بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى محمح وآله الطيبين الطاهرين المعصومين
السلام على الصديقة الطاهره فاطمة الزهراء ام الحسن والحسين (عليهم السلام)
السلام عليكم اخوتي اخواتي الاعزاء جميعا ورحمة الله وبركته
بفضل من الله تعالى نبين كيف ان الزهراء (عليها السلام) ممتحنه فنقول ان الله سبحانه وتعالى شاء ان تشهد فاطمة فترة صراع الدعوة في مكة ، و تشهد محنة أبيها (صلى الله عليه وآله)،
فترى الأذى و الاضطهاد يقع عليه،و تشهد جو مكة المعادي لبيت النبوة ، بيت الهدى و
الإيمان و الفضيلة ، و تشاهد أباها والصفوة المؤمنة من دعاة الاسلام ، والسابقين
بالإيمان، يخوضون ملحمة البطولة و الجهاد ، فيؤثر هذا الجو الجهادي في نفسها،ويساهم
في تكوين شخصيتها، وإعدادها لحياة التحمل والمعاناة.
عايشت فاطمة(عليها السلام) كل ذلك وهي بعد لما تزال صبية صغيرة،وعايشت المحنة الأشد مع أبيها
بعد فقد امها،المواسي والأنيس والحبيب،الذي كان يخفف عنه متاعب الحياة و الآلام
و الاضطهاد، وبعد فقده عمه أبا طالب حامي الدعوة والمدافع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،أبو
طالب الذي ما تجرأت قريش في حياته أن تؤذي محمدا (صلى الله عليه وآله) ،أو تنال منه شيئا،إلا كان
لها بالمرصاد ،هذه الحماية التي عبر عنها رسول الله بعد فقده أبا طالب
بقوله:
«ما زالت قريش كاعة عني حتى مات أبو طالب»
لقد صبت قريش حقدها و أذاها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك الفترة العصيبة من عمر
الدعوة الاسلامية.و بكل ما تملك من وسائل الأذى و الاستهزاء و السخرية و محاولات
الانتقاص من مكانة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) و شخصيته،لقد تحمل الني محمد من أجل دعوته وفي سبيل مبادئه و رسالته،ما لم يتحمله أحد من الأنبياء،فقد بلغ الأمر بأحد سفهاء قريش،أن
يغترف غرفة من تراب الأرض و يقذفها بوجه الرسول و على رأسه،فيتحمل رسول
الله هذا الأذى،و يعود إلى بيته صابرا محتسبا و قد لطخ التراب وجهه ورأسه!!يعود إلى بيته و تنظر فاطمة إليه فترى ما لحق به من أذى قريش و تماديها في
الصلف و الغرور،فيحز الألم في نفسها،و يعظم عليها تجرؤ السفهاء و المغرورين من
طغاة الجاهلية و متكبريها على رسول الله (صلى الله عليه وآاله) .ثم تقوم لأبيها و تنفض التراب عن رأسه و وجهه،و تأتي بالماء و تغسل رأسه و وجهه
الكريم .و لم يمر هذا المشهد المؤلم دون أن يؤثر في نفسها،فيستبد بها الحزن و
الألم على القائد رسول الله أبيها ،فتبكي و تتألم،لجرأة هؤلاء الجاهلين
الطغاة على رجل يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور،و يهديهم سبيل الهدى و
الرشاد،و يؤثر موقف فاطمة في نفس أبيها،و يشعر بحرارة الألم تمس قلبها،فيحاول (صلى الله عليه وآله)
أن يخفف عنها و يحثها على التجلد و التحمل،فيمد يديه الكريمتين و يضعهما على
رأسها،فيمسه،برقة و حنان،و هو يقول لها:
«لا تبكي يا بنية!فإن الله مانع أباك،و ناصره على أعداء دينه و رسالته».
بهذه الكلمات الجهادية المربية يحاول رسول الله أن يزرع في نفس فاطمة (عليها السلام)
روحا جهاديا عالية،و يملأ نفسها و قلبها بالصبر و الثقة بالنصر.
و لم تنته هذه المشاهد المثيرة المؤلمة،و لم يقف أذى قريش و استخفافها برسول
الحق،و دعوة الهدى و التحرير إلى هذا الحد،بل راحت تتمادى في غيها،و تصر على
عنتها و كبريائها .
