تساءل احد الملحدين في احدى مواقع التواصل الاجتماعي بتهكم، فقال هل يعقل ان النساء في يوم عاشوراء لم يتعرضوا للاغتصاب، والسائل قطعا هو قد طرح هذا التساؤل، وهو لايريد اكثر من الاستهزاء والسخرية من المؤمنين ومن المسلمين، الذين يؤمنون بالقضية الحسينية، ولذا وجدنا من الواجب التعرض لهذه المسألة، ومناقشة قضية الاغتصاب من ناحية اجتماعية، ثم نعرج ثانيا على نفي الاغتصاب عن نساء عاشوراء، فاما مناقشة القضية من ناحية اجتماعية، فنقول :
ان الاغتصاب هي حالة نفسية تجعل الغاصب يتجرأ على شخص سواء كان ذلك الشخص امرأة او رجل او طفل او طفلة فيمارس مع هذا الشخص العملية الجنسية من غير رضا من الطرف الاخر، فيجبره على هذه العملية، وهذا هو مفهومنا عرفا عن هذه العملية، وبطبيعة الحال ان هذه القضية يتحمل وزرها الغاصب، الذي تجرأ على اغتصاب انسان، وقام معه بالعملية الجنسية من غير مرضاته، ولم يبادل الطرف الاخر القبول، وهذا مايميز عملية الاغتصاب عن العملية الجنسية التي تحصل من طرفين، سواء كانوا بعلاقة محللة شرعا او بعلاقة محرمة وهي التي تدخل في باب الزنى والفساد والافساد الاجتماعي.
ولذا الفارق كبير جدا بين عملية الاغتصاب وعملية الزنى، فعملية الاغتصاب هي بطبيعة الحال اشد افسادا في الارض، واشد قباحة، واشد مهانة لحرية الفرد الانساني، لان الزنى فيه تراض من قبل الطرفين، ولكن الاسلام اراد ان يحفظ الحقوق بين الطرفين أي بين الرجل و المراة ويجعل هذه العلاقة هي علاقة تتم على وفق ضوابط شرعية وعرفية تحفظ للاخر حقوقه سواء كان الرجل او المراة، فشرع سبحانه العقد الذي يحصل بين الزوجين لتعيين نوع العلاقة بين الزوجين، حتى لا ياكل احدهما حق الاخر، وهذا مايميز الزنى عن الزواج الطبيعي التي تؤمن به جميع المجتمعات الانسانية.
فبطبيعة الحال ان الاعراف الاجتماعية والتقاليد التي مازالت معمول بها الى اليوم، في جميع المجتمعات الانسانية، سواء كانت ملتزمة بشريعة او لم تكن لها شريعة اصلا، فان قضية التوافق بين الطرفين امر ضروري جدا، نعم ان الشهوة لايمكن الاستهانة بها، لانها بطبيعة الحال هي ضرورة انسانية، يحتاج كل انسان لتلبية متطلباتها والاستجابة لها، ولكن بشرط ان لاتؤدي الاستجابة للشهوة الى تضييع حقوق كل من الطرفين، وتجعل من الشهوة هو الشغل الشاغل الذي يجعل من المجتمع همه الوحيد هو الاستجابة لها.
واليوم نجد في المجتمعات الغربية اصبحت الشهوة هي الاساس الذي يربط بين الطرفين، ولكن ترتبت على هذه العلمية الكثير من المشاكل الاجتماعية، لان العملية الجنسية بطبيعة الحال بين الرجل والمرأة، تؤدي في كثير من الاحيان الى حمل وولادة مولود جديد، وهذا المولود بكل تاكيد ومما تتفق عليه جميع الاعراف الانسانية، في انه يحتاج الى عناية خاصة، سواء كان ذلك المولود في بطن امه او كان المولود قد ولد الى عالمنا هذا، وهو يحتاج الى تربية والى تغذية والى تعليم والى طبيب والى عناية خاصة حتى يستطيع الاعتماد على نفسه، ولذلك نجد اليوم الكثير من الفتيات التي تمارس الجنس بحرية تامة، وانها تجعل الشهوة هي الغرض والاساس في ممارسة العملية الجنسية، ان تتنازل عن الطفل من خلال رميه في اماكن النفايات لاجل التخلص منه ومن مسؤولياته، لانها غير مستعدة نفسيا للقيام بدور الام ومسؤولياتها، وكذلك ان الاب هو لم يكن في حسبانه، بان هذه العلاقة التي كانت بينه وبين هذه الفتاة، هي علاقة حياة مستمرة، بل هو كان يريد ان يقضي معها فقط حاجته الجنسية، وهو ايضا غير مستعد لقبول هذا الطفل الذي نتج عن هذه العملية الجنسية.
