تكون
المصلحة الشخصية في أن يتعبد، وهكذا. الدنيا تكون هي القاعدة، لكن أحياناً أيضاً يمكن أن يفلت من الدنيا. يشتغل أشغالًا اخرى نظيفة طاهرة. قد يصلي للَّه سبحانه وتعالى، قد يصوم للَّهسبحانه وتعالى، لكن سرعان ما يرجع مرة اخرى إلى ذلك المحور وينشدّ إليه. فلتات يخرج بها من إطار ذلك الشيطان ثم يرجع إلى الشيطان مرة اخرى. هذه درجه اولى من هذا المرض الوبيل، مرض حبّ الدنيا. وأمّا الدرجة الثانية من هذا المرض الوبيل فهي الدرجة المهلكة، حينما يعمي حبّ الدنيا هذا الإنسان، يسدّ عليه كل منافذ الرؤية، يكون بالنسبة إلى الدنيا كما كان سيد الموحدين وأمير المؤمنين بالنسبة إلى اللَّه سبحانه وتعالى: إنّه
______________________________
(1) بحار الأنوار 51: 258
لم يكن يرى شيئاً إلّاوكان يرى اللَّه معه وقبله وبعده. حبّ الدنيا في الدرجة الثانية يصل إلى مستوى بحيث إنّ الإنسان لا يرى شيئاً إلّاويرى الدنيا فيه وقبله وبعده ومعه. حتى الأعمال الصالحة تتحوّل عنده وبمنظاره إلى دنيا، تتحوّل عنده إلى متعة، إلى مصلحة شخصية، حتى الصلاة، حتى الصيام، حتى البحث، حتى الدرس، هذه الألوان كلّها تتحوّل إلى دنيا. لا يمكنه أن يرى شيئاً إلّامن خلال الدنيا، إلّامن خلال مقدار ما يمكن لهذا العمل أن يعطيه، يعطيه من حفنة مال أو من كومة جاه. لا يمكن أن يستمرّ معه إلّابضعة أيام معدودة. هذه هي الدرجة الثانية. وكل من الدرجتين مهلكة، والدرجة الثانية أشدّ هلكة من الدرجة الاولى، ولهذا قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» «1»، قال الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام: «الدنيا كماء البحر من ازداد شرباً من ماء البحر ازداد عطشاً» «2». كلّما شرب أكثر فأكثر من ماء البحر أصبح أكثر عطشاً. لا تقل: فلآخذ هذه الحفنة من الدنيا ثم أنصرف عنها، فلأحصل على هذه المرتبة من جاه الدنيا ثم أنصرف إلى اللَّه. ليس الأمر كذلك، فإنّ أيّ مقدار تحصل عليه من مال الدنيا، من جاه الدنيا، من مقامات هذه الدنيا الزائلة، سوف يزداد بك العطش والنهم إلى المرتبة الاخرى: «الدنيا كماء البحر»، «الدنيا رأس كل خطيئة». رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: «من أصبح وأكبر همّه الدنيا فليس له من اللَّه شيء» «3». هذا الكلام يعني قطع الصلة مع اللَّه، يعني أنّ ولاءين لا يجتمعان في
______________________________
(1) بحار الأنوار 51: 258
(2) الكافي 2: 143، الحديث 24. مع اختلاف يسير
(3) بحار الأنوار 73: 104 باختلاف
قلب واحد. من كان ولاءه للدنيا، من أصبح وكان أكبر همّه الدنيا فليس له من اللَّه شيء، ليس له صلة مع اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأنّ ولاءين لا يجتمعان في قلبٍ واحد.
