بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
حياة الكائن الانساني في القرآن تستدعي تأملاً كثيراً في كل منحنياتها ، وتستدعي إنتباه الباحث الموضوعي في تناثر جزئياتها ، فهذا الكائن دون سواه قد حضي بالتكريم الآلهي ، قال تعالى :
( وَلَقَدْ كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِّن آلطَيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاٍ * ) (1) .
والعلة في هذا التكريم إعتباره الخلق الأول في حياة الأرض ، كما هو ظاهر القرآن ، وهذا الخلق يمتاز بالدقة في التركيب ، والحسن بالتقويم ، والابداع في التصوير .
هذا الخلق الجديد ذو طابعين : طابع إعجازي لا عن مثيل ، وطابع فطري في سنة الحياة يقترن بالتزاوج والتناسل بين الذكر والأنثى بتلاقح الحويمن المنوي المذّكر بالبيضة المخصبة الأنثوية ، لينتج ذلك كائناً ناطقاً عاقلاً مفكراً من جماد ، لا أهلية له من نطق أو عقل أو إرادة أو تفكير ، وهذا ما جلب إنتباه فيلسوف المعرّة أبي العلاء المعري فقال:
والذي حارث البريةُ فيهِ * حَيَوانٌ مستحدثٌ من جماد (2)
وكل من هذين الملحظين المهمين في تكوين الإنسان حديث يتناول أبعاده الأولى والمتطورة على حد سواء ، حتى لحظات الموت وحياة البرزخ وقيام الساعة . وقد بدأ هذا الإبداع الإلهي بما حكاه الله تعالى في كتابه : ( وَإِذا قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا(1) الأسراء : 70 . (2) طه حسين ،
وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِسُ لَكَ قَالَ إِنِى أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ * ) (1) . هذه هي البداية بهذا الجعل التكويني المستفيض الذي لا يقبل الردّ ، وهنا تنطلق قضيّتان : الأولى هذا الأستفهام من الملائكة : ( أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ آلدِمَآءَ )
ولا يمكن أن يصوّر هذا الاستفهام في طلب المعرفة وإستيضاح الحال بأنّه إعتراض على الله ، لأن الإفاضات التي حصل عليها الملائكة ، وهم عباد مقربّون مكرمون ، لا تبيح لهم الإعتراض والأنكار ، فهم أعرف بجلالة المقام الألهي ، وسمو الحضرة القدسية ، وقد يقال بأنهم قد أشكلوا على الله تعالى لمزيد الإفاضة عليهم ، فيكون الحال مزيجاً بين الاستفسار والاسترحام والتلطف في المسألة لا على جهة الاعتراض والانكار ، وهذا الإشكال على هذا النحو لا يشكّل ما لا يجوز لهم ولا يباح ، لأنهم طلاب معرفة ، وهم يستشكلون الأمر لأنهم يقدّسون الله ويسبحونه ، فعلى هذا يكون الباعث على ذلك مجرد التعجب من وجود حالتين متقابلتين : حالة الملائكة وهم بين التسبيح والتقديس لله في السماء ، وحالة البشرية في الإفساد وسفك الدماء في الأرض ، فكان الجواب : إنه يعلم ما لا يعلمون ، فسلّموا للأمر تسليماً . هذا الانقداح الذهني في التصور الملائكي قد يكون للشفافية التي جبلوا عليها في الخلق ، فهم يتفرسون بما سيحدث لو وُجد هذا المخلوق البشري ، وهو ظاهر السياق القرآني ، وقد يقال : بأنّ الله خلق خلقاً قبل آدم ، وقد أفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، وكأنهم قاسوا هؤلاء على أولئك ، وهذا مما لم ينطق به القرآن ، وهو من القياس الباطل . القضية الثانية : بعد أن خلق الله آدم حكى الله ما حدث بقوله:
( وَإِذ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسجُدُوا لأِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبلِيسَ أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ * ) (2) .
وهنا يظهر إمتناع إبليس من السجود ، فزجره الله تعالى :
( قَالَ مَا مَنَعَكَ
(1) البقرة : 30 .
(2) البقرة : 34 .
أَلاَّ تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ ) (1) . فأجاب إبليس بصيغة واحدة ، وأخرى ، أما الصيغة الواحدة :
( أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ ) (2) ، والصيغة الأخرى في سورة أخرى ، فيما حكاه تعالى عنه : ( قَالَ لَم أَكُن لأسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِّن حَمَإٍ مَّسنُونٍ * ) (3) .
والتعليل في الإجابة واحد أن الله خلق آدم من عنصر الطين ، وهو من عنصر النار ، والنار في زعمه أشرف عنصراً من الطين .
وهنا يتضح أن الله تعالت قدرته قد خلق آدم من طين ، كما نصّ عليه:
( إِذ قَالَ رَبُكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ « 71 » ) (4) .
وفي هذا الضوء نجد خلق عيسى بن مريم عليه في كيفية خرق بها الله النواميس الطبيعية للكون ، فكان عيسى عليه السلام كمثل آدم كما قال : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * ) (5) . وهذا الخلق الاعجازي العظيم هزّ العالمين في الحديث عن قدرة الله تعالى ، وقد تحدث القرآن عن بداية هذا الخلق وإرهاصات تكوينه الإبداعي ، ببيان ظروفه كافة ، وشرح أبعاده ، فقال تعالى : ( وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِيّاً * فَاتَّخَذَت مِنْ دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَت إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لِكَ غُلاَماً زَكِياً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيّاً ) (6). وهنا الإرهاص التوقعي أن مريم عليها السلام ستلد غلاماً زكياً ، بعد أن إنتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ، وأتخذت لها من دونهم ستراً وحجاباً فأرسل الله الروح الأمين جبرئيل عليه السلام متمثلاً بشراً سوياً متكاملاً، ، فأستعاذت به من الله تعالى إن كان تقياً ، فأخبرها بأنه رسول الله ليهب لها هذا
(1) (2) الأعراف : 12 .
(3) الحجر : 33 .
(4) صّ : 71 .
(5) آل عمران : 59 .
(6) مريم : 16 ـ 20 .
الغلام ، فأنكرت ذلك لأنها لم يمسسها بشر ولم تك بغيّاً ، وهنا يتجلى البعد الاعجازي الجديد ، في بيان هوان الأمر على الله ، وفي جعله آية للعالمين : ( قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُو عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمراً مَّقضِيّاً * فَحَمَلتَهُ فَآنتَبَذَت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخلَةِ قَالَت يَلَيتَنِي مِتَّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نَسياً مَّنسِياً * فَنَادَهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِياً * فَكُلِي وَاشرَبِي وَقُرِّي عَيناً فَإِمَّا تَرَينَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَوماً فَلَن أُكَلِمَ اليَومَ إِنسِياً * ) (1) .
فالأمر هين على الله ليجعل عيسى آية للناس ورحمة ، وكان ذلك أمراً إلهياً تكوينياً ، فحملته وإبتعدت به ، فأجاءها المخاض مباشرة إلى جذع النخلة ، وتحسست بفداحة ما حملت به ، فتمنت الموت فناداها الملك أو عيسى ألا تحزني ، وتحدث إليها ، وأمرها بهز الجذع فتساقط الرطب ، وأمرت بالأكل والشرب وقرة العين ، وأن تقول لمن تراه من الناس أني نذرت لله صوم الصمت ، وإنتهى هذا الفصل ، وقد ولد عيسى دون أب ، وكان حقيقة واقعية لا تجحد ، وتختتم القصة بمثولها أمام قومها ، ليتجلى المحور الإعجازي لهم ، ويخشعوا صامتين ، وهكذا كان
حياة الكائن الانساني في القرآن تستدعي تأملاً كثيراً في كل منحنياتها ، وتستدعي إنتباه الباحث الموضوعي في تناثر جزئياتها ، فهذا الكائن دون سواه قد حضي بالتكريم الآلهي ، قال تعالى :
( وَلَقَدْ كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِّن آلطَيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاٍ * ) (1) .
والعلة في هذا التكريم إعتباره الخلق الأول في حياة الأرض ، كما هو ظاهر القرآن ، وهذا الخلق يمتاز بالدقة في التركيب ، والحسن بالتقويم ، والابداع في التصوير .
هذا الخلق الجديد ذو طابعين : طابع إعجازي لا عن مثيل ، وطابع فطري في سنة الحياة يقترن بالتزاوج والتناسل بين الذكر والأنثى بتلاقح الحويمن المنوي المذّكر بالبيضة المخصبة الأنثوية ، لينتج ذلك كائناً ناطقاً عاقلاً مفكراً من جماد ، لا أهلية له من نطق أو عقل أو إرادة أو تفكير ، وهذا ما جلب إنتباه فيلسوف المعرّة أبي العلاء المعري فقال:
والذي حارث البريةُ فيهِ * حَيَوانٌ مستحدثٌ من جماد (2)
وكل من هذين الملحظين المهمين في تكوين الإنسان حديث يتناول أبعاده الأولى والمتطورة على حد سواء ، حتى لحظات الموت وحياة البرزخ وقيام الساعة . وقد بدأ هذا الإبداع الإلهي بما حكاه الله تعالى في كتابه : ( وَإِذا قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا(1) الأسراء : 70 . (2) طه حسين ،
وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِسُ لَكَ قَالَ إِنِى أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُونَ * ) (1) . هذه هي البداية بهذا الجعل التكويني المستفيض الذي لا يقبل الردّ ، وهنا تنطلق قضيّتان : الأولى هذا الأستفهام من الملائكة : ( أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ آلدِمَآءَ )
ولا يمكن أن يصوّر هذا الاستفهام في طلب المعرفة وإستيضاح الحال بأنّه إعتراض على الله ، لأن الإفاضات التي حصل عليها الملائكة ، وهم عباد مقربّون مكرمون ، لا تبيح لهم الإعتراض والأنكار ، فهم أعرف بجلالة المقام الألهي ، وسمو الحضرة القدسية ، وقد يقال بأنهم قد أشكلوا على الله تعالى لمزيد الإفاضة عليهم ، فيكون الحال مزيجاً بين الاستفسار والاسترحام والتلطف في المسألة لا على جهة الاعتراض والانكار ، وهذا الإشكال على هذا النحو لا يشكّل ما لا يجوز لهم ولا يباح ، لأنهم طلاب معرفة ، وهم يستشكلون الأمر لأنهم يقدّسون الله ويسبحونه ، فعلى هذا يكون الباعث على ذلك مجرد التعجب من وجود حالتين متقابلتين : حالة الملائكة وهم بين التسبيح والتقديس لله في السماء ، وحالة البشرية في الإفساد وسفك الدماء في الأرض ، فكان الجواب : إنه يعلم ما لا يعلمون ، فسلّموا للأمر تسليماً . هذا الانقداح الذهني في التصور الملائكي قد يكون للشفافية التي جبلوا عليها في الخلق ، فهم يتفرسون بما سيحدث لو وُجد هذا المخلوق البشري ، وهو ظاهر السياق القرآني ، وقد يقال : بأنّ الله خلق خلقاً قبل آدم ، وقد أفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، وكأنهم قاسوا هؤلاء على أولئك ، وهذا مما لم ينطق به القرآن ، وهو من القياس الباطل . القضية الثانية : بعد أن خلق الله آدم حكى الله ما حدث بقوله:
( وَإِذ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسجُدُوا لأِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبلِيسَ أَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ * ) (2) .
وهنا يظهر إمتناع إبليس من السجود ، فزجره الله تعالى :
( قَالَ مَا مَنَعَكَ
(1) البقرة : 30 .
(2) البقرة : 34 .
أَلاَّ تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ ) (1) . فأجاب إبليس بصيغة واحدة ، وأخرى ، أما الصيغة الواحدة :
( أَنَا خَيرٌ مِنهُ خَلَقتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقتَهُ مِن طِينٍ ) (2) ، والصيغة الأخرى في سورة أخرى ، فيما حكاه تعالى عنه : ( قَالَ لَم أَكُن لأسجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقتَهُ مِن صَلصَالٍ مِّن حَمَإٍ مَّسنُونٍ * ) (3) .
والتعليل في الإجابة واحد أن الله خلق آدم من عنصر الطين ، وهو من عنصر النار ، والنار في زعمه أشرف عنصراً من الطين .
وهنا يتضح أن الله تعالت قدرته قد خلق آدم من طين ، كما نصّ عليه:
( إِذ قَالَ رَبُكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ « 71 » ) (4) .
وفي هذا الضوء نجد خلق عيسى بن مريم عليه في كيفية خرق بها الله النواميس الطبيعية للكون ، فكان عيسى عليه السلام كمثل آدم كما قال : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * ) (5) . وهذا الخلق الاعجازي العظيم هزّ العالمين في الحديث عن قدرة الله تعالى ، وقد تحدث القرآن عن بداية هذا الخلق وإرهاصات تكوينه الإبداعي ، ببيان ظروفه كافة ، وشرح أبعاده ، فقال تعالى : ( وَاذكُر فِي الكِتَابِ مَريَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهلِهَا مَكَاناً شَرقِيّاً * فَاتَّخَذَت مِنْ دُونِهِم حِجَاباً فَأَرسَلنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَت إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لِكَ غُلاَماً زَكِياً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيّاً ) (6). وهنا الإرهاص التوقعي أن مريم عليها السلام ستلد غلاماً زكياً ، بعد أن إنتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ، وأتخذت لها من دونهم ستراً وحجاباً فأرسل الله الروح الأمين جبرئيل عليه السلام متمثلاً بشراً سوياً متكاملاً، ، فأستعاذت به من الله تعالى إن كان تقياً ، فأخبرها بأنه رسول الله ليهب لها هذا
(1) (2) الأعراف : 12 .
(3) الحجر : 33 .
(4) صّ : 71 .
(5) آل عمران : 59 .
(6) مريم : 16 ـ 20 .
الغلام ، فأنكرت ذلك لأنها لم يمسسها بشر ولم تك بغيّاً ، وهنا يتجلى البعد الاعجازي الجديد ، في بيان هوان الأمر على الله ، وفي جعله آية للعالمين : ( قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُو عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمراً مَّقضِيّاً * فَحَمَلتَهُ فَآنتَبَذَت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخلَةِ قَالَت يَلَيتَنِي مِتَّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نَسياً مَّنسِياً * فَنَادَهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِياً * فَكُلِي وَاشرَبِي وَقُرِّي عَيناً فَإِمَّا تَرَينَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَوماً فَلَن أُكَلِمَ اليَومَ إِنسِياً * ) (1) .
فالأمر هين على الله ليجعل عيسى آية للناس ورحمة ، وكان ذلك أمراً إلهياً تكوينياً ، فحملته وإبتعدت به ، فأجاءها المخاض مباشرة إلى جذع النخلة ، وتحسست بفداحة ما حملت به ، فتمنت الموت فناداها الملك أو عيسى ألا تحزني ، وتحدث إليها ، وأمرها بهز الجذع فتساقط الرطب ، وأمرت بالأكل والشرب وقرة العين ، وأن تقول لمن تراه من الناس أني نذرت لله صوم الصمت ، وإنتهى هذا الفصل ، وقد ولد عيسى دون أب ، وكان حقيقة واقعية لا تجحد ، وتختتم القصة بمثولها أمام قومها ، ليتجلى المحور الإعجازي لهم ، ويخشعوا صامتين ، وهكذا كان
