أبو علي دِعْبِلُ الخُزَاعِيُّ اسمه مُحَمَّد دِعْبِلُ بْنُ عَلِيٍّ بْنُ رزين، من مشاهير شعراء العصر العباسي. اشتهر بتشيعه لآل علي بن أبي طالب وهجائه اللاذع للخلفاء العباسيين نبذه عن حياة دعبل الخزاعي سافر دعبل الخزاعي إلى بغداد وأقام فيها زمن المأمون فاختلط بأدبائها وشعرائها فاكتسب منهم ما أغنى تجربته، فبلغ الذروة في نشاطه الشعري واتقان صناعته؛ فنظم في بغداد أقوى وأشهر قصائده (فتوغل ولا يهاب في الهجاء والسباب المقذع فيمن حسبهم أعداء العترة الطاهرة وغاصبي مناصبهم، فكان يتقرب بشعره إلى الله وهو
دعبل الخزاعي
حياة دعبل الخزاعي — حياة دعبل الخزاعي. عُرف الشاعر في العصريتذكـّر (دعبل) أيام الصبابة والشباب بكل ثقله لمدح أهل البيت (عليهم السلام)الهداة بني الكرامات إذا قال([1]): أجل كان دعبل من أولئك المجاهدين الأبطال الذين يقفون بوجه العواصف السياسية الهوجاء كالجبل الأشم، صلب العقيدة، راسخ الايمان، لا يخشى في إطلاق كلمة الحق أي أحد, ولا يبالي من كان خصمه حتى ولو كان الخليفة نفسه, ولم ينحرف دعبل عن هذا المبدأ طيلة حياته حتى أطلق كلمته العظيمة التي سجّلها له التاريخ بحروف الخلود: (إني أحمل خشبتي ستين سنة ولم أجد من يصلبني عليها) فهو يدافع بلسانه ما استطاع ولو دعيَ لحمل السلاح لما تأخر, بل ويصّرح بذلك في تائيته الشهيرة بقوله:
فإن قرّبَ الرحمنُ من تلكَ مدَّتي * وأخّرَ من عمري لطولِ حياتي
شفيتُ ولــــم أتركْ لنفسيْ رزيّةً * وروّيتُ منهم منصــلي وقناتي
فدعبل الذي ولد في الكوفة والتي هي قبلة الثورات ضد السلطة الأموية ومرجع كل من أقضّ مضاجع الخلافة الأموية والعباسية على السواء ومهوى أفئدة الشيعة في كل دعوة ظهرت لآل محمد قد رضعَ حبّ أهل البيت وهو صغير ونهل منه وشبّ عليه شأنه شأن خزاعة ولكن دعبل انصرف بكل جوارحه نحو هذا الحب ولم يشغله عنه شاغل فيقول:
في حبِّ آلِ المصطفى ووصيهِ * شغلٌ عن اللــذاتِ والقيناتِ
إنّ النشيــــــــدَ بحبِّ آلِ محمدٍ * أزكى وأنفعُ لي من القنياتِ
فاحشِ القصيدَ بهم وفرِّغ فيهم * قلباً حشوتُ هــــواهُ باللذاتِ
واقطعْ حِباله من يريدُ سواهمُ * في حبِّه تحـــــللْ بدارِ نجاةِ
سَـقــــياً ورَعــــياً لأيـّاِم الصَّبــابات
أيـّـــامَ أرفـــلُ فــي أثــوابِ لـــذاتـي
أيامَ غـُصني رطيــبٌ, من لدونتـهِ
أصبَُــو إلى غيـِر جــاراتٍ وكنــاتِ
دّع عـنكَ ذكـر زمان ٍ فاتَ مطـلــبُهُ
وأقذِف برجلك عَن متن الجهالاتِ
وأقصـِد بكُـلَّ مديــح ٍ أنت قائلــــهُ
نحـوَ الهُـــداة ِ بنـي بيـتِ الكـرامــاتِ
إذ قال ([4]):
في حُـبَّ آل المصـطفى ووصيــــَّه
شُغلٌ عن اللـَّـذات والقيناتِ
أنَّ النـّشيَـَد بُحَّــــــــب آل محـمــد
أزكَى وأنفعُ لِي من القــُنياتِ
فأحشُ القصَيد بهـِم وفَرَّغ فيهـُم
قلباً حَشوَت هـَـواهُ باللـّـــَذاتِ
وأقطـَع حِباله مَن يُريـُد سِواهـمُ
فـي حُبَّهِ تحـــلل بــــدار نجــــَـاة ِ
وفي هذه الأبيات يستخدم الشاعر ميزانه السويّ الملتزم بكفتين ترجح أحداهما على الأخرى, فالراجحة حب آل المصطفى ووصّيه بما فيها من نزوع إيماني وأريج زكي ونفع أخروي, في حين تنكمش الكفة التي تراهن على الدرب الدّنيويّ المكفول باللذات المؤقتة والناتج الجهنمي.