و هكذا يفعل الطغاة و المغرورون بالقوة و السلطة،في كل عصر وجيل،و يصر رسول الله
على دعوته أيضا،و يستهين بكل وسائل الأذى و الاضطهاد و الاستهزاء،و معه صحبه
الأبرار،و تلك سمة بارزة في حياة الرسل ،و دعاة الإيمان على امتداد خط الصراع
و الجهاد من أجل الحق،فيصر على موقفه،و يمضي في سبيل دعوته،و يتابع بعزيمة لا
تلين:نشر رسالته الغراء .
و يمزق هذا الإصرار صبر قريش،و يثير سفهاءها،فتكرر حماقتها،و تقف موقفا ساخرا آخر
من رسول الله (صلى الله عليه ةآله) ،للاستخفاف به،و إيقاع الأذى على نفسه،علها تنال من عزيمته،أو
تصده عن دعوته،فقد سجل لنا التاريخ حادثة أخرى تكشف تفاهة الوسائل،و قذارة
الأساليب التي يلجأ إليها أعداء الإيمان،و تتوسل بها أحزاب الجاهلية و الضلال في
صراعها مع أنبياء الله (عليهم السلام) و دعاة الحق و الإيمان.
يقول احد الرواة
«ما رأيت رسول الله دعا على قريش غير يوم واحد،فإنه كان يصلي،و رهط من قريش
جلوس،و سلى جزور قريب منه،فقالوا:من يأخذ هذا السلى فليقيه على ظهره،فقام
عقبة بن أبي معيطو وألقاه على ظهره،فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة (عليها السلام) ،فأخذته
عن ظهره،فقال النبي: (اللهم عليك الملأ من قريش،اللهم عليك بعتبة بن ربيعة،اللهم
عليك بشيبة بن ربيعة،اللهم عليك بأبي جهل بن هشام،اللهم عليك بعقبة بن أبي
معيط،اللهم عليك بأبي بن خلف،و امية بن خلف) .قال الراوي،فلقد رأيتهم
قتلوا يوم بدر جميعا،ثم سحبوا إلى القليب غير ابي،أوامية،فإنه كان رجلا ضخما
فتقطع».
و هكذا عايشت و شهدت فاطمة و هي لما تزل صبية محنة أبيها،و أذى قريش و استهزاءهم
به،فساهمت هذه المواقف الصعبة في صنع شخصيتها،و علمتها كيف تواجه الحياة و تنتصر
على المحنة،بل المحن التي كانت بانتظارها.
فلقد كانت هذه الشدائد تمر على الزهراء فاطمة بمثابة تأهيل نفسي و عقلي لتستقبل
فيما بعد ما ينتظرها من عزائم الامور بصبر وجلد عز مثيله.
فاطمة المهاجرة
الجاهلية في كل عصر وجيل،مرض فكري و أخلاقي،يعبث بعقل الانسان و وعيه و
نفسه،فيصده عن الحق،و يحرفه عن الاستقامة،و يحبب له العيش في مستنقع الرذيلة،و
التحرك في صحاري التيه و الظلام،لذلك فهو يعشو عن دعوة الحق،و يصم أذنيه عن سماع
الهدى.
و هكذا كانت قريش،و لذا سعت و بكل جهدها لتتخلص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،فائتمر قادة
الجاهلية و أئمة الشرك،و قرروا قتل رسول الله و التخلص منه،بعد أن يئسوا من
إخماد صوته،و إطفاء أنوار دعوته.
