بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى
1 ـ (براءة من الله...) الآية تتضمن الحكم ببطلان العهد ورفع الأمان عن جماعة من المشركين كانوا قد عاهدوا المسلمين، ثمّ نقضه أكثرهم، ولم يبق إلى من بقى منهم وثوق تطمئن به النفس إلى عهدهم وتعتمد على يمينهم وتأمن شرهم وأنواع مكرهم.
2 ـ (فسيحوا في الأرض...) أمرهم بالسياحة [السير في الأرض] أربعة أشهر، كناية عن جعلهم في مأمن في هذه البرهة من الزمان حتى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم من البقاء أو الفناء، وأن الأصلح بحالهم رفض الشرك والاقبال إلى دين التوحيد.
3 ـ (وأذان من الله...) الأذان: الاعلام. والمراد بيوم الحج الأكبر: يوم النحر [من السنة التاسعة للهجرة] لأنه كان
[176]
يوماً اجتمع فيه المسلمون والمشركون. ثم التفت سبحانه إلى المشركين ثانياً وذكّرهم أنهم غير معجزين لله ليكونوا على بصيرة من أمرهم. ثم التفت سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وآله فخاطبه أن يبشر الّذين كفروا بعذاب أليم (وبشّر الّذين كفروا بعذاب أليم).
4 ـ (إلاّ الّذين عاهدتم...) استثناء من عموم البراءة من المشركين. والمستثنون هم المشركون الّذين لهم عهد لم ينقضوه [لا مباشرة ولا بصورة غير مباشرة] فمن الواجب الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم إلى مدتهم.
5 ـ (فإذا انسلخ الأشهر...) فإذا انقضت الأربعة أشهر التي أمهلناهم بها، فأفنوا المشركين بأي وسيلة ممكنة رأيتموها أقرب وأوصل إلى إفناء جمعهم وإمحاء رسمهم من قتلهم أينما وجدتموهم من حل أو حرم، ومتى ما ظفرتم بهم في شهر حرام أو غيره، ومِن أخذِهم أو حصرِهم أو القعود لهم في كل مرصد حتى يفنوا عن آخرهم. (فإن تابوا وأقاموا الصّلاة...) إنْ رجعوا من الشرك إلى التوحيد بالإيمان ونصبوا لذلك حجة من أعمالهم وهي الصّلاة والزكاة والتزموا أحكام دينكم الراجعة إلى الخالق فخلوا سبيلهم.
6 ـ (وإن أحد من المشركين...) إن طلب منك بعض هؤلاء المشركين الذين رفع عنهم الأمان أن تأمنه في جوارك ليحضر عندك ويكلمك فيما تدعو إليه من الحق الذي يتضمنه كلام الله فأجره حتى يسمع كلام الله وترتفع عنه غشاوة الجهل، ثمّ أبلغه مأمنه حتى يملك منك أمناً تامّاً كاملاً.
7 ـ (كيف يكون للمشركين...) استفهام في مقام الإنكار، وقد بادرت الآية إلى استثناء الّذين عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام لكونهم لم ينقضوا عهداً ولم يساهلوا فيما واثقوا به.
8 ـ (كيف وإن يظهروا...) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، والحال أنهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الأمر، لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهداً من العهود، يرضونكم بالكلام المدلّس والقول المزوق، وتأبى ذلك قلوبهم وأكثرهم فاسقون.
9، 10 ـ (اشتروا بآيات الله...) إذا كان هذا حالهم وهذه أفعالهم فلا تحسبوا أن لو نقضتم عهدهم، اعتديتم عليهم، فاُولئك هم المعتدون عليكم لما اضمروه من العداوة والبغضاء ولما أظهره أكثرهم في مقام العمل من الصد عن سبيل الله وعدم رعاية قرابة ولا عهد في المؤمنين.
11 ـ (فإن تابوا وأقاموا...) المراد بالتوبة بدلالة السياق: الرجوع إلى الإيمان بالله وآياته، ولذلك لم يقتصر على التوبة فقط، بل عطف عليها إقامة الصلاة التي هي أظهر مظاهر عبادة الله، وإيتاء الزكاة الذي هو أقوى أركان المجتمع الدينيّ، وقد أشير بها الى نوع الوظائف الدينية التي بإتيانها يتم الإيمان بآيات الله بعد الإيمان بالله عزّ اسمه.