وفي بيتين من نص أخر يمتطي الشاعر لسانه البليغ ليرسم صورة ملونة بديعة من المجاز البياني. حيث تحدث عن الظلم والجور الذي لحق بال احمد وما المّ بهم من قهر وتشديَد ونفي, من دون جناية يعاقبون عليها سوى أنهم المحافظون على دين هذه الأمة ودعاته وناصريه إذ قال([5]):
لا أضحكَ اللهُ سنَّ الدَّهـر أن ضَحِكَت
وآل أحمدَ مظلُومونَ قد قهُــرُوا
مُشـــَّردوَن نـُفـوا عن عُـــقِر دارهــمُ
كأنهَّـم قد جنـَو ما ليـَس يُغتـــفرُ
وقد صور لنا العصابة الباغية التي ظلمت أهل البيت(عليهم السلام) وقهرتهم وشردتهم ونفتهم عن ديارهم ضاحكة مستبشرة, فاغرة الفم وبارزة الأسنان, فالشاعر يلعن الأيام التي دفعت بتلك العصابة, ويدعو على الدهر الذي جاء بها لتفتك بالطّهر الطاهر المطهّر. والشاعر الخزاعي يصورها بهيئة الحيوان المفترس للدهر, ثم جعل للدهر أسنانا, وهذا من التجسيم والتشخيص البلاغي. وقد تمكن الشاعر من اختيار ألفاظه وعباراته حين قال: (لا اضحك الله سن الدهر) فجعل نصّه خصباً متعدد الرؤى, وأعطى لنصّه ايجابية فنية ملموسة من خلال دلالة وإيحاء المفردة المختارة.
وله قصيدة رائية يتحدث في مطلعها عن أسف جارته ورأيها في الشيب, وفي ثانيها عن رأيها في العودة للصَّبا وقد شابت ذوائبها وهي تجري في حلبة الكبر, وفي ثالثها يخاطب تلك الجارة ويخبرها بان شيب رأسه قد دفع عنه ذكر الغواني وأرضاه بما جرى عليه من الأقدار.
ثم يدخل إلى حيّز القصيدة وجوّها العام من خلال ركائز واسعة مترابطة بقنوات فكرية وسياسية ملتزمة, يقارن فيها بين الخاص والعام, القريب الشخصي والبعيد المرتبط بحركة الأمة وديمومتها وأئمتها من أهل البيت الكرام.
