السؤال
السلام عليكم.. لماذا نحتاج للإمامة بالمعنى الذي تقول به الشيعة من النصّ على الإمام ، كما في يوم الغدير ، ألا يكفي أنَّ النبيّ ( صلى الله عليه وسلّم ) بلّغ الأحكام للناس وتركهم يختارون من يشاؤون لحكمهم ؟!
الجواب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
قبل الإجابة على سؤالك - لماذا الإمامة بالنصّ - لا بدّ أن نشير إلى أنّ اختيار الخلفاء عن طريق الشورى في الإسلام لا يوجد عليه دليل ، لا من كتاب كريم ولا سنّة صحيحة ، والاستدلال بقوله تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }(سورة آل عمران : الآية ١٥٩) ، وقوله : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }(سورة الشورىٰ : الآية ٣٨) ليس في محلّه ؛ لأنّه لا يراد بهما الشورى في الخلافة ، وإلّا لكان على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يشاور أصحابه في اختيار الخليفة من بعده ، مع أنّه لم يفعل ذلك بالاتّفاق ، وإنّما كان يشاور أصحابه في ما يتعلّق بمصالح الحروب وغيرها ..
قال ابن كثير : كان صلىاللهعليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها .(تفسير القرآن العظيم ١ : ٤٢٩ ، ٤ : ١٢٧).
وقال الفخر الرازي : قال الكلبي وكثير من العلماء : هذا الأمر ـ أي في ( وَشَاوِرْهُمْ ) ـ مخصوص بالمشاورة في الحروب .(التفسير الكبير ٩ : ٦٧).
وقال القرطبي : وقد كان يشاور أصحابه في الآراء المتعلّقة بمصالح الحروب .(الجامع لأحكام القرآن ١٦ : ٣٧) .. هذا فيما يتعلّق بالمقدّمة .
أمّا الإجابة على سؤالك فنقول : من المعروف أنَّه توجد في الشريعة مهام أخرى غير تبليغ الرسالة ، فقد كانت من مهام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) إضافة لتبليغ الوحي :
1- بيان آيات القرآن الكريم ، وتوضيح مقاصده ، وهو ما يشير إليه قوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } النحل : 44.
2- بيان أحكام الموضوعات ، فعند نزول قوله تعالى : { أقِيمُوا الصَّلَاةَ } ، لم يعرف المسلمون كيف يقيمونها فقال لهم ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) : ( صلّوا كما رأيتموني أصلّي ) .
3- الردّ على الحملات التشكيكية بالإسلام، والتصدّي للمغرضين وأهل الشبهات ، وقد ذكر القرآن الكريم بعض هذه المواقف من التصدي للمشركين ونصارى نجران وغيرهم .
4- صيانة الدين من التحريف والدس، ومراقبة تطبيقه حتّى لا تنحرف الشريعة عن مسارها.
فهذه المهام للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم )، وهي بعيدة عن موضوع التبليغ ، وأكثرها أمور عملية في تطبيق الشريعة والمحافظة عليها ، كان يقوم بها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، فهل تراه تنقطع الحاجة إليها بموته ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وغيابه ؟!
لا يمكن لعاقل أن يقول بذلك ، فحاجة الأمة إلى بيان آيات القرآن بقيت مستمرة بعد موت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، وكذلك الحاجة إلى بيان أحكام الموضوعات بقيت موجودة ، وكذلك التصدي لشبهات التشكيك والنيل من الإسلام بقي أمرها ملحاً ومطلوباً ، وكذلك الوقوف بوجه الوضّاعين والكذّابين الذين يتربّصون بالشريعة من خلال الدسّ والوضع كان مطلوباً وقائماً .. فمن تراه يقوم بهذه المهمات العظيمة بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ؟!
لابدّ من وجود شخص مؤهل له مواصفات خاصّة للقيام بهذه المهمات العظيمة ، أو عدّة أشخاص يتولّون القيام بهذه المهام على التوالي ولسنوات طويلة حتّى تترسخ شريعة الإسلام بقوّة وثبات وتنجو من التحريف والانحراف الذي عانت منه الشرائع السابقة بعد موت أنبيائها أو غيابهم ، وهذا لا يمكن الحصول عليه من اختيار الناس لمن يقودهم ، فالناس لا تعرف المؤهّل لهذه المهمة العظيمة ، والناس قد اختارت بالفعل - غير الذي نصّبه الله لهم في يوم الغدير - وفشلت في هذا الاختيار ، حتّى بان فشل الذين اختاروهم واضحاً للجميع حين يُسألون وهم على المنبر عن أبسط معاني القرآن الكريم فلا يعرفونها ، فراجع محنة الخليفتين أبي بكر وعمر مع كلمة ( الأبّ) في قوله تعالى : { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ( عبس : 31) ،ومع كلمة ( الكلالة ) في قوله تعالى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} ( النساء : 12) ، وقوله تعالى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} ( النساء : 176) ، ( انظر على سبيل المثال : تفسير الطبري 30: 75 ، 4: 376- 377 ) .
وهذا بخلاف من نصّبه الله لهذا المنصب الخطير والعظيم ، وهو أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) الذي كان يقول وهو على المنبر : ( سلوني ! والله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلّا حدّثتكم به، وسلوني عن كتاب الله ! فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل ) .( جامع بيان العلم وفضله).