«حبّ الدنيا رأس كل خطيئة»؛ لأنّ حبّ الدنيا هو الذي يفرّغ الصلاة من معناها، يفرّغ الصيام من معناه، يفرّغ كل عبادة من معناها، ماذا يبقى من معنى لهذه العبادات إذا استولى حبّ الدنيا على قلب الإنسان؟
أنا وأنتم نعرف أنّ اولئك الذين نؤاخذهم على ما عملوا مع أمير المؤمنين، اولئك لم يتركوا صلاة، ولم يتركوا صياماً، ولم يشربوا خمراً، على الأقل عدد كبير منهم لم يقوموا بشيء من هذا القبيل، لكنّهم مع هذا ما هي قيمة هذه الصلاة، وما هي قيمة هذا الصيام، وما هي قيمة العفة عن شرب الخمر إذا كان حبّ الدنيا هو الذي يملأ القلب؟ ما قيمة صلاة عبد الرحمن بن عوف؟ عبد الرحمن بن عوف كان صحابياً جليل القدر، كان من السابقين إلى الإسلام، كان ممن أسلم والناس كفار ومشركون. تربّى على يد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله. عاش مع الوحي، مع القرآن، مع آيات اللَّه تترى، لكن ماذا دهاه؟ ماذا دهاه حينما فتح اللَّه على المسلمين بلاد كسرى وقيصر، وكنوز كسرى وقيصر؟ ماذا دهى هذا الرجل المسكين؟ هذا الرجل المسكين ملأ قلبه حبّ الدنيا. كان يصلّي وكان يصوم، ولكن ملأ قلبه حب الدنيا حينما وقف في خيار واحد بين عثمان وعلي عليه السلام: إمّا أن يكون عثمان خليفة المسلمين وإمّا أن يكون علي خليفة المسلمين، وهو يعلم أ نّه لو أعطى هذه الخلافة لعلي لأسعد المسلمين إلى أبد الدهر، ولكنه يعلم أيضاً أ نّه حينما يعطيها إلى عثمان فقد فتح بذلك باب الفتن إلى آخر الدهر، يعلم بذلك وقد سمع ذلك من عمر نفسه أيضاً، ولكنه في هذا الخيار غلب حبّ الدنيا على قلبه. ضرب على
يد عثمان وترك يد علي مبسوطة تنتظر من يبايع. جعل عثمان خليفة، وأقصى عليّاً عليه السلام عن الخلافة.
قد تقولون: إنّ هذه معصية، هذا كترك الصلاة؛ لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جعل علياً خليفة بعده بلا فصل. هذا صحيح، تولّي علي بن أبي طالب أهمّ الواجبات، ولكن افرضوا- وفرض المحال ليس بمحال- لو أنّ رسول اللَّه لم ينصّ على علي بن أبي طالب، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف مهضوماً؟ أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف صحيحاً؟ لو تركنا كل نصوص الرسول، لو تركنا حديث الغدير «1»، حديث الثقلين «2» لو تركنا كل ذلك، لكن بمنطق حبّ اللَّه وحبّ الدنيا، بمنطق الحرص على الإسلام، بمنطق الغيرة على الدين وعلى المسلمين، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف سليماً: أن يطرح يد علي عليه السلام مبسوطة دون أن يبايعها، ويبايع إنساناً غير جدير بأن يتحمل الأمانة، أن يبايع عثمان بن عفان؟
إذن المسألة هنا ليست فقط مسألة نصّ وإنّما المسألة هنا مسألة حبّ الدنيا، مسألة خيانة الأمانة؛ لأن حبّ الدنيا يعمي ويصم. حبّ عبد الرحمن بن عوف للدنيا أفقد الصلاة معناها، أفقد الصيام معناه، أفقد شهر رمضان معناه، أفقد كل شيء مغزاه الحقيقي ومحتواه النبيل الشريف. «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة» وحبّ اللَّه سبحانه وتعالى أساس كل كمال، حبّ اللَّه هو الذي يعطي للإنسان الكمال، العزة، الشرف، الاستقامة، النظافة،
______________________________
(1) الاستيعاب بهامش الاصابة 3: 36، الرياض النضرة 2: 126 و 127
(2) معاني الأخبار: 90- 91، الحديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5
القدرة على مغالبة الضعف في كلّ الحالات. حبّ اللَّه سبحانه وتعالى هو الذي جعل اولئك السحرة يتحولون إلى روّاد على الطريق، فقالوا لفرعون: «فاقض ما أنت قاضٍ إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا» «1». كيف قالوا هكذا؟ لأنّ حب اللَّه اشتعل في قلوبهم، فقالوا لفرعون بكل شجاعة وبطولة «فاقض ما أنت قاض إنّما تقضي هذه الحياة الدنيا». حبّ اللَّه هو الذي جعل علياً عليه الصلاة والسلام دائماً يقف مواقف الشجاعة، مواقف البطولة. هذه الشجاعة، شجاعة علي عليه السلام ليست شجاعة السباع، ليست شجاعة الاسود، وإنّما هي شجاعة الإيمان وحبّ اللَّه، لماذا؟ لأنّ هذه الشجاعة لم تكن فقط شجاعة البراز في ميدان الحرب، بل كانت أحياناً شجاعة الرفض، أحياناً شجاعة الصبر.
علي بن أبي طالب ضرب المثل الأعلى في شجاعة المبارزة في ميدان الحرب. شدّ حزامه وهو ناهز الستين من عمره الشريف وهجم على الخوارج وحده، فقاتل أربعة آلاف إنسان. هذه قمّة الشجاعة في ميدان المبارزة؛ لأنّ حبّ اللَّه أسكره، فلم يجعله يلتفت إلى أنّ هؤلاء أربعة آلاف وهو واحد.
وضرب قمّة الشجاعة في الصبر، في السكوت عن الحقّ، حينما فرض عليه الإسلام أن يصبر عن حقّه وهو في قمّة شبابه، لم يكن في شيخوخته، كان في قمّة شبابه، كانت حرارة الشباب ملء وجدانه، ولكن الإسلام قال له: اسكت، اصبر عن حقك حفاظاً على بيضة الدين، مادام هؤلاء يتحمّلون حفظ الشعائر الظاهرية للإسلام وللدين. سكت مادام هؤلاء كانوا يتحفّظون على الظواهر والشعائر الظاهرية للإسلام والدين، وكان هذا قمّة الشجاعة في الصبر أيضاً. هذه ليست
______________________________
(1) طه: 72
شجاعة الاسود، هذه شجاعة المؤمن الذي أسكره حبّ اللَّه. وكان قمة الشجاعة في الرفض وفي الإباء حينما طرح عليه ذلك الرجل أن يبايعه على شروط تخالف كتاب اللَّه وسنّة رسوله بعد مقتل الخليفة الثاني، ماذا صنع هذا الرجل العظيم؟ هذا الرجل العظيم الذي كان يحترق؛ لأنّ الخلافة ذهبت من يده، يحترق من أجل اللَّه لا من أجل نفسه، يقول: «لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى» «1». هذا الرجل الذي كان يحترق؛ لأنّ الخلافة خرجت من يده. لو أنّ إنساناً يقرأ هذه العبارة وحدها لقال: ما أكثر شهوة هذا الرجل إلى السلطان وإلى الخلافة! لكن هذا الرجل
نفسه، هذا الرجل بذاته عرضت عليه الخلافة، عرضت عليه رئاسة الدنيا فرفضها، لا لشيء إلّالأنّها شرطت بشرط يخالف كتاب اللَّه وسنّة رسوله. من هنا نعرف أنّ ذلك الاحتراق لم يكن من أجل ذاته، وإنّما كان من أجل اللَّه سبحانه وتعالى. إذن هذه الشجاعة شجاعة البراز في يوم البراز، وشجاعة الصبر في يوم الصبر، وشجاعة الرفض في يوم الرفض، هذه الشجاعة خلقها في قلب علي حبّه للَّهلا اعتقاده بوجود اللَّه، هذا الاعتقاد الذي يشاركه فيه فلاسفة الإغريق أيضاً. أرسطو أيضاً يعتقد بوجود اللَّه. أفلاطون أيضاً يعتقد بوجود اللَّه. الفارابي أيضاً يعتقد بوجود اللَّه. ماذا صنع هؤلاء للبشرية؟ وماذا صنعوا للدين أو للدينا؟ ليس الاعتقاد وإنما حبّ اللَّه إضافة إلى الاعتقاد. هذا هو الذي صنع
______________________________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 3
هذه المواقف، ونحن أولى الناس بأن نطلّق الدنيا، إذا كان حبّ الدنيا خطيئة، فهو منّا نحن الطلبة من أشدّ الخطايا، هذا الشيء الذي هو خطيئة من غيرنا هو أكثر خطيئة منّا. نحن أولى من غيرنا بأن نكون على حذر من هذه الناحية؛ أوّلًا لأنّنا نصبنا أنفسنا أدلّاء على طريق الآخرة. ما هي مهمّتنا في الدنيا، ما هي وظيفتنا في الدنيا؟ إذا سألك إنسان: ماذا تعمل، ما هو مبرّر وجودك، ماذا تقول؟ تقول بأني اريد أن أشدّ الناس إلى الآخرة، أشدّ دنيا الناس إلى الآخرة، إلى عالم الغيب، إلى اللَّه سبحانه وتعالى. إذن كيف تقطع دنياك عن الآخرة؟ إذا كانت دنياك مقطوعة عن الآخرة فسوف تشدّ دنيا الناس إلى دنياك لا إلى آخرة ربك، سوف نتحوّل إلى قطّاع طريق، ولكن أيّ طريق؟ الطريق إلى اللَّه، لا طريق ما بين بلد وبلد، هذا الطريق إلى اللَّه نحن روّاده، نحن القائمون على الدلالة إليه، على الأخذ بيد الناس فيه، فلو أ نّنا أغلقنا باب هذا الطريق، لو أ نّنا تحوّلنا عن هذا الطريق إلى طريق آخر، إذن سوف نكون حاجباً عن اللَّه، حاجباً عن اليوم الآخر.
كل إنسان يستولي حبّ الدنيا على قلبه يهلك هو، أمّا الطلبة، أمّا نحن إذا استولى حبّ الدنيا على قلوبنا سوف نَهلك ونُهلك الآخرين؛ لأنّنا وضعنا أنفسنا في موضع المسؤولية، في موضع ربط الناس باللَّه سبحانه وتعالى، واللَّه لا يعيش في قلوبنا. إذن سوف لن نتمكن من أن نربط الناس باللَّه.
نحن أولى الناس وأحقّ الناس باجتناب هذه المهلكة؛ لأنّنا ندعي أ نّنا ورثة الأنبياء وورثة الأئمة والأولياء، أ نّنا السائرون على طريق محمّد صلى الله عليه و آله وعلي والحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام. ألسنا نحاول أن نعيش شرف هذه النسبة؟ هذه النسبة تجعل موقفنا أدقّ من مواقف الآخرين؛ لأنّنا نحن حملة
أقوال هؤلاء وأفعال هؤلاء، أعرف الناس بأقوالهم وأعرف الناس بأفعالهم، ألم يقل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «انّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضة ولا عقاراً، إنّما نورث العلم والحكمة» «1»؟ ألم يقل علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: ان امارتكم هذه أو خلافتكم هذه لا تساوي عندي شيئاً إلّاأن أقيم حقاً أو أدحض باطلًا «2»؟ ألم يقل علي بن أبي طالب ذلك، ألم يجسّد هذا في حياته، في كل حياته؟ علي بن أبي طالب كان يعمل للَّهسبحانه وتعالى، لم يكن يعمل لدنياه، لو كان علي يعمل لدنياه لكان أشقى الناس وأتعس الناس؛ لأنّ علياً حمل دمه على يده منذ طفولته، منذ صباه، يذبّ عن وجه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وعن دين اللَّه وعن رسالة اللَّه. لم يتردّد لحظة في أن يقدم، لم يكن يحسب للموت حساباً، لم يكن يحسب للحياة حساباً، كان دمه دائماً على يده، كان أطوع الناس لرسول اللَّه في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وكان أطوع الناس لرسول اللَّه بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، كان أكثر الناس عملًا في سبيل الدين ومعاناة من أجل الإسلام. ماذا حصل، ماذا حصل عليه علي بن أبي طالب عليه السلام؟ لو جئنا إلى مقاييس الدنيا، ماذا حصل عليه هذا الرجل العظيم؟ ألم يُقصَ هذا الرجل العظيم؟ ألم يكن جليس بيته فترة طويلة من الزمن؟ ألم يسبّ هذا الرجل العظيم ألف شهر على منابر المسلمين التي اقيمت أعوادها بجهاده، بدمه، بتضحياته؟ سبّ على منابر المسلمين.
______________________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 214
(2) نهج البلاغة: 76 خطبة 33
إذن لم يحصل على شيء من الدنيا لا على حطام ولا على مال ولا على منصب ولا على كُنى ولا على تقدير، ولكنّه على الرغم من ذلك حينما ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالسيف على رأسه، ماذا قال هذا الإمام العظيم؟ قال: «لقد فزت ورب الكعبة» «1». لو كان علي يعمل لدنياه لقال: واللَّه إنّي أتعس إنسان؛ لأ نّي لم أحصل على شيء في مقابل عمرٍ كلّه جهاد، كلّه تضحية، كلّه حب للَّه، لم أحصل على شيء، لكنّه لم يقل ذلك، قال: «لقد فزت وربّ الكعبة». إنّها واللَّه الشهادة؛ لأنّه لم يكن يعمل لدنياه، كان يعمل لربّه، والآن لحظة اللقاء مع اللَّه، هذه اللحظة هي اللحظة التي سوف يلتقي بها عليّ مع اللَّه سبحانه وتعالى فيوفيه حسابه ويعطيه أجره، يعوّضه عمّا تحمّل من شدائد، عمّا قاسى من مصائب. أليس هذا الإمام هو مثلنا الأعلى؟ أليست حياة هذا الإمام هي السنّة؟ أليست مصادر التشريع عندنا الكتاب والسنّة؟ أليست السنّة هي قول المعصوم وفعله وتقريره؟ نحن أولى الناس. علينا أن نحذر من حبّ الدنيا؛ لأنّه لا دنيا عندنا لكي نحبها. ماذا نحبّ؟ نحبّ الدنيا؟! نحن الطلبة! ما هي هذه الدنيا التي نحبها ونريد أن نغرق أنفسنا فيها ونترك رضواناً من اللَّه أكبر؟ نترك ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا اعترض على خيال بشر، ما هي هذه الدنيا؟ هذه الدنيا دنيانا هي مجموعة من الأوهام، كل دنيا وهم، لكن دنيانا أكثر وهماً من دنيا الآخرين، مجموعة من الأوهام. ماذا نحصل من الدنيا إلّا على قدر محدود جداً؟ لسنا نحن اولئك الذين نهبوا أموال الدنيا وتحدثنا عنهم قبل أيام، لسنا نحن اولئك الذين تركع الدنيا بين أيدينا لكي نؤثر الدنيا على
______________________________
(1) بحار الأنوار 73: 59. والاستيعاب بهامش الاصابة 3: 59
الآخرة. دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة. نقيس أنفسنا بهارون الرشيد. هارون الرشيد نسبُّه ليلًا نهاراً؛ لأنّه غرق في حبّ الدنيا، لكن تعلمون أيّ دنيا غرق فيها هارون الرشيد، أي قصور مرتفعة عاش فيها هارون الرشيد، أيّ بذخ وترف كان يحصل عليه هارون الرشيد، أيّ زعامة وخلافة وسلطان امتدّ مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد؟ هذه دنيا هارون الرشيد. نحن نقول بأننا أفضل من هارون الرشيد، أورع من هارون الرشيد، أتقى من هارون الرشيد، عجباً! نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها حتى نكون أورع من هارون الرشيد؟ يا أولادي، يا إخواني، يا أعزائي، يا أبناء علي، هل عرضت علينا دنيا هارون الرشيد؟ لا، عرض علينا دنيا هزيلة محدودة ضئيلة، دنيا ما أسرع ما تتفتت، ما أسرع ما تزول، دنيا لا يستطيع الإنسان أن يتمدد فيها كما كان يتمدد هارون الرشيد. هارون الرشيد يلتفت إلى السحابة يقول لها: أينما تمطرين يأتيني خراجك. في سبيل هذه الدنيا سجن موسى بن جعفر عليه السلام. هل جرّبنا أن هذه الدنيا تأتي بيدنا ثم لا نسجن موسى بن جعفر؟ جرّبنا أنفسنا، سألنا أنفسنا، طرحنا هذا السؤال على أنفسنا، كل واحد منّا يطرح هذا السؤال على نفسه، بينه وبين اللَّه أن هذه الدنيا، دنيا هارون الرشيد كلّفته أن يسجن موسى بن جعفر، هل وضعت هذه الدنيا أمامنا لكي نفكّر بأننا أتقى من هارون الرشيد؟ ما هي دنيانا؟ هي مسخ من الدنيا، هي أوهام من الدنيا، ليس فيها حقيقة إلّا حقيقة رضا اللَّه سبحانه وتعالى، إلّاحقيقة رضوان اللَّه. كلّ طلبة حاله حال علي ابن أبي طالب، إذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس الناس؛ لأنّ أبواب الدنيا مفتوحة، خاصة إذا كان الطلبة له قابلية، له إمكانية، له ذكاء، له قابليات، هذا أبواب الدنيا مفتوحة له، فإذا كان يعمل للدنيا فهو أتعس الناس؛ لأنّه سوف يخسر الدنيا والآخرة. لا دنيا الطلبة دنيا ولا الآخرة يحصل عليها. فليكن همّنا أن نعمل للآخرة، أن نعيش في قلوبنا حبّ اللَّه سبحانه وتعالى بدلًا عن حبّ الدنيا؛ لأنّه لا دنيا معتدّ بها عندنا.
الأئمة عليهم الصلاة والسلام علّمونا بأن نتذكر الموت دائماً، يكون من العلاجات المفيدة لحبّ الدنيا أن يتذكر الإنسان الموت. كل واحد منّا يعتقد بأنّ كل من عليها فان، لكن القضية دائماً وأبداً لا يجسّدها بالنسبة إلى نفسه. من العلاجات المفيدة أن يجسّدها بالنسبة إلى نفسه، دائماً يتصوّر بأ نّه يمكن أن يموت بين لحظة واخرى. كل واحد منّا يوجد لديه أصدقاء ماتوا، إخوان انتقلوا من هذه الدار إلى الدار الاخرى. أبي لم يعش في الحياة أكثر مما عشت حتى الآن. أخي لم يعش في الحياة أكثر مما عشت حتى الآن. أنا الآن استوفيت هذا العمر، من المعقول جداً أن أموت في السن التي مات فيها أبي، من المعقول جداً أن أموت في السن التي مات فيها أخي. كل واحد منّا لابدّ وأن يكون له قدوة من هذا القبيل. لابدّ وان أحباباً له قد رحلوا، أعزّة له قد انتقلوا لم يبقَ من طموحاتهم شيء، لم يبقَ من آمالهم شيء. إن كانوا قد عملوا للآخرة فقد رحلوا إلى مليك مقتدر، إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وإذا كانوا قد عملوا للدنيا فقد انتهى كل شيء بالنسبة إليهم. هذه عبر، هذه العبر التي علّمنا الأئمة عليهم السلام أن نستحضرها دائماً، تكسر فينا شره الحياة. ما هي هذه الحياة؟ لعلها أيام فقط، لعلها أشهر فقط، لعلها سنوات. لماذا نعمل دائماً ونحرص دائماً على أساس أ نّها حياة طويلة؟ لعلنا لا ندافع إلّاعن عشرة أيام، إلّاعن شهر، إلّاعن شهرين، لا ندري عن ماذا ندافع. لا ندري أ نّنا نحتمل هذا القدر من الخطايا، هذا القدر من الآثام، هذا القدر من التقصير أمام اللَّه سبحانه وتعالى وأمام ديننا، نتحمّله في سبيل الدفاع عن ماذا، عن عشرة أيام، عن شهر، عن أشهر؟ هذه بضاعة رخيصة. نسأل اللَّه سبحانه وتعالى أن يطهّر قلوبنا، وينقّي أرواحنا ويجعل اللَّه أكثر همّنا، ويملأها حباً له، وخشية منه، وتصديقاً به، وعملًا بكتابه.