فيراهن في البيت الرابع على خيار الآخرة رافضاً الركون للدنيا وزخرفها إذ قال([6]):
لو كنتُ أركنُ للدُنيا وزينتها إذن بكيتُ على الماضِينَ من نفري
وهو الإنسان الفاقد المتصدع بأهله وولده نتيجة داعي المنية, وهذا ما جاء في الأبيات من الخامس حتى الثامن من القصيدة([7]), وهذا الأمر متعلق بأحاسيسه وبحزنه على أهل بيته, جاعلاً ذلك مقدمة للحزن العام والحقيقي لأحزان الدين الحنيف, وليدخل من خلاله إلى بؤرة الحدث المؤلم المتمثل بقتل أهل بيت رسول الله بحادثة الطّف وقد قُطعّت الرؤوس والأجساد وعُفَّرت بالتراب إذ قال:
لولا تشَاغلُ نفسي بالألُي سلــفُوا
من أهل ِ بَيـتِ رَسُـول الله لم أقـــر ِ
وفي مواليـــكَ للمَحزون مشــــغلة
من أنَ تَبيـتِ لمفـقـــودٍ عَـلى أثـــــر ِ
كم من ذِراع ٍ لهُم بألـــطفَّ بائنــة
وعارضٍ, من صَعيد التـرُب. مُنعفِر
إلى أخر القصيدة الواقعة في أربعة وعشرين بيتاً, حيث يذكر مقتل الحسين(عليه السلام)وأهله وأصحابه ويخاطب بني أمية (امة السوء) بسوء فعلتهم وتنكيلهم بأهل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)من قتل واسر وإحراق ونهب. ثم يذكر عذر أبناء حرب ومروان وأسرتهم بني مَعِيط وما اضمروه من حقد وغيظ وكفر على الإسلام ورسالته ودعاته. ولا يرى عذراً لبني العبّاس:
أرى أُمـية معذورين أن قتَــــَلـُوا
ولا أرى لبني العبَّـاس من عُـذُر ِ
أبناءُ حربٍ ومروان ٍ وأسرتهم
بنو معيـط ٍ ولاة الحقـــِد والوعــر ِ
ويختم قصيدته:
هيهاتَ كلّ أمرئٍ رهنٌ بما كسَبت له يداهُ, فخذ ما شئت أو فذر.([8])
مستفيداً من الآية القرآنية الحكيمة: ﴿كُلُّ امرئ بما كسب رهين﴾... ([9])
وللشاعر بيتان من فائية من مجزوء الكامل, يقول فيهما:...([10])
فلو أن أيديَـــكم تُمُّــــدّ إلــــى أناء لأكـــــفا
وثبَ الزمان بــكمُ فشــــــــــــــــتت منـكمُ ما ألــفا
فالشاعر في هذا يميل إلى أن الله تعالى قد كتب على أهل بيت النبوة ومهبط الرسالة قد كتب عليهم طريق الجهاد, ولا بد لكل واحد منهم أن قد مشاها مادامت قد كتبت عليه.
وعن ممتلكات أهل البيت المهدورة, أشار دعبل ببيته إلى (فدك) قائلاً([11]) من قصيدة:
أصَبحَ وجهُ الزَّمان قد ضحَكا بردَّ مأمـــون هاشــم ٍ فدكا
و(فدك)([12]) بستان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)انحله ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) وقد سحبت منها بعد وفاته, وقد اقطعها الخليفة عثمان بن عفان لمروان بن الحكم وبقيت تتداو لها آل مروان حتى خلافة عمر بن عبدالعزيز الذي أعادها إلى آل البيت(عليهم السلام).
ولما مات عمر عاد الحقد ليستولي عليها مرة أخرى, وبقيت هكذا حتى سنة (210 هـ) حيث أمر المأمون العباسي بردها إلى أهلها من ولد فاطمة وكتب إلى عامله على المدينة بذلك ولما جاء المتوكل سلبها مرة ثالثة واقطعها عبدالله بن عمر البازيار.
فالشاعر في هذا البيت قد جسم وشخص الزمان, وجعل له وجهاً ضاحكاً مستبشراً بردّ الخليفة المأمون ذلك البستان إلى أصحابه الشرعيين. وسرعان ما انتهك وسلب مرة أخرى على يد المتوكل العباسي, ولا نريد أن ندخل في تلك المساجلات والأحداث.
