بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل ِ على محمد وال محمد
سورة المائدة - 105
يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسكُمْ لا يَضرّكُم مّن ضلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
الآية تأمر المؤمنين أن يلزموا أنفسهم، و يلازموا سبيل هدايتهم و لا يوحشهم ضلال من ضل من الناس فإن الله سبحانه هو المرجع الحاكم على الجميع حسب أعمالهم، و الكلام مع ذلك لا يخلو عن غور عميق.
قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" لفظة "عليكم" اسم فعل بمعنى ألزموا، و "أنفسكم" مفعوله.
و من المعلوم أن الضلال و الاهتداء - و هما معنيان متقابلان - إنما يتحققان في سلوك الطريق لا غير فالملازم لمتن الطريق ينتهي إلى ما ينتهي إليه الطريق، و هو الغاية المطلوبة التي يقصدها الإنسان السالك في سلوكه، أما إذا استهان بذلك و خرج عن مستوى الطريق فهو الضلال الذي تفوت به الغاية المقصودة فالآية تقدر للإنسان طريقا يسلكه و مقصدا يقصده غير أنه ربما لزم الطريق فاهتدى إليه أو فسق عنه فضل و ليس هناك مقصد يقصده القاصد إلا الحياة السعيدة، و العاقبة الحسنى بلا ريب لكنها مع ذلك تنطق بأن الله سبحانه هو المرجع الذي يرجع إليه الجميع: المهتدي و الضال.
فالثواب الذي يريده الإنسان في مسيره بالفطرة إنما هو عند الله سبحانه يناله المهتدون، و يحرم عنه الضلال، و لازم ذلك أن يكون جميع الطرق المسلوكة لأهل الهداية و الطرق المسلوكة لأهل الضلال تنتهي إلى الله سبحانه، و عنده سبحانه الغاية المقصودة و إن كانت تلك الطرق مختلفة في إيصال الإنسان إلى البغية و الفوز و الفلاح أو ضربه بالخيبة و الخسران، و كذلك في القرب و البعد كما قال تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه": "الإنشقاق: 6" و قال تعالى: "ألا إن حزب الله هم المفلحون": "المجادلة: 22" و قال تعالى: "أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا و أحلوا قومهم دار البوار": إبراهيم: 28" و قال تعالى: "فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون": "البقرة: 168" و قال تعالى: "و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر و هو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد": "حم السجدة: 44".
بين تعالى في هذه الآيات أن الجميع سائرون إليه سبحانه سيرا لا مناص لهم عنه، غير أن طريق بعضهم قصير و فيه الرشد و الفلاح، و طريق آخرين طويل لا ينتهي إلى سعادة، و لا يعود إلى سالكه إلا الهلاك و البوار.
و بالجملة فالآية تقدر للمؤمنين و غيرهم طريقين اثنين ينتهيان إلى الله سبحانه، و تأمر المؤمنين بأن يشتغلوا بأنفسهم و ينصرفوا عن غيرهم و هم أهل الضلال من الناس و لا يقعوا فيهم و لا يخافوا ضلالهم فإنما حسابهم على ربهم لا على المؤمنين و ليسوا بمسئولين عنهم حتى يهمهم أمرهم فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى: "قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون": "الجاثية: 14" و نظيرها قوله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم و لا تسئلون عما كانوا يعملون": "البقرة: 143".
فعلى المؤمن أن يشتغل بما يهم نفسه من سلوك سبيل الهدى، و لا يهزهزه ما يشاهده من ضلال الناس و شيوع المعاصي بينهم و لا يشغله ذلك و لا يشتغل بهم فالحق حق و إن ترك و الباطل باطل و إن أخذ به كما قال تعالى: "قل لا يستوي الخبيث و الطيب و لو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون": "المائدة: 100" و قال تعالى: "و لا تستوي الحسنة و لا السيئة": "حم السجدة: 34".
فقوله تعالى: "لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" بناء على ما مر مسوق سوق الكناية أريد به نهي المؤمنين عن التأثر من ضلال من ضل من الناس فيحملهم ذلك على ترك طريق الهداية كأن يقولوا: إن الدنيا الحاضرة لا تساعد الدين و لا تبيح التنحل بالمعنويات فإنما ذلك من السنن الساذجة و قد مضى زمنه و انقرض أهله، قال تعالى: "و قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا": "القصص: 57".