(فإخوانكم في الدِّين) المراد به بيان التساوي بينهم وبين سائر المؤمنين في الحقوق التي يعتبرها الإسلام في المجتمع الإسلامي.
12 ـ (وإن نكثوا أيمانهم...) هؤلاء قوم آخرون لهم مع ولي الأمر من المسلمين عهود وأيمان ينكثون أيمانهم من بعد عهدهم، أي ينقضون عهودهم من بعد عقدها، فأمر الله سبحانه بقتالهم، وألغى أيمانهم وسمّاهم أئمة الكفر لأنهم السابقون في الكفر بآيات الله يتّبعهم غيرهم ممن يليهم، يُقاتَلون جميعاً لعلهم ينتهون عن نكث الأيمان ونقض العهود.
13 ـ (ألا تقاتلون قوماً...) تحريض للمؤمنين على قتال المشركين ببيان ما أجرموا به في جنب الله وخانوا به الحق
[177]
والحقيقة، وعدّ خطاياهم من نكث الأيمان والهمّ باخراج الرّسول صلى الله عليه وآله والبدء بالقتال أول مرة. ثمّ بتعريف المؤمنين أن لازم إيمانهم بالله أن لا يخشوا إلاّ إياه إن كانوا مؤمنين به، ففي ذلك تقوية لقلوبهم وتشجيعهم عليهم، وينتهي الى بيان أنهم ممتحنون من عند الله بإخلاص الإيمان له والقطع من المشركين حتى يؤجروا بما يؤجر به المؤمن المتحقِّق في إيمانه.
14، 15 ـ (قاتلوهم يعذبهم الله...) أعاد الأمر بالقتال لأنه صار من جهة ما تقدم من التحريض أوقع في القبول. على أن ما اُتبع به الأمر من قوله: (يعذبهم الله بأيديكم...) يؤكد الأمر ويُغري المأمورين على امتثاله وإجرائه.
16 ـ (أم حسبتم أن...) بل أظننتم أن تتركوا على ما أنتم عليه، ولمّا يظهر في الخارج جهادكم وعدم اتخاذكم من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة. والوليجة على ما في مفردات الراغب: كل ما يتخذه الإنسان معتمداً عليه وليس من أهله.
17 ـ (ما كان للمشركين...) لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرمّوا [يصلحوا] ما استرمّ من المسجد الحرام كسائر مساجد الله، والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم. (أولئك حبطت أعمالهم...) كأنه قيل: أولئك لا تهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة، بل هم في النّار الخالدة.
18 ـ (إنما يُعمّر مساجد...) اشترط الله سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتصف العامر بالإيمان بالله واليوم الآخر. (ولم يخش إلاّ الله) ولم يعبد أحداً من دون الله من الآلهة. (فعسى أولئك أن...) أولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحداً غير الله سبحانه، يرجى في حقهم أن يكونوا من المهتدين.
19 ـ (أجعلتم سقاية الحاج...) الآيات نزلت في العبّاس وشيبة وعليّ عليه السلام، حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج، وشيبة عمارة المسجد الحرام، وعليّ الإيمان والجهاد في سبيل الله، فنزلت الآيات.
في تفسير القمّي عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت في عليّ والعبّاس وشيبة، قال العبّاس: أنا أفضل لأنّ سقاية الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، وقال عليّ: أنا أفضل لأنِّي آمنت قبلكما ثم هاجرت وجاهدت. فرضوا برسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ إنّ الله عنده أجر عظيم).
20 ـ (الّذين آمنوا وهاجروا...) إن الّذي آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله، أعظم درجة عند الله. وقوله: (أولئك أعظم درجة عند الله) بالقياس إلى هؤلاء الّذين لا درجة لهم أصلاً، وهذا نوع من الكناية عن أن لا نسبة حقيقية بين الفريقين، لأن أحدهما ذو قدم رفيع فيما لا قدم للآخر أصلاً.
21، 22 ـ (يبشرهم ربّهم برحمة...). (يبشرهم) هؤلاء المؤمنين (رّبهم برحمة منه) عظيمة لا يقدر قدرها (ورضوان) كذلك (وجنّات لهم فيها) في تلك الجنات (نعيم مقيم) لا يزول ولا ينفد (خالدين فيها أبداً) لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد.
23 ـ (يا أيّها الّذين آمنوا...) نهي عن تولي الكفار ولو كانوا آباءً وإخواناً.