وهنا يتضح قباحة هذا الفعل، واعني به ان تكون الشهوة هي السبب الوحيد في الارتباط بين الرجل والمرأة، بل لابد ان تكون الحقوق مصانة جدا في هذه العلاقة، ونحن لانريد ان نتعرض للاستغلال الذي مازال يحصل للفتيات في مجتمعاتنا الانسانية، حيث ان المراة او المجتمع الذي قدم الشهوة والمتعة في العلاقة بين الطرفين، فاننا نجد ضياع خاصة بالنسبة للمراة، لان المراة اذا ماجعلت المال الذي ينبغي ان تحصل عليه ليكون لها عونا في حفظ كرامتها وان تعيش حياة رغيده ، وهو الاساس في الحياة، ولم تجد ذلك المال الذي تبغيه وتريده، فانها بكل تاكيد ستجد الكثير من الرجال الذين يقدمون لها المال في قبال استغلال جسدها الذي سيكون محطة لمتعة الكثيرين الذين لايهمم الى شهواتهم وملذاتهم.
وبكل تاكيد ان الجسد الانساني له طاقات محدودة، فان الجسد لايطيق العملية الجنسية الا في اوقات خاصة، فاذا مافرض على المراة القيام بهذه العملية لمرات متكررة، فانه بطبيعة الحال سوف يؤدي الى امراض جسدية خطيرة، كما ان الجسد مرتبط بالنفس، واكيد اذا ماتمت العملية الجنسية من دون طلب نفسي، فانها ستؤدي الى عقد نفسية شديدة، ولذا نحن حتى اليوم نجد في المجتمعات الغربية الكثير من النساء ترفض ان تعرض جسدها للبيع، لان بيع الجسد هو حالة غير صحية اساسا.
وعلى هذا الاساس فان تقنين العلاقة بين الرجل والمراة، وجعل لها ضوابط وحفظ الحقوق هو امر ضروري جدا، وتحريم الزنى في الشرائع السماوية سواء كان الاسلام او غيره ما كانت الحكمة منه الا لتلك الاسباب التي ذكرناها.
الاغتصاب
اما الاغتصاب فموضوعه مختلف تماما، حيث اننا نجد ان هناك عملية ادخال الة الرجل في الة المراة او الطفل او الرجل، ولكن ليس هناك شهوة عند الطرف الاخر، وايضا هو رافض لاقامة هذه العلاقة، فالطرف الغاصب سواء كان رجلا او مراة هو يقينا ينتهك حق الاخر، ويفرض عليه حالة معينة ، اي على المغتصب الذي قد يكون رجلا او امراة او طفلا او غير ذلك، وبطبيعة الحال يحصل هناك اعتداء من طرف الغاصب على حق الغير وهو الذي مورس الاغتصاب بحقه، وهذا الاعتداء بكل تاكيد سيؤدي في المستقبل القريب الى عقد نفسية فظيعة عند المغتصب، الذي مورس في حقه الاكراه، لاننا بينا بان العملية الجنسية، هي استجابة للشهوة بكل تاكيد، والجسد هو ايضا هو الطالب لهذه العلاقة لان الجهاز التناسلي هو الذي يعطي ايعازات الى الدماغ بانه يحتاج الى هذه العملية الجنسية، وبالنتيجة فان الجهاز التناسلي له التاثير على نفس الانسان، بل هناك علاقة تبادليه بين الجهاز التناسلي ونفسية الفرد، بمعنى ان الانسان قد تكون له ظرف معين يجعله حتى لو كان الجهاز التناسلي طالبا للعملية الجنسية، فان النفس الانسانية تكون جامحة للشهوة وممتنعة للاستجابة لهذا الطلب، وكذلك اذا كان الجهاز التناسلي غير طالب لهذا الاتصال الجنسي فان النفس حتى لو كانت مريدة لهذا الاتصال، فانها سوف تكون غير طالبة للجنس وغير مستعدة لهذا الاتصال الجنسي تبعا للجهاز التناسلي، ولذلك نجد الاغتصاب اكثر بشاعة وفضاعة لانه يصادر حق الغير.
كما ان الاغتصاب سيؤثر سلبا على الامن الاجتماعي، لان الكثير من النساء خصوصا، حتى من النساء اللاتي لاترفض اقامة علاقة جنسية غير شرعية فانها ترفض الاغتصاب بحقها.
كما ان العلاقة الجنسية بين الطرفين تحتاج الى تواد بين الطرفين وتقارب نفسي، وقناعة من كل منهما في التقارب، ولذا الطرف المغتصب هو يكون ليس له استعداد نفسي او جسدي لهذا التقارب، ولذلك الاغتصاب سيؤدي بالمجتمع ان يكون فيه الافراد في حالة من الرعب والخوف النفسي من الاعتداء عليه من قبل الذين يرومون الاعتداء على اعراض الناس.
ولذا نجد ان الحكومات الدكتاتورية استخدمت عملية الاغتصاب، سواء كان في حق مواطنيها وشعبها او في حق ابناء المناطق التي تستحلها، وتعتدي عليها بالاغتصاب من اجل ادخال الرعب على ابناء شعبهم واهانتهم وتروعيهم، كما حصل من قبل النظام البعثي السابق، الذي كان لعملية الاغتصاب دور اساسي في حساباته، في اهانة الشعب ونوع من السيطرة عليه التي تجعل من الشعب مرعوبا ولايطالب بحقه من اجل ان لا يتعرض لعملية الاغتصاب.