السلام عليكم.. لماذا نحتاج للإمامة بالمعنى الذي تقول به الشيعة من النصّ على الإمام ، كما في يوم الغدير ، ألا يكفي أنَّ النبيّ ( صلى الله عليه وسلّم ) بلّغ الأحكام للناس وتركهم يختارون من يشاؤون لحكمهم ؟!
الجواب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
قبل الإجابة على سؤالك - لماذا الإمامة بالنصّ - لا بدّ أن نشير إلى أنّ اختيار الخلفاء عن طريق الشورى في الإسلام لا يوجد عليه دليل ، لا من كتاب كريم ولا سنّة صحيحة ، والاستدلال بقوله تعالى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }(سورة آل عمران : الآية ١٥٩) ، وقوله : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }(سورة الشورىٰ : الآية ٣٨) ليس في محلّه ؛ لأنّه لا يراد بهما الشورى في الخلافة ، وإلّا لكان على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يشاور أصحابه في اختيار الخليفة من بعده ، مع أنّه لم يفعل ذلك بالاتّفاق ، وإنّما كان يشاور أصحابه في ما يتعلّق بمصالح الحروب وغيرها ..
قال ابن كثير : كان صلىاللهعليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها .(تفسير القرآن العظيم ١ : ٤٢٩ ، ٤ : ١٢٧).
وقال الفخر الرازي : قال الكلبي وكثير من العلماء : هذا الأمر ـ أي في ( وَشَاوِرْهُمْ ) ـ مخصوص بالمشاورة في الحروب .(التفسير الكبير ٩ : ٦٧).
وقال القرطبي : وقد كان يشاور أصحابه في الآراء المتعلّقة بمصالح الحروب .(الجامع لأحكام القرآن ١٦ : ٣٧) .. هذا فيما يتعلّق بالمقدّمة .
أمّا الإجابة على سؤالك فنقول : من المعروف أنَّه توجد في الشريعة مهام أخرى غير تبليغ الرسالة ، فقد كانت من مهام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) إضافة لتبليغ الوحي :
1- بيان آيات القرآن الكريم ، وتوضيح مقاصده ، وهو ما يشير إليه قوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } النحل : 44.
2- بيان أحكام الموضوعات ، فعند نزول قوله تعالى : { أقِيمُوا الصَّلَاةَ } ، لم يعرف المسلمون كيف يقيمونها فقال لهم ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) : ( صلّوا كما رأيتموني أصلّي ) .
3- الردّ على الحملات التشكيكية بالإسلام، والتصدّي للمغرضين وأهل الشبهات ، وقد ذكر القرآن الكريم بعض هذه المواقف من التصدي للمشركين ونصارى نجران وغيرهم .
4- صيانة الدين من التحريف والدس، ومراقبة تطبيقه حتّى لا تنحرف الشريعة عن مسارها.
فهذه المهام للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم )، وهي بعيدة عن موضوع التبليغ ، وأكثرها أمور عملية في تطبيق الشريعة والمحافظة عليها ، كان يقوم بها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، فهل تراه تنقطع الحاجة إليها بموته ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وغيابه ؟!
لا يمكن لعاقل أن يقول بذلك ، فحاجة الأمة إلى بيان آيات القرآن بقيت مستمرة بعد موت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ، وكذلك الحاجة إلى بيان أحكام الموضوعات بقيت موجودة ، وكذلك التصدي لشبهات التشكيك والنيل من الإسلام بقي أمرها ملحاً ومطلوباً ، وكذلك الوقوف بوجه الوضّاعين والكذّابين الذين يتربّصون بالشريعة من خلال الدسّ والوضع كان مطلوباً وقائماً .. فمن تراه يقوم بهذه المهمات العظيمة بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ؟!
لابدّ من وجود شخص مؤهل له مواصفات خاصّة للقيام بهذه المهمات العظيمة ، أو عدّة أشخاص يتولّون القيام بهذه المهام على التوالي ولسنوات طويلة حتّى تترسخ شريعة الإسلام بقوّة وثبات وتنجو من التحريف والانحراف الذي عانت منه الشرائع السابقة بعد موت أنبيائها أو غيابهم ، وهذا لا يمكن الحصول عليه من اختيار الناس لمن يقودهم ، فالناس لا تعرف المؤهّل لهذه المهمة العظيمة ، والناس قد اختارت بالفعل - غير الذي نصّبه الله لهم في يوم الغدير - وفشلت في هذا الاختيار ، حتّى بان فشل الذين اختاروهم واضحاً للجميع حين يُسألون وهم على المنبر عن أبسط معاني القرآن الكريم فلا يعرفونها ، فراجع محنة الخليفتين أبي بكر وعمر مع كلمة ( الأبّ) في قوله تعالى : { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ( عبس : 31) ،ومع كلمة ( الكلالة ) في قوله تعالى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} ( النساء : 12) ، وقوله تعالى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} ( النساء : 176) ، ( انظر على سبيل المثال : تفسير الطبري 30: 75 ، 4: 376- 377 ) .
وهذا بخلاف من نصّبه الله لهذا المنصب الخطير والعظيم ، وهو أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) الذي كان يقول وهو على المنبر : ( سلوني ! والله لا تسألوني عن شيء يكون إلى يوم القيامة إلّا حدّثتكم به، وسلوني عن كتاب الله ! فوالله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل ) .( جامع بيان العلم وفضله).