بسم الله الرحمن الرحيم
هناك نظرية في تفسير اعجاز القران ذكرها بعض الباحثين وتسمى (نظرية الصرف) خلاصتها: ان الاعجاز يتحقق بصرف الله تعالى الناس عن الاتيان بمثل هذا القران لا انهم عاجزون عن ذلك. ورد العلامة الطباطبائي هذه لنظرية بان ظاهر ايات التحدي ان التحدي مبني على ان هذا القران نازل من الله تعالى لا انه قول رسول الله صلى الله عليه واله ولا انه مما أوحى اليه به الشياطين فالتحدي على ان هذا القران هو كلام الله واية انه كلامه تعالى انكم عاجزون عن الاتيان به فسبب عجزكم هو كونه كلام الهي لا قول انسان ولا انه مما اوحت به الشياطين.واليك عبارة السيد الطباطبائي (قده):
و هذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدل عليه آيات التحدي بظاهرها كقوله "قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" الآية: هود - 13 14، فإن الجملة الأخيرة ظاهرة في أن الاستدلال بالتحدي إنما هو على كون القرآن نازلا لا كلاما تقوله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أن نزوله إنما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى "أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين": الطور - 34، و قوله تعالى: "و ما تنزلت به الشياطين و ما ينبغي لهم و ما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون": الشعراء - 212، و الصرف الذي يقولون به إنما يدل على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاما لله نازلا من عنده، و نظير هذه الآية الآية الأخرى، و هي قوله: "قل فأتوا بسورة مثله و ادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله" الآية: يونس - 39، فإنها ظاهرة في أن الذي يوجب استحالة إتيان البشر بمثل القرآن و ضعف قواهم و قوى كل من يعينهم على ذلك من تحمل هذا الشأن هو أن للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذبوه، و لا يحيط به علما إلا الله فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لو لا الصرف بإرادة من الله تعالى.
و كذا قوله تعالى: "أ فلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" الآية: النساء - 82، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظا و معنى و لا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه.(1)
الميزان ج1 ص37.