بسم الله الرحمن الرحيم
اللم صلي على محمد وآل محمد
النقد القرآني البناء
بين التقييم والتقويم الجزء ــ 6 ــ
إن سمو وكمال الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحاجة الى تسامي وتكامل متجدد؛ ولهذا فإن الله تعالى يعاتبه وينقده حتى في الأمور المباحة التي اختارها في مواقفه وممارساته التي يرى المصلحة فيها بحكم مسؤوليته كقائد سياسي ، او قائد عسكري يقدر الظروف والمصالح فيتخذ قراره طبقاً لها.
قال تعالى : { لو كان عَرضَاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبَعُوكَ ولكن بعدتْ عليهم الشقةُ وسيحلفُونَ بالله لو استطعنَا لَخرَجنَا مَعَكم يُهلِكُونَ أنفُسَهُم واللهُ يعلمُ إنهم لكاذُبون* عَفَا الله عنكَ لمَ أَذِنت لهم حتى يَتَبينَ لَكَ الذينَ صَدقوا وتعلمَ الكَاذبينَ } ( سورة التوبة : 42 ، 43 ) .
ومن الأمور المباحة استغفار النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لبعض المشركين ، ومع هذه الاباحة نجد أن الله تعالى يوجه نقده للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على هذا الأمر المباح .
قال تعالى : { ما كان للنبي والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُربى منْ بعد ما تَبَينَ لَهمْ أنهُم أصحابُ الجحيمِ } ( سورة التوبة : 113 ) .
ويتابع الله تعالى دقائق الأمور ؛ ليبين للناس ضرورة تكامل القائد حتى في الأمور الدقيقة .
قال تعالى : { يا أيها النبيُّ لم تُحَرم مَا أحلَّ اللهُ تَبتَغِي مَرضَاةَ أزواجكَ واللهُ غفورٌ رَحيمٌ } ( سورة التحريم :1 ).
ه ــ التخوف من ردود الأفعال
إن المنهج الإلهي منهج دقيق في تناول كل خالجة وحركة وموقف، فهو يتابع أغوار النفس ومشاعرها الواقعية المنسجمة مع الظروف ومع ضغط الواقع ، فينفذ منها ليوجه رسُله إلى أسمى المواقف والقرارات دون الالتفات إلى ردود الأفعال البشرية، وخصوصاً في المواقف المصيرسة التي تتوقف عليها حركة الرسالة؛ لتكون واضحة للعيان وخالدة في الزمان.
عن ابن عباس وجابر بن عبدالله قالا : (( أمر الله تعالى محمداً أن ينصب علياً ( عليه السلام ) للناس ليخبرهم بولايته، فتخوف رسول الله أن يقولوا حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه : { يَا أيُّها الرسولُ بَلغ مَا أنزلَ اليكَ منْ رَبِّكَ وإنْ لَم تفعل فَمَا بَلَّغتَ رساَلَتَهُ واللهُ يعصمُكَ منْ الناسِ ... } ( سورة المائدة :67 ) .
فقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بولاية يوم غدير خم ( شواهد التنزيل 1 :192 ،الحاكم الحسكاني الحنفي ، مؤسسة الاعلمي بيروت، 1393 هجرية ) .
فتخوف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس تخوفاص نفسياً أو مزاجياً؛ لانه لايطرأ على المعصوم ( عليه السلام ) ، وأنما تخوف رسالي في خصوص أهم مسألة وهي الإمامة والولاية .
فقد أراد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يتقبل الللمسلمون الولاية عن تسليم للأمر الإلهي ؛ لكي لاتواجه بأي خدشة أو تقليل من شأنها، والآية لا تشير إلى التخوف ، وإنما جاء التخوف تفسيراً من الرواة، بل أن الآية أرادت أن تبين عظمة الولاية والإمامة .