أو يخافوا ضلالهم على هدى أنفسهم فيشتغلوا بهم و ينسوا أنفسهم فيصيروا مثلهم فإنما الواجب على المؤمن هو الدعوة إلى ربه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و بالجملة الأخذ بالأسباب العادية ثم إيكال أمر المسببات إلى الله سبحانه فإليه الأمر كله، فأما أن يهلك نفسه في سبيل إنقاذ الغير من الهلكة فلم يؤمر به، و لا يؤاخذ بعمل غيره، و ما هو عليه بوكيل، و على هذا فتصير الآية في معنى قوله تعالى: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا، إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا، و إنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": "الكهف: 8"، و قوله تعالى: "و لو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أ فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا": "الرعد: 31" و نحو ذلك.
و قد تبين بهذا البيان أن الآية لا تنافي آيات الدعوة و آيات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فإن الآية إنما تنهى المؤمنين عن الاشتغال بضلال الناس عن اهتداء أنفسهم و إهلاك أنفسهم في سبيل إنقاذ غيرهم و إنجائه.
على أن الدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من شئون اشتغال المؤمن بنفسه و سلوكه سبيل ربه، و كيف يمكن أن تنافي الآية آيات الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو تنسخها؟ و قد عدهما الله سبحانه من مشخصات هذا الدين و أسسه التي بني عليها كما قال تعالى: "قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني": "يوسف: 180" و قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر": "آل عمران: 101".
فعلى المؤمن أن يدعو إلى الله على بصيرة و أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر على سبيل أداء الفريضة الإلهية و ليس عليه أن يجيش و يهلك نفسه حزنا أو يبالغ في الجد في تأثير ذلك في نفوس أهل الضلال فذلك موضوع عنه.
و إذا كانت الآية قدرت للمؤمنين طريقا فيه اهتداؤهم و لغيرهم طريقا من شأنه ضلال سالكيه، ثم أمر المؤمنين في قوله: "عليكم أنفسكم" بلزوم أنفسهم كان فيه دلالة على أن نفس المؤمن هو الطريق الذي يؤمر بسلوكه و لزومه فإن الحث على الطريق إنما يلائم الحث على لزومه و التحذير من تركه لا على لزوم سالك الطريق كما نشاهده في مثل قوله تعالى: "و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله": "الأنعام: 135".
فأمره تعالى المؤمنين بلزوم أنفسهم في مقام الحث على التحفظ على طريق هدايتهم يفيد أن الطريق الذي يجب عليهم سلوكه و لزومه هو أنفسهم، فنفس المؤمن هو طريقه الذي يسلكه إلى ربه و هو طريق هداه، و هو المنتهى به إلى سعادته.
فالآية تجلي الغرض الذي تؤمه إجمالا آيات أخرى كقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغد و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون": "الحشر: 20".
فالآيات تأمر بأن تنظر النفس و تراقب صالح عملها الذي هو زادها غدا و خير الزاد التقوى فللنفس يوم و غد و هي في سير و حركة على مسافة، و الغاية هو الله سبحانه و عنده حسن الثواب و هو الجنة فعليها أن تدوم على ذكر ربها و لا تنساه فإنه سبحانه هو الغاية، و نسيان الغاية يستعقب نسيان الطريق فمن نسي ربه نسي نفسه، و لم يعد لغده و مستقبل مسيره زادا يتزود به و يعيش باستعماله و هو الهلاك، و هذا معنى ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من عرف نفسه فقد عرف ربه.
و هذا المعنى هو الذي يؤيده التدبر التام و الاعتبار الصحيح فإن الإنسان في مسير حياته إلى أي غاية امتدت لا هم له في الحقيقة إلا خير نفسه و سعادة حياته و إن اشتغل في ظاهر الأمر ببعض ما يعود نفعه إلى غيره، قال تعالى: "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و إن أسأتم فلها".
والحمد الله على نعمة الله وقضله علينا