و شاء الله تعالى غير ذلك،شاء الله تعالى أن يتم نوره،و ينصر نبيه ،و يظهر
دعوته،فأمره بالهجرة و الانتقال من أرض مكة إلى يثرب،و لم يكن الانتقال من مكة و
البحث عن أرض جديدة حادثا أولدته مؤامرة القتل،بل كان رسول الله يمهد لذلك،و
يبحث عن منطلق آخر لنشر دعوته و بناء مجتمع الرسالة،فكان من قبل قد ذهب إلى
الطائف،و لم يحظ أهلها (قبيلة ثقيف) بنصرته و الاستجابة لدعوته،فردوه و رفضوا
تصديقه،و أساؤوا إليه،و أمروا عبيدهم و سفهاءهم أن يرموه بالحجارة،فأخرجوه
بالسخرية و الأذى من قريتهم،فتركهم رسول الله (صلى الله عليه واله) و خرج،ثم عاد إلى مكة،و كان
رسول الله يتصل بالحجاج القادمين من قبائل العرب إلى مكة،و يعرض عليهم
دعوته،و شاء الله تعالى أن تكون يثرب هي الناصر و المنطلق،فيلتقي بأهلها،و يتجه
نظره نحوها،و يزداد اهتمامه بها،و يواصل نشر دعوته فيها،فكان هذا الإعداد و
البناء الرسالي في المدينة المنورة،هو الذي مكن الرسول الله من الانتقال إليها،عند
ما تآمرت قريش على قتله،فهاجر ،كما هاجر إبراهيم و موسى (عليهم السلام) من قبل،خرج رسول
الله من مكة مستخفيا بظلام الليل،تاركا وطنه و أحباءه و أهله،و فيهم فاطمة
ابنته الحبيبة،و ابن عمه علي بن أبي طالب (عليهما السلام) عونه و سنده،و سيفه الضاربالمقدام،و فدائيه الشجاع،لقد ترك عليا نائما في فراشه،و أوصاه أن يرد الأمانات
التي كانت عندهعند النبيإلى أهلها ثم أمره أن يلتحق به،أي يهاجر إلى يثرب،و
يصطحب معه أهل بيته.
و ينفذ علي الوصية،و يشتري الركائب لحمل النسوة،و يجمع أهله و عياله،و يلتئم شمل
الركب الهاشمي المهاجر بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ،فيضم الفواطم،فاطمة الزهراء
بنت محمد (صلى الله عليه ةآله) ،و فاطمة بنت أسد بن هاشم،ام الإمام علي،و مربية رسول الله ،و
فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب،و فاطمة بنت حمزة،و التحق بهم أيمن و أبو واقد
الليثي.
و يخرج الركب،و يستحث المهاجرون السير،و يسوق أبو واقد المطايا سوقا حثيثا،مخافة
أن تلحق قريش بالركب،فينظر الإمام علي (عليه السلام) إلى النسوة،و يرفق بهن،فيقول لأبي
واقد:
«إرفق بالنسوة يا أبا واقد»
و يمضي الركب عبر صحراء الجزيرة يغذ السير،و يصحر في وضح النهار،بتحد و استهانة
بكبرياء قريش و غرورها،فإنه يستظل بسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام) ،قاهر الجاهلية،و
محطم أصنامها و صلفها.
خرج علي بالركب متحديا قريشا،مستهينا بخيلائها و عنتها،إنه يريد أن يضرب
معنوياتها و كبرياءها بعزته الجهادية الفذة،و يضع الخطوة الاولى على طريق التحدي
في مرحلة الصراع الجديدة التي بدأها رسول الله (صلى الله عليه ةآله) بقرار الهجرة،و تحس قريش
بالجرح عميقا في قلب كبريائها،إن ابن أبي طالب تحدى ارهابها و قوتها و طغيانها،و
خرج في وضح النهار،ماذا يعني هذا الموقف من علي؟و لماذا يخرج بهذه العلنية بركب
أهل بيت النبوة؟
أليس هو التحدي و الاستهانة بقريش و مقاومتها و تصديقها؟إنه كذلك،لذا فقدقررت
قريش إرسال ثمانية من فرسانها لقتل علي (عليه السلام) ،و التعرض لركب النبوة
المهاجر،فيدركون عليا و الركب قرب ضجنان،و يأمر علي الرجلين اللذين كانا معه
أن يبعدا بالإبل و يعقلاها،ثم تقدم هو إلى النسوة فأنزلهن،و استقبل العصابة
بسيفه،انه يعرف لغة الجاهلية،و وسائل إرغامها،فيخاطبها بالذي تفهم،فيواجهونه
بالكلمات الجارحة:«أظننت يا غدار أنك ناج بالنسوة،ارجع،لا أبا لك.فقال علي (عليه السلام) :
(فإن لم أفعل؟) قالوا:لترجعن راغما،و دنوا من المطايا ليثوروها،فحال علي
بينهم و بينها،فأهوى له جناح فراغ عن ضربته،و ضرب جناحا على عاتقه فقده نصفين،حتى
دخل السيف إلى كتف فرسه،و شد على أصحابه،و هو على قدميه،شدة ضيغم و هو يقول:
خلوا سبيل الجاهد المجاهد
آليت لا أعبد غير الواحد
فتفرق القوم عنه،و قالوا:إحبس نفسك عنا يا ابن أبي طالب،فقال لهم:
(إني منطلق إلى أخي و ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،فمن سره أفري لحمه،و أريق دمه،فليدن
مني) ».