وللشاعر دعبل بيتان في شفاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت البررة, حيث يعترف بشفاعتهم له يوم القيامة, إذ قال([13]):
شفيعي في القيامةِ عند ربّي محّـــَمدُ والوصيّ مع البتوُل ِ
وسِبـطا احمـد ٍ وبنـُو بـنـيــهِ أوُلئــك سادَتي آل الرسُول ِ
وإذا ما فارق دعبل ابنه احمد بالموت, شعر بالحزن عليه وكادت عيناه تسبلان الدموع لولا التأسي بالنبي وأهله, بما جعله يكفكف دمعه لأجلهم على الرغم من أن ابنه يشكل نفسه وحبه, ولكن الخزاعي قد وضع حبّ آل البيت في قلب
ولولا التأسّي بالنبـّي وأهلــِه لأسبلَ من عَيني عليه شُـــئـــــونُ
هُو النفسُ, ألا أنَّ آل محمـــدٍ لهَم دون نفسي فــي الفـُؤاد ِ كمينُ..([14])
وفي البيت الخامس, ذكر مقاربة العلاقة بين ارث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار وملاحقة الغواة الضالين لهم, فهم(عليهم السلام)حماة الدين وورثة الأرض وأهل الحق, وهذا من دواعي الانقضاض عليهم والتخلص منهم بعيداً عن صوتهم الإيماني الهادر. إذا قال[15])
أضَّر بهم أرثُ النبيّ فأصبحوا يُساهمُ فيهم ميتة ومنونُ
وأشار في البيت السادس إلى ذئاب الأمويين قائلاً([16]):
دَعتهم ذئابٌ من أميّة وأنتحت عليهم دراكاً أزمة وسنون
ومن الأفكار التي ذكرها في القصيدة: ظلم العباسيين, وما عانوه في الدين والمؤمنين وما نشروه من غواية ومجون إذ قال:
وعاثت بنو العبّاس في الَّديَّن عَـيثةًً تحكـَّم فـــِيه ظـــالمٌ وظنيــــنُ
وسمَّوا رشيداً ليس فيهم لرشــــِده ِ وها ذاك مأمونٌ وذاك أميـــنُ
فما قُبلت بالرّشـــد منهم رعـــــاية ٌ ولا لـولَّي بالأمــــانة ديـــــــنُ
رشيدهـم غـــاو ٍ, وطفـــلاهُ بعــدَهُ لهذا رزايا دُون ذاك مجـــــونُ ([17])
ثم يختم قصيدته بستة أبيات في حق الإمام الرضا(عليه السلام), وهو ما سنذكره في محله من هذا البحث.
كما أشار هذا الشاعر إلى مسالة اضطهاد الموالين لآل البيت, ويقارن ذلك بما هو عليه عند اليهود والنصارى, إذ قال([18]):
إن اليــــهُـود بحبـَّــــها لنبيَّــــها أمنت بَوائـِـقَ دهــرها الخـــــوَّان ِ
وكذا النصارَى حبهمُ لنبيهم يمشـونَ زهــواً في قـُرى نجـــــران ِ
والمسلمون بحَّــب آل نبيهـــم يُرمـَـون فـي الأفـــــاق ِ بالنيـران ِ
فدواهي الدهر عن اليهود لايمكن أن ينال الاضطهاد الموالين لآل نبيهم وكذلك النصارى الذين يمشون بزهوٍ في مخاليف اليمن من قرى نجران ولكن حب آل بيت محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) يعد جرماً عند أهل الضلالة من المسلمين.
أن التأسي بمعاناة آل البيت للمحن والمآسي من اولويات مشاعر الخزاعي, لأنه يسكَّن غليل أحزانه ويهوَّن عليه عزاءه, إذ قال([19]):
تَعَـزَّ فكـــم لـك من أســـــوَة ٍ تُسكَّنُ عنك غليــلَ الحــَــزن
إذا عظمت محنة عن عـــــزاء ٍ فَعادل بها صَلبَ زيــدٍ تَهــُـن
وأعظم من ذاك قتلُ الوصيّ وذبـحُ الحسَين وسَمّ الحَــسَن
وقال في آل البيت الكرام أيضاً:
بابي وأمي سبعة أحببتـهم لله لعطيّـهٍ أعـطـاهـــــــا
بابي النبيّ محمد ووصّيهُ والطيبانِ وبنتُه وآبناها.([20])
ومهما كان عدد الذين أحبهم الشاعر, خمسة أم سبعة, فهو قد أحبهم لوجه الله تعالى لا لعطية أو طمع مادي, وفداهم بابيه وأمه, حيث فدى بابيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصّيه على المختار وبنته الزهراء وابنيها الحسن والحسين(عليهم السلام).
وأجدني تاركاً ما أصاب آل البيت من كوارث ورزايا تمخضت في القصيدة التائية الخالدة لدعبل في نهاية المطاف .