اذن عملية الاغتصاب هي لاتحصل لان هناك حاجة شهوية بل انها تحصل لاجل انتهاك حقوق الفرد وارعابه واذلاله والسيطرة والهيمنة عليه.
ومن هنا نستيطع الاجابة عن السؤال الذي طرحته بعض المواقع استهزاءا وسخرية وتعريضا بنساء يوم عاشوراء رحمهم الله جميعا فنقول:
- ان قضية الاغتصاب لاتشكل عيبا ومعرة على المغصوب وانتهاكا لحرمته بل بالعكس على المجتمع ان يتعاطف مع المغصوب، ويحاول قدر الامكان من فك تلك العقدة النفسية والاضطهاد الذي وقع في حقه بسبب عملية الاغتصاب، وهذا شعور انساني عظيم جدا، يجب على جميع افراد المجتمع، ان يتمسك به، ويحاول ان يكون عونا للمغتصب في معالجة جروحه النفسية التي حصلت من هذه العملية الحقيرة.
- ان ماحصل في يوم عاشوراء لم تكن قضية عفوية وسهلة وعابرة، بل كانت قضية خطيرة جدا اقدم عليها يزيد بن معاوية، وترتبت على هذه الواقع ارتدادات فعل نجدها الى يومنا هذا بعد اكثر من الف واربعمائة عام، لان عملية تجهيز جيش من قبل ابن زياد، ومحاصرة الحسين عليه السلام هي بحد ذاتها كان امرا ليس سهلا، فالحسين سلام الله عليه لم يكن شخصية سهلة، يستهان بها في المجتمعات الاسلامية والعربية بالخصوص في ذلك الوقت، فان الحسين عليه السلام كان ابن رسول الله صلى الله عليه واله، وكان هو ابن الزهراء البتول التي لها اكبر التاثير في الواقع الاسلامي في ذلك الوقت، وكذلك ايضا هو ابن امير المؤمنين الامام علي الذي كان له التاثير الكبير، وشهرته الواسعة في العالم العربي والاسلامي، فكيف بامير المؤمنين الذي رافق رسول الله منذ صغره وشارك في جميع الاحداث والمعارك التي حصلت في زمن النبي الاعظم، وكذلك ان الامام علي هو خليفة المسلمين لمدة اربع سنوات، وايضا هو اخو الامام الحسن عليه السلام الذي صار خليفة للمسلمين بغض النظر عن امامته في الامة ، وايضا ان الامام الحسين كانت له شخصيته وامامته في الامة الاسلامية والعربية بالخصوص حيث ان سيد الشهداء كان لكلمته التاثير الكبير في ذلك المجتمع.
3- اننا نجد ردات الفعل التي حصلت في جيش ابن زياد، وكيف ان هناك نزاعات مستمرة حصلت في الجيش المعادي لجيش سيد الشهداء، وان هناك قائد جيش بمستوى الحر الرياحي قد انضم الى جيش الحسين عليه السلام، وهذا مايجعلنا متأكدين وجازمين بان جيش ابن زياد لم يكن في حالة عقدية جيدة ومعنوايات عالية في يوم عاشوراء، ولا في اريحية تامة يستطيع بها ان يواجه جيش الحسين عليه السلام.
4- ان الجيش المعادي كان كل همه هو انزال الحسين على حكم ابن زياد لا اكثر، ولذلك ان الحسين عليه السلام قد خير بين القتل او النزول على حكم ابن زياد، ولذلك ان اروحنا له الفداء قد اختار القتل وفضله على النزول عند حكم ابن زياد، وهذا المسوغ الذي دعا الجيش الاموي لقتل سيد الشهداء عليه السلام.
5- ان النساء التي كانت في مخيم الحسين عليه السلام الجميع يعلم جيدا ان اكثرهن هن من بني هاشم، وهن من بيت النبوة وموضوع الرسالة، ولذا انا اجزم ان الحالة النفسية التي كانت تخيم في ذلك اليوم المشؤوم يسمح للجيش الاموي بان يعتدي على حرم رسول الله صلى الله عليه واله او يقوم باغتصابهن.
6- كما انه لم تكن هناك حجة من الجيش المعادي في الاعتداء على النساء واغتصابهن، فان الجميع كان قد التحق بالجيش الاموي، وهو يحاول ان يقنع نفسه بان الامام الحسين عليه السلام قد خرج عن حكم يزيد، واما الاعتداء على بنات بيت النبوة بالاغتصاب فهذا يقينا ماكان يرفضه الجيش المعادي، ولايستطيع احدا التفكير به فضلا عن القيام بعمليات الاغتصاب.
7- ان الجيش الاموي هو كان جيش نظامي وله قيادات معروفة وبالتالي فان حركة الجيش منضبطة، والجنود لايمكن لهم الاعتداء على النساء الهاشميات وغيرهن الا اذا حصلوا امر من قادتهم، ولا اعتقد ان هناك اسباب حقيقة موجودة لتدعوا او لتمكن القادة من اصدار اوامر باغتصاب نساء يوم عاشوراء.
ولذلك نجزم جزما قاطعا في عدم حصول اي محاولة اغتصاب بحق الهاشميات في ذلك اليوم.