و هكذا فرت فرسان قريش،و لحقت بها أول هزيمة عسكرية يشتبك فيها مسلم مع قريش،فهي
أول معركة تتخذ طابع المواجهة القتالية المسلحة بين المؤمنين و المشركين.
ثم التفت علي المنتصر إلى صاحبيه أيمن و أبي واقد،و قال لهما: (أطلقا مطاياكم)
،ثم واصل السير،حتى وصل ضجنان،فنزل فيها،ثم أقام يومه و ليلته،فلحقت به ام أيمن و
نفر من المستضعفين،و راح ركب علي و فاطمة الظافر يستحث الخطى،و شوقه إلى لقاء
رسول الله أكثر سرعة و عجالة،فرسول الله قد وصل يثرب و حل بقبا،فأقام
فيها ينتظر وصول علي و فاطمة،و من كان مع الركب النبوي المهاجر،أقام بقبا و كان
يقول لأبي بكر الذي طلب منه الدخول إلى المدينة:«ما أنا بداخلها،حتى يقدم ابن عمي
و ابنتي».
و يواصل علي سيره ليلا،و يكمن نهارا،يواصل السير على قدميه،من دون أن يركب
ظهرا،أو يستخدم دابة،فيطوي الأرض ما بين مكة و المدينة على قدميه ،حتى تفطرت
قدماه و تورمتا من شدة السير،و يصل الركب قبا،و يسر رسول الله بسلامة
الوصول،و لقاء الأحبة،ثم يقول:
« (أدعوا لي عليا) ،قيل:لا يقدر أن يمشي،فأتاه النبي (صلى الله عليه ةآله) و اعتنقه و بكى،رحمة لما
بقدميه من الورم،و تفل في يديه،و أمرهما على قدميه،فلم يشتكهما بعد حتى قتل»
.
لقد عظم هذا الموقف في نفس رسول الله كما كان عظيما عند الله سبحانه،فاستحق
أن يخلد،و أن يكون نموذجا و قدوة جهادية و عقائدية لأجيال المسلمين.
و من هنا جاء تخليد الوحي له،و نزول القرآن فيه وصفا و تعظيما .
(...فالذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا لأكفرن
عنهم سيئاتهم و لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله و الله
عنده حسن الثواب) . (آل عمران/195)
لقد فك ارتباطه بالأرض،و هاجر إلى الله تعالى،قطع صلته بالديار و سار نحو الله
تعالى،أعرض عن الأهل و العشيرة في أشد ظروف المحنة،و تجرد لتحمل الأذى و المشاق و
التعب و العناء،في سبيل الله تعالى،و استجابة لله تعالى و طلبا لمرضاته،و طاعة
لرسوله (صلى الله عليه وآله) .
هذا جانب من امتحان الصديقة الزهراء في حياة رسول الله اسال الله ان يجعل هذا الجهد المتوضع في ميزان حسناتنا
والحمد لله ربّ العالمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى محمح وآله الطيبين الطاهرين المعصومين
السلام على الصديقة الطاهره فاطمة الزهراء ام الحسن والحسين (عليهم السلام)
السلام عليكم اخوتي اخواتي الاعزاء جميعا ورحمة الله وبركته
بفضل من الله تعالى نبين كيف ان الزهراء (عليها السلام) ممتحنه فنقول ان الله سبحانه وتعالى شاء ان تشهد فاطمة فترة صراع الدعوة في مكة ، و تشهد محنة أبيها (صلى الله عليه وآله)،
فترى الأذى و الاضطهاد يقع عليه،و تشهد جو مكة المعادي لبيت النبوة ، بيت الهدى و
الإيمان و الفضيلة ، و تشاهد أباها والصفوة المؤمنة من دعاة الاسلام ، والسابقين
بالإيمان، يخوضون ملحمة البطولة و الجهاد ، فيؤثر هذا الجو الجهادي في نفسها،ويساهم
في تكوين شخصيتها، وإعدادها لحياة التحمل والمعاناة.
