إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مسيرة الانسان نحو الله (جل جلاله) في القرآن العظيم؟؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مسيرة الانسان نحو الله (جل جلاله) في القرآن العظيم؟؟

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
    حياة الكائن الانساني في القرآن تستدعي تأملاً كثيراً في كل منحنياتها ، وتستدعي إنتباه الباحث الموضوعي في تناثر جزئياتها ، فهذا الكائن دون سواه قد حضي بالتكريم الآلهي ، قال تعالى :
    ( وَلَقَدْ كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِّن آلطَيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاٍ * ) (1) .
    والعلة في هذا التكريم إعتباره الخلق الأول في حياة الأرض ، كما هو ظاهر القرآن ، وهذا الخلق يمتاز بالدقة في التركيب ، والحسن بالتقويم ، والابداع في التصوير .
    هذا الخلق الجديد ذو طابعين : طابع إعجازي لا عن مثيل ، وطابع فطري في سنة الحياة يقترن بالتزاوج والتناسل بين الذكر والأنثى بتلاقح الحويمن المنوي المذّكر بالبيضة المخصبة الأنثوية ، لينتج ذلك كائناً ناطقاً عاقلاً مفكراً من جماد ، لا أهلية له من نطق أو عقل أو إرادة أو تفكير ، وهذا ما جلب إنتباه فيلسوف المعرّة أبي العلاء المعري فقال:
    والذي حارث البريةُ فيهِ * حَيَوانٌ مستحدثٌ من جماد (2)
    وكل من هذين الملحظين المهمين في تكوين الإنسان حديث يتناول أبعاده الأولى والمتطورة على حد سواء ، حتى لحظات الموت وحياة البرزخ وقيام الساعة . وقد بدأ هذا الإبداع الإلهي بما حكاه الله تعالى في كتابه : ( وَإِذا قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا(1) الأسراء : 70 . (2) طه حسين ،
    وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِسُ لَكَ قَالَ إِنِى أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ * ) (1) . هذه هي البداية بهذا الجعل التكويني المستفيض الذي لا يقبل الردّ ، وهنا تنطلق قضيّتان : الأولى هذا الأستفهام من الملائكة : ( أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ آلدِمَآءَ )
    ولا يمكن أن يصوّر هذا الاستفهام في طلب المعرفة وإستيضاح الحال بأنّه إعتراض على الله ، لأن الإفاضات التي حصل عليها الملائكة ، وهم عباد مقربّون مكرمون ، لا تبيح لهم الإعتراض والأنكار ، فهم أعرف بجلالة المقام الألهي ، وسمو الحضرة القدسية ، وقد يقال بأنهم قد أشكلوا على الله تعالى لمزيد الإفاضة عليهم ، فيكون الحال مزيجاً بين الاستفسار والاسترحام والتلطف في المسألة لا على جهة الاعتراض والانكار ، وهذا الإشكال على هذا النحو لا يشكّل ما لا يجوز لهم ولا يباح ، لأنهم طلاب معرفة ، وهم يستشكلون الأمر لأنهم يقدّسون الله ويسبحونه ، فعلى هذا يكون الباعث على ذلك مجرد التعجب من وجود حالتين متقابلتين : حالة الملائكة وهم بين التسبيح والتقديس لله في السماء ، وحالة البشرية في الإفساد وسفك الدماء في الأرض ، فكان الجواب : إنه يعلم ما لا يعلمون ، فسلّموا للأمر تسليماً . هذا الانقداح الذهني في التصور الملائكي قد يكون للشفافية التي جبلوا عليها في الخلق ، فهم يتفرسون بما سيحدث لو وُجد هذا المخلوق البشري ، وهو ظاهر السياق القرآني ، وقد يقال : بأنّ الله خلق خلقاً قبل آدم ، وقد أفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، وكأنهم قاسوا هؤلاء على أولئك ، وهذا مما لم ينطق به القرآن ، وهو من القياس الباطل . القضية الثانية : بعد أن خلق الله آدم حكى الله ما حدث بقوله:
    ( وَإِذ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسجُدُوا لأِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبلِيسَ أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ * ) (2) .
    وهنا يظهر إمتناع إبليس من السجود ، فزجره الله تعالى :
    ( قَالَ مَا مَنَعَكَ
    (1) البقرة : 30 .
    (2) البقرة : 34 .
    أَلاَّ تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ ) (1) . فأجاب إبليس بصيغة واحدة ، وأخرى ، أما الصيغة الواحدة :
    ( أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ ) (2) ، والصيغة الأخرى في سورة أخرى ، فيما حكاه تعالى عنه : ( قَالَ لَم أَكُن لأسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِّن حَمَإٍ مَّسنُونٍ * ) (3) .
    والتعليل في الإجابة واحد أن الله خلق آدم من عنصر الطين ، وهو من عنصر النار ، والنار في زعمه أشرف عنصراً من الطين .
    وهنا يتضح أن الله تعالت قدرته قد خلق آدم من طين ، كما نصّ عليه:
    ( إِذ قَالَ رَبُكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ « 71 » ) (4) .
    وفي هذا الضوء نجد خلق عيسى بن مريم عليه في كيفية خرق بها الله النواميس الطبيعية للكون ، فكان عيسى عليه السلام كمثل آدم كما قال : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * ) (5) . وهذا الخلق الاعجازي العظيم هزّ العالمين في الحديث عن قدرة الله تعالى ، وقد تحدث القرآن عن بداية هذا الخلق وإرهاصات تكوينه الإبداعي ، ببيان ظروفه كافة ، وشرح أبعاده ، فقال تعالى : ( وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِيّاً * فَاتَّخَذَت مِنْ دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَت إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لِكَ غُلاَماً زَكِياً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيّاً ) (6). وهنا الإرهاص التوقعي أن مريم عليها السلام ستلد غلاماً زكياً ، بعد أن إنتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ، وأتخذت لها من دونهم ستراً وحجاباً فأرسل الله الروح الأمين جبرئيل عليه السلام متمثلاً بشراً سوياً متكاملاً، ، فأستعاذت به من الله تعالى إن كان تقياً ، فأخبرها بأنه رسول الله ليهب لها هذا
    (1) (2) الأعراف : 12 .
    (3) الحجر : 33 .
    (4) صّ : 71 .
    (5) آل عمران : 59 .
    (6) مريم : 16 ـ 20 .
    الغلام ، فأنكرت ذلك لأنها لم يمسسها بشر ولم تك بغيّاً ، وهنا يتجلى البعد الاعجازي الجديد ، في بيان هوان الأمر على الله ، وفي جعله آية للعالمين : ( قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُو عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمراً مَّقضِيّاً * فَحَمَلتَهُ فَآنتَبَذَت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخلَةِ قَالَت يَلَيتَنِي مِتَّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نَسياً مَّنسِياً * فَنَادَهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِياً * فَكُلِي وَاشرَبِي وَقُرِّي عَيناً فَإِمَّا تَرَينَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَوماً فَلَن أُكَلِمَ اليَومَ إِنسِياً * ) (1) .
    فالأمر هين على الله ليجعل عيسى آية للناس ورحمة ، وكان ذلك أمراً إلهياً تكوينياً ، فحملته وإبتعدت به ، فأجاءها المخاض مباشرة إلى جذع النخلة ، وتحسست بفداحة ما حملت به ، فتمنت الموت فناداها الملك أو عيسى ألا تحزني ، وتحدث إليها ، وأمرها بهز الجذع فتساقط الرطب ، وأمرت بالأكل والشرب وقرة العين ، وأن تقول لمن تراه من الناس أني نذرت لله صوم الصمت ، وإنتهى هذا الفصل ، وقد ولد عيسى دون أب ، وكان حقيقة واقعية لا تجحد ، وتختتم القصة بمثولها أمام قومها ، ليتجلى المحور الإعجازي لهم ، ويخشعوا صامتين ، وهكذا كان
يعمل...
X