24 ـ (قل إن كان آباؤكم...) عدّ الله سبحانه أصول ما يتعلق به الحب النفساني من زينة الحياة الدّنيا، وهي الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، والأموال التي اكتسبوها وجمعوها والتجارة الّتي يخشون كسادها والمساكن التي
[178]
يرضونها. وذكر تعالى أنهم إن تولوا أعداء الدّين، وقدموا حكم هؤلاء الأمور على حبّ الله ورسوله والجهاد في سبيله، فليتربّصوا ولينتظروا حتى يأتي الله بأمره، ويبعث قوماً لا يحبون إلاّ الله ولا يوالون أعداءه ويقومون بنصرة الدين والجهاد في سبيل الله أفضل قيام، فإنكم إذاً فاسقون لا ينتفع بكم الدّين.
25 ـ (لقد نصركم الله...) ذِكرٌ لنصرته تعالى لهم في مواطن كثيرة ومواضع متعددة كوقائع بدر واُحد والخندق وخيبر وغيرها. (إذ أعجبتكم كثرتكم) أسرّتكم الكثرة التي شاهدتموها في انفسكم فانقطعتم عن الاعتماد بالله (فلم تغن عنكم شيئاً) اتخذتموها سبباً مستقلاً دون الله وركنتم إليها فبان لكم ما في وسع هذا السبب الموهوم وهو أن لا غنى عنده حتى يغنيكم، فلم يغن [هذا السبب] عنكم شيئاً. (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت...) فررتم فراراً لا تلوون على شيء.
26 ـ (ثمّ أنزل الله...) السكينة: حالة قلبية توجب سكون النفس وثبات القلب. والّذي يفهم من السّياق ان الجنود هي الملائكة النازلة إلى المعركة. أو أن يقال: من جملتها الملائكة النازلة.
27 ـ (ثمّ يتوب الله...) التوبة من الله سبحانه: هي الرجوع إلى عبده بالعناية والتوفيق أولاً ثمّ بالعفو والمغفرة ثانياً. ومن العبد: الرجوع إلى ربّه بالندامة والاستغفار، ولا يتوب الله على من لا يتوب إليه.
28 ـ (يا أيّها الّذين آمنوا...) أمر المؤمنين بمنع المشركين عن دخول المسجد الحرام. والمراد بقوله: (عامهم هذا): سنة تسع من الهجرة. (وإن خفتم عيلة) وإن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحج وتتعطل أسواقكم وتذهب تجارتكم، فتفتقروا وتعيلوا، فلا تخافوا فسوف يغنيكم الله من فضله ويؤمنكم من الفقر الذي تخافونه.
29 ـ (قاتلوا الّذين لا يؤمنون...) قاتلوا أهل الكتاب لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً مقبولاً غير منحرف عن الصواب، ولا يحرمون ما حرمه الله ممّا يفسد اقترافه المجتمع الإنساني، ولا يدينون ديناً منطبقاً على الخلقة الإلهية، قاتلوهم ودوموا على قتالهم حتى يصغروا عندكم ويخضعوا لحكومتكم، ويعطوا في ذلك عطية مالية مضروبة عليهم تمثل صغارهم [خضوعهم ] وتصرف في حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحاجة إدارة أمورهم.
30 ـ (وقالت اليهود...) عزير هو الّذي يسميه اليهود عزرا وهو الذي جدد دين اليهود وجمع أسفار التّوراة. (يضاهئون قول الّذين...) تنبئ الآية عن ان القول بالبنوّة منهم مضاهاة ومشاكلة لقول من تقدمهم من الأمم الكافرة وهم الوثنيون عبدة الأصنام.
31 ـ (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم...) اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من غير قيد وشرط، ولا يطاع كذلك إلاّ الله سبحانه. وأما اتخاذهم المسيح بن مريم رباً من دون الله: فهو القول بألوهيته. (سبحانه عمّا يشركون) تنزيه له تعالى عما يتضمنه قولهم بربوبية الأحبار والرهبان، وقولهم بربوبية المسيح عليه السلام، من الشرك.
[179]
32 ـ (يريدون أن يطفئوا...) الآية إشارة إلى حال الدعوة الإسلامية وما يريده منها الكافرون، وفيها وعد جميل بأن الله سيتم نوره.
33 ـ (هو الّذي أرسل...) إن الله هو الّذي أرسل رسوله محمّداً صلى الله عليه وآله مع الهداية ـ أو الآيات والبينات ـ ودين فطري ليظهره وينصر دينه الّذي هو دين الحق على كل الأديان، ولو كره المشركون ذلك.
وفي الآيتين من تحريض المؤمنين على قتال أهل الكتاب والإشارة إلى وجوب ذلك عليهم ما لا يخفى، فانهما تدلاّن على أن الله أراد إنتشار هذا الدين في العالم البشري، فلا بدّ من السعي والمجاهدة في ذلك، وأن أهل الكتاب يريدون أن يطفئوا هذا النور بأفواههم، فلا بدّ من قتالهم حتى يفنوا أو يستبقوا بالجزية والصغار، وأن الله تعالى يأبى إلاّ أن يتمّ نوره، ويريد أن يظهر هذا الدِّين على غيره، فالدائرة بمشيّة الله لهم على أعدائهم، فلا ينبغي لهم أن يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
34 ـ (يا أيّها الّذين آمنوا...) الظاهر أن الآية إشارة إلى بعض التوضيح لقوله في أول الآيات: (ولا يحرمون ما حرم الله...) وهو بيان ما يفسد من صفاتهم وأعمالهم المجتمع الإنساني ويسدّ طريق الحكومة الدّينية العادلة. (والّذين يكنزون الذّهب...) الآية وإن اتصلت بما قبلها من الآيات الذامّة لأهل الكتاب، إلاّ أنه لا دليل من جهة اللّفظ على نزولها فيهم. والآية توعد الكافرين إيعاداً شديداً وتهددهم بعذاب شديد. والذي يبغضه الله من الكنز ما يلازم الكف عن إنفاقه في سبيل الله إذا كان هناك سبيل.
35 ـ (يوم يُحمى عليها...) إن ذلك العذاب المبشر به، في يوم يوقد على تلك الكنوز في نار جهنم، فتكون محماة بالنّار فتلصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم ويقال لهم: (هذا ما كنزتم لأنفسكم...) فقد عاد عذاباً عليكم تعذبون به.
1 ـ (براءة من الله...) الآية تتضمن الحكم ببطلان العهد ورفع الأمان عن جماعة من المشركين كانوا قد عاهدوا المسلمين، ثمّ نقضه أكثرهم، ولم يبق إلى من بقى منهم وثوق تطمئن به النفس إلى عهدهم وتعتمد على يمينهم وتأمن شرهم وأنواع مكرهم.
2 ـ (فسيحوا في الأرض...) أمرهم بالسياحة [السير في الأرض] أربعة أشهر، كناية عن جعلهم في مأمن في هذه البرهة من الزمان حتى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم من البقاء أو الفناء، وأن الأصلح بحالهم رفض الشرك والاقبال إلى دين التوحيد.
3 ـ (وأذان من الله...) الأذان: الاعلام. والمراد بيوم الحج الأكبر: يوم النحر [من السنة التاسعة للهجرة] لأنه كان
[176]
يوماً اجتمع فيه المسلمون والمشركون. ثم التفت سبحانه إلى المشركين ثانياً وذكّرهم أنهم غير معجزين لله ليكونوا على بصيرة من أمرهم. ثم التفت سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وآله فخاطبه أن يبشر الّذين كفروا بعذاب أليم (وبشّر الّذين كفروا بعذاب أليم).
4 ـ (إلاّ الّذين عاهدتم...) استثناء من عموم البراءة من المشركين. والمستثنون هم المشركون الّذين لهم عهد لم ينقضوه [لا مباشرة ولا بصورة غير مباشرة] فمن الواجب الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم إلى مدتهم.
5 ـ (فإذا انسلخ الأشهر...) فإذا انقضت الأربعة أشهر التي أمهلناهم بها، فأفنوا المشركين بأي وسيلة ممكنة رأيتموها أقرب وأوصل إلى إفناء جمعهم وإمحاء رسمهم من قتلهم أينما وجدتموهم من حل أو حرم، ومتى ما ظفرتم بهم في شهر حرام أو غيره، ومِن أخذِهم أو حصرِهم أو القعود لهم في كل مرصد حتى يفنوا عن آخرهم. (فإن تابوا وأقاموا الصّلاة...) إنْ رجعوا من الشرك إلى التوحيد بالإيمان ونصبوا لذلك حجة من أعمالهم وهي الصّلاة والزكاة والتزموا أحكام دينكم الراجعة إلى الخالق فخلوا سبيلهم.
6 ـ (وإن أحد من المشركين...) إن طلب منك بعض هؤلاء المشركين الذين رفع عنهم الأمان أن تأمنه في جوارك ليحضر عندك ويكلمك فيما تدعو إليه من الحق الذي يتضمنه كلام الله فأجره حتى يسمع كلام الله وترتفع عنه غشاوة الجهل، ثمّ أبلغه مأمنه حتى يملك منك أمناً تامّاً كاملاً.
7 ـ (كيف يكون للمشركين...) استفهام في مقام الإنكار، وقد بادرت الآية إلى استثناء الّذين عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام لكونهم لم ينقضوا عهداً ولم يساهلوا فيما واثقوا به.
8 ـ (كيف وإن يظهروا...) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، والحال أنهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الأمر، لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهداً من العهود، يرضونكم بالكلام المدلّس والقول المزوق، وتأبى ذلك قلوبهم وأكثرهم فاسقون.
9، 10 ـ (اشتروا بآيات الله...) إذا كان هذا حالهم وهذه أفعالهم فلا تحسبوا أن لو نقضتم عهدهم، اعتديتم عليهم، فاُولئك هم المعتدون عليكم لما اضمروه من العداوة والبغضاء ولما أظهره أكثرهم في مقام العمل من الصد عن سبيل الله وعدم رعاية قرابة ولا عهد في المؤمنين.
11 ـ (فإن تابوا وأقاموا...) المراد بالتوبة بدلالة السياق: الرجوع إلى الإيمان بالله وآياته، ولذلك لم يقتصر على التوبة فقط، بل عطف عليها إقامة الصلاة التي هي أظهر مظاهر عبادة الله، وإيتاء الزكاة الذي هو أقوى أركان المجتمع الدينيّ، وقد أشير بها الى نوع الوظائف الدينية التي بإتيانها يتم الإيمان بآيات الله بعد الإيمان بالله عزّ اسمه.
(فإخوانكم في الدِّين) المراد به بيان التساوي بينهم وبين سائر المؤمنين في الحقوق التي يعتبرها الإسلام في المجتمع الإسلامي.
12 ـ (وإن نكثوا أيمانهم...) هؤلاء قوم آخرون لهم مع ولي الأمر من المسلمين عهود وأيمان ينكثون أيمانهم من بعد عهدهم، أي ينقضون عهودهم من بعد عقدها، فأمر الله سبحانه بقتالهم، وألغى أيمانهم وسمّاهم أئمة الكفر لأنهم السابقون في الكفر بآيات الله يتّبعهم غيرهم ممن يليهم، يُقاتَلون جميعاً لعلهم ينتهون عن نكث الأيمان ونقض العهود.
13 ـ (ألا تقاتلون قوماً...) تحريض للمؤمنين على قتال المشركين ببيان ما أجرموا به في جنب الله وخانوا به الحق
[177]
والحقيقة، وعدّ خطاياهم من نكث الأيمان والهمّ باخراج الرّسول صلى الله عليه وآله والبدء بالقتال أول مرة. ثمّ بتعريف المؤمنين أن لازم إيمانهم بالله أن لا يخشوا إلاّ إياه إن كانوا مؤمنين به، ففي ذلك تقوية لقلوبهم وتشجيعهم عليهم، وينتهي الى بيان أنهم ممتحنون من عند الله بإخلاص الإيمان له والقطع من المشركين حتى يؤجروا بما يؤجر به المؤمن المتحقِّق في إيمانه.
14، 15 ـ (قاتلوهم يعذبهم الله...) أعاد الأمر بالقتال لأنه صار من جهة ما تقدم من التحريض أوقع في القبول. على أن ما اُتبع به الأمر من قوله: (يعذبهم الله بأيديكم...) يؤكد الأمر ويُغري المأمورين على امتثاله وإجرائه.
16 ـ (أم حسبتم أن...) بل أظننتم أن تتركوا على ما أنتم عليه، ولمّا يظهر في الخارج جهادكم وعدم اتخاذكم من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة. والوليجة على ما في مفردات الراغب: كل ما يتخذه الإنسان معتمداً عليه وليس من أهله.
17 ـ (ما كان للمشركين...) لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرمّوا [يصلحوا] ما استرمّ من المسجد الحرام كسائر مساجد الله، والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم. (أولئك حبطت أعمالهم...) كأنه قيل: أولئك لا تهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة، بل هم في النّار الخالدة.
18 ـ (إنما يُعمّر مساجد...) اشترط الله سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتصف العامر بالإيمان بالله واليوم الآخر. (ولم يخش إلاّ الله) ولم يعبد أحداً من دون الله من الآلهة. (فعسى أولئك أن...) أولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحداً غير الله سبحانه، يرجى في حقهم أن يكونوا من المهتدين.
19 ـ (أجعلتم سقاية الحاج...) الآيات نزلت في العبّاس وشيبة وعليّ عليه السلام، حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج، وشيبة عمارة المسجد الحرام، وعليّ الإيمان والجهاد في سبيل الله، فنزلت الآيات.
في تفسير القمّي عن أبيه، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت في عليّ والعبّاس وشيبة، قال العبّاس: أنا أفضل لأنّ سقاية الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، وقال عليّ: أنا أفضل لأنِّي آمنت قبلكما ثم هاجرت وجاهدت. فرضوا برسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله: (أجعلتم سقاية الحاج ـ إلى قوله ـ إنّ الله عنده أجر عظيم).
20 ـ (الّذين آمنوا وهاجروا...) إن الّذي آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله، أعظم درجة عند الله. وقوله: (أولئك أعظم درجة عند الله) بالقياس إلى هؤلاء الّذين لا درجة لهم أصلاً، وهذا نوع من الكناية عن أن لا نسبة حقيقية بين الفريقين، لأن أحدهما ذو قدم رفيع فيما لا قدم للآخر أصلاً.
21، 22 ـ (يبشرهم ربّهم برحمة...). (يبشرهم) هؤلاء المؤمنين (رّبهم برحمة منه) عظيمة لا يقدر قدرها (ورضوان) كذلك (وجنّات لهم فيها) في تلك الجنات (نعيم مقيم) لا يزول ولا ينفد (خالدين فيها أبداً) لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد.
23 ـ (يا أيّها الّذين آمنوا...) نهي عن تولي الكفار ولو كانوا آباءً وإخواناً.
24 ـ (قل إن كان آباؤكم...) عدّ الله سبحانه أصول ما يتعلق به الحب النفساني من زينة الحياة الدّنيا، وهي الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة، والأموال التي اكتسبوها وجمعوها والتجارة الّتي يخشون كسادها والمساكن التي
[178]
يرضونها. وذكر تعالى أنهم إن تولوا أعداء الدّين، وقدموا حكم هؤلاء الأمور على حبّ الله ورسوله والجهاد في سبيله، فليتربّصوا ولينتظروا حتى يأتي الله بأمره، ويبعث قوماً لا يحبون إلاّ الله ولا يوالون أعداءه ويقومون بنصرة الدين والجهاد في سبيل الله أفضل قيام، فإنكم إذاً فاسقون لا ينتفع بكم الدّين.
25 ـ (لقد نصركم الله...) ذِكرٌ لنصرته تعالى لهم في مواطن كثيرة ومواضع متعددة كوقائع بدر واُحد والخندق وخيبر وغيرها. (إذ أعجبتكم كثرتكم) أسرّتكم الكثرة التي شاهدتموها في انفسكم فانقطعتم عن الاعتماد بالله (فلم تغن عنكم شيئاً) اتخذتموها سبباً مستقلاً دون الله وركنتم إليها فبان لكم ما في وسع هذا السبب الموهوم وهو أن لا غنى عنده حتى يغنيكم، فلم يغن [هذا السبب] عنكم شيئاً. (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت...) فررتم فراراً لا تلوون على شيء.
26 ـ (ثمّ أنزل الله...) السكينة: حالة قلبية توجب سكون النفس وثبات القلب. والّذي يفهم من السّياق ان الجنود هي الملائكة النازلة إلى المعركة. أو أن يقال: من جملتها الملائكة النازلة.
27 ـ (ثمّ يتوب الله...) التوبة من الله سبحانه: هي الرجوع إلى عبده بالعناية والتوفيق أولاً ثمّ بالعفو والمغفرة ثانياً. ومن العبد: الرجوع إلى ربّه بالندامة والاستغفار، ولا يتوب الله على من لا يتوب إليه.
28 ـ (يا أيّها الّذين آمنوا...) أمر المؤمنين بمنع المشركين عن دخول المسجد الحرام. والمراد بقوله: (عامهم هذا): سنة تسع من الهجرة. (وإن خفتم عيلة) وإن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحج وتتعطل أسواقكم وتذهب تجارتكم، فتفتقروا وتعيلوا، فلا تخافوا فسوف يغنيكم الله من فضله ويؤمنكم من الفقر الذي تخافونه.
29 ـ (قاتلوا الّذين لا يؤمنون...) قاتلوا أهل الكتاب لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً مقبولاً غير منحرف عن الصواب، ولا يحرمون ما حرمه الله ممّا يفسد اقترافه المجتمع الإنساني، ولا يدينون ديناً منطبقاً على الخلقة الإلهية، قاتلوهم ودوموا على قتالهم حتى يصغروا عندكم ويخضعوا لحكومتكم، ويعطوا في ذلك عطية مالية مضروبة عليهم تمثل صغارهم [خضوعهم ] وتصرف في حفظ ذمتهم وحقن دمائهم وحاجة إدارة أمورهم.
30 ـ (وقالت اليهود...) عزير هو الّذي يسميه اليهود عزرا وهو الذي جدد دين اليهود وجمع أسفار التّوراة. (يضاهئون قول الّذين...) تنبئ الآية عن ان القول بالبنوّة منهم مضاهاة ومشاكلة لقول من تقدمهم من الأمم الكافرة وهم الوثنيون عبدة الأصنام.
31 ـ (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم...) اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من غير قيد وشرط، ولا يطاع كذلك إلاّ الله سبحانه. وأما اتخاذهم المسيح بن مريم رباً من دون الله: فهو القول بألوهيته. (سبحانه عمّا يشركون) تنزيه له تعالى عما يتضمنه قولهم بربوبية الأحبار والرهبان، وقولهم بربوبية المسيح عليه السلام، من الشرك.
[179]
32 ـ (يريدون أن يطفئوا...) الآية إشارة إلى حال الدعوة الإسلامية وما يريده منها الكافرون، وفيها وعد جميل بأن الله سيتم نوره.
33 ـ (هو الّذي أرسل...) إن الله هو الّذي أرسل رسوله محمّداً صلى الله عليه وآله مع الهداية ـ أو الآيات والبينات ـ ودين فطري ليظهره وينصر دينه الّذي هو دين الحق على كل الأديان، ولو كره المشركون ذلك.
وفي الآيتين من تحريض المؤمنين على قتال أهل الكتاب والإشارة إلى وجوب ذلك عليهم ما لا يخفى، فانهما تدلاّن على أن الله أراد إنتشار هذا الدين في العالم البشري، فلا بدّ من السعي والمجاهدة في ذلك، وأن أهل الكتاب يريدون أن يطفئوا هذا النور بأفواههم، فلا بدّ من قتالهم حتى يفنوا أو يستبقوا بالجزية والصغار، وأن الله تعالى يأبى إلاّ أن يتمّ نوره، ويريد أن يظهر هذا الدِّين على غيره، فالدائرة بمشيّة الله لهم على أعدائهم، فلا ينبغي لهم أن يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
34 ـ (يا أيّها الّذين آمنوا...) الظاهر أن الآية إشارة إلى بعض التوضيح لقوله في أول الآيات: (ولا يحرمون ما حرم الله...) وهو بيان ما يفسد من صفاتهم وأعمالهم المجتمع الإنساني ويسدّ طريق الحكومة الدّينية العادلة. (والّذين يكنزون الذّهب...) الآية وإن اتصلت بما قبلها من الآيات الذامّة لأهل الكتاب، إلاّ أنه لا دليل من جهة اللّفظ على نزولها فيهم. والآية توعد الكافرين إيعاداً شديداً وتهددهم بعذاب شديد. والذي يبغضه الله من الكنز ما يلازم الكف عن إنفاقه في سبيل الله إذا كان هناك سبيل.
35 ـ (يوم يُحمى عليها...) إن ذلك العذاب المبشر به، في يوم يوقد على تلك الكنوز في نار جهنم، فتكون محماة بالنّار فتلصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم ويقال لهم: (هذا ما كنزتم لأنفسكم...) فقد عاد عذاباً عليكم تعذبون به.