عايشت فاطمة(عليها السلام) كل ذلك وهي بعد لما تزال صبية صغيرة،وعايشت المحنة الأشد مع أبيها
بعد فقد امها،المواسي والأنيس والحبيب،الذي كان يخفف عنه متاعب الحياة و الآلام
و الاضطهاد، وبعد فقده عمه أبا طالب حامي الدعوة والمدافع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،أبو
طالب الذي ما تجرأت قريش في حياته أن تؤذي محمدا (صلى الله عليه وآله) ،أو تنال منه شيئا،إلا كان
لها بالمرصاد ،هذه الحماية التي عبر عنها رسول الله بعد فقده أبا طالب
بقوله:
«ما زالت قريش كاعة عني حتى مات أبو طالب»
لقد صبت قريش حقدها و أذاها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك الفترة العصيبة من عمر
الدعوة الاسلامية.و بكل ما تملك من وسائل الأذى و الاستهزاء و السخرية و محاولات
الانتقاص من مكانة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) و شخصيته،لقد تحمل الني محمد من أجل دعوته وفي سبيل مبادئه و رسالته،ما لم يتحمله أحد من الأنبياء،فقد بلغ الأمر بأحد سفهاء قريش،أن
يغترف غرفة من تراب الأرض و يقذفها بوجه الرسول و على رأسه،فيتحمل رسول
الله هذا الأذى،و يعود إلى بيته صابرا محتسبا و قد لطخ التراب وجهه ورأسه!!يعود إلى بيته و تنظر فاطمة إليه فترى ما لحق به من أذى قريش و تماديها في
الصلف و الغرور،فيحز الألم في نفسها،و يعظم عليها تجرؤ السفهاء و المغرورين من
طغاة الجاهلية و متكبريها على رسول الله (صلى الله عليه وآاله) .ثم تقوم لأبيها و تنفض التراب عن رأسه و وجهه،و تأتي بالماء و تغسل رأسه و وجهه
الكريم .و لم يمر هذا المشهد المؤلم دون أن يؤثر في نفسها،فيستبد بها الحزن و
الألم على القائد رسول الله أبيها ،فتبكي و تتألم،لجرأة هؤلاء الجاهلين
الطغاة على رجل يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور،و يهديهم سبيل الهدى و
الرشاد،و يؤثر موقف فاطمة في نفس أبيها،و يشعر بحرارة الألم تمس قلبها،فيحاول (صلى الله عليه وآله)
أن يخفف عنها و يحثها على التجلد و التحمل،فيمد يديه الكريمتين و يضعهما على
رأسها،فيمسه،برقة و حنان،و هو يقول لها:
«لا تبكي يا بنية!فإن الله مانع أباك،و ناصره على أعداء دينه و رسالته».
بهذه الكلمات الجهادية المربية يحاول رسول الله أن يزرع في نفس فاطمة (عليها السلام)
روحا جهاديا عالية،و يملأ نفسها و قلبها بالصبر و الثقة بالنصر.
و لم تنته هذه المشاهد المثيرة المؤلمة،و لم يقف أذى قريش و استخفافها برسول
الحق،و دعوة الهدى و التحرير إلى هذا الحد،بل راحت تتمادى في غيها،و تصر على
عنتها و كبريائها .
و هكذا يفعل الطغاة و المغرورون بالقوة و السلطة،في كل عصر وجيل،و يصر رسول الله
على دعوته أيضا،و يستهين بكل وسائل الأذى و الاضطهاد و الاستهزاء،و معه صحبه
الأبرار،و تلك سمة بارزة في حياة الرسل ،و دعاة الإيمان على امتداد خط الصراع
و الجهاد من أجل الحق،فيصر على موقفه،و يمضي في سبيل دعوته،و يتابع بعزيمة لا
تلين:نشر رسالته الغراء .
و يمزق هذا الإصرار صبر قريش،و يثير سفهاءها،فتكرر حماقتها،و تقف موقفا ساخرا آخر
من رسول الله (صلى الله عليه ةآله) ،للاستخفاف به،و إيقاع الأذى على نفسه،علها تنال من عزيمته،أو
تصده عن دعوته،فقد سجل لنا التاريخ حادثة أخرى تكشف تفاهة الوسائل،و قذارة
الأساليب التي يلجأ إليها أعداء الإيمان،و تتوسل بها أحزاب الجاهلية و الضلال في
صراعها مع أنبياء الله (عليهم السلام) و دعاة الحق و الإيمان.
يقول احد الرواة
«ما رأيت رسول الله دعا على قريش غير يوم واحد،فإنه كان يصلي،و رهط من قريش
جلوس،و سلى جزور قريب منه،فقالوا:من يأخذ هذا السلى فليقيه على ظهره،فقام
عقبة بن أبي معيطو وألقاه على ظهره،فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة (عليها السلام) ،فأخذته
عن ظهره،فقال النبي: (اللهم عليك الملأ من قريش،اللهم عليك بعتبة بن ربيعة،اللهم
عليك بشيبة بن ربيعة،اللهم عليك بأبي جهل بن هشام،اللهم عليك بعقبة بن أبي
معيط،اللهم عليك بأبي بن خلف،و امية بن خلف) .قال الراوي،فلقد رأيتهم
قتلوا يوم بدر جميعا،ثم سحبوا إلى القليب غير ابي،أوامية،فإنه كان رجلا ضخما
فتقطع».
و هكذا عايشت و شهدت فاطمة و هي لما تزل صبية محنة أبيها،و أذى قريش و استهزاءهم
به،فساهمت هذه المواقف الصعبة في صنع شخصيتها،و علمتها كيف تواجه الحياة و تنتصر
على المحنة،بل المحن التي كانت بانتظارها.
فلقد كانت هذه الشدائد تمر على الزهراء فاطمة بمثابة تأهيل نفسي و عقلي لتستقبل
فيما بعد ما ينتظرها من عزائم الامور بصبر وجلد عز مثيله.
فاطمة المهاجرة
الجاهلية في كل عصر وجيل،مرض فكري و أخلاقي،يعبث بعقل الانسان و وعيه و
نفسه،فيصده عن الحق،و يحرفه عن الاستقامة،و يحبب له العيش في مستنقع الرذيلة،و
التحرك في صحاري التيه و الظلام،لذلك فهو يعشو عن دعوة الحق،و يصم أذنيه عن سماع
الهدى.
و هكذا كانت قريش،و لذا سعت و بكل جهدها لتتخلص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،فائتمر قادة
الجاهلية و أئمة الشرك،و قرروا قتل رسول الله و التخلص منه،بعد أن يئسوا من
إخماد صوته،و إطفاء أنوار دعوته.
و شاء الله تعالى غير ذلك،شاء الله تعالى أن يتم نوره،و ينصر نبيه ،و يظهر
دعوته،فأمره بالهجرة و الانتقال من أرض مكة إلى يثرب،و لم يكن الانتقال من مكة و
البحث عن أرض جديدة حادثا أولدته مؤامرة القتل،بل كان رسول الله يمهد لذلك،و
يبحث عن منطلق آخر لنشر دعوته و بناء مجتمع الرسالة،فكان من قبل قد ذهب إلى
الطائف،و لم يحظ أهلها (قبيلة ثقيف) بنصرته و الاستجابة لدعوته،فردوه و رفضوا
تصديقه،و أساؤوا إليه،و أمروا عبيدهم و سفهاءهم أن يرموه بالحجارة،فأخرجوه
بالسخرية و الأذى من قريتهم،فتركهم رسول الله (صلى الله عليه واله) و خرج،ثم عاد إلى مكة،و كان
رسول الله يتصل بالحجاج القادمين من قبائل العرب إلى مكة،و يعرض عليهم
دعوته،و شاء الله تعالى أن تكون يثرب هي الناصر و المنطلق،فيلتقي بأهلها،و يتجه
نظره نحوها،و يزداد اهتمامه بها،و يواصل نشر دعوته فيها،فكان هذا الإعداد و
البناء الرسالي في المدينة المنورة،هو الذي مكن الرسول الله من الانتقال إليها،عند
ما تآمرت قريش على قتله،فهاجر ،كما هاجر إبراهيم و موسى (عليهم السلام) من قبل،خرج رسول
الله من مكة مستخفيا بظلام الليل،تاركا وطنه و أحباءه و أهله،و فيهم فاطمة
ابنته الحبيبة،و ابن عمه علي بن أبي طالب (عليهما السلام) عونه و سنده،و سيفه الضاربالمقدام،و فدائيه الشجاع،لقد ترك عليا نائما في فراشه،و أوصاه أن يرد الأمانات
التي كانت عندهعند النبيإلى أهلها ثم أمره أن يلتحق به،أي يهاجر إلى يثرب،و
يصطحب معه أهل بيته.
و ينفذ علي الوصية،و يشتري الركائب لحمل النسوة،و يجمع أهله و عياله،و يلتئم شمل
الركب الهاشمي المهاجر بقيادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ،فيضم الفواطم،فاطمة الزهراء
بنت محمد (صلى الله عليه ةآله) ،و فاطمة بنت أسد بن هاشم،ام الإمام علي،و مربية رسول الله ،و
فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب،و فاطمة بنت حمزة،و التحق بهم أيمن و أبو واقد
الليثي.
و يخرج الركب،و يستحث المهاجرون السير،و يسوق أبو واقد المطايا سوقا حثيثا،مخافة
أن تلحق قريش بالركب،فينظر الإمام علي (عليه السلام) إلى النسوة،و يرفق بهن،فيقول لأبي
واقد:
«إرفق بالنسوة يا أبا واقد»
و يمضي الركب عبر صحراء الجزيرة يغذ السير،و يصحر في وضح النهار،بتحد و استهانة
بكبرياء قريش و غرورها،فإنه يستظل بسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام) ،قاهر الجاهلية،و
محطم أصنامها و صلفها.
خرج علي بالركب متحديا قريشا،مستهينا بخيلائها و عنتها،إنه يريد أن يضرب
معنوياتها و كبرياءها بعزته الجهادية الفذة،و يضع الخطوة الاولى على طريق التحدي
في مرحلة الصراع الجديدة التي بدأها رسول الله (صلى الله عليه ةآله) بقرار الهجرة،و تحس قريش
بالجرح عميقا في قلب كبريائها،إن ابن أبي طالب تحدى ارهابها و قوتها و طغيانها،و
خرج في وضح النهار،ماذا يعني هذا الموقف من علي؟و لماذا يخرج بهذه العلنية بركب
أهل بيت النبوة؟
أليس هو التحدي و الاستهانة بقريش و مقاومتها و تصديقها؟إنه كذلك،لذا فقدقررت
قريش إرسال ثمانية من فرسانها لقتل علي (عليه السلام) ،و التعرض لركب النبوة
المهاجر،فيدركون عليا و الركب قرب ضجنان،و يأمر علي الرجلين اللذين كانا معه
أن يبعدا بالإبل و يعقلاها،ثم تقدم هو إلى النسوة فأنزلهن،و استقبل العصابة
بسيفه،انه يعرف لغة الجاهلية،و وسائل إرغامها،فيخاطبها بالذي تفهم،فيواجهونه
بالكلمات الجارحة:«أظننت يا غدار أنك ناج بالنسوة،ارجع،لا أبا لك.فقال علي (عليه السلام) :
(فإن لم أفعل؟) قالوا:لترجعن راغما،و دنوا من المطايا ليثوروها،فحال علي
بينهم و بينها،فأهوى له جناح فراغ عن ضربته،و ضرب جناحا على عاتقه فقده نصفين،حتى
دخل السيف إلى كتف فرسه،و شد على أصحابه،و هو على قدميه،شدة ضيغم و هو يقول:
خلوا سبيل الجاهد المجاهد
آليت لا أعبد غير الواحد
فتفرق القوم عنه،و قالوا:إحبس نفسك عنا يا ابن أبي طالب،فقال لهم:
(إني منطلق إلى أخي و ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،فمن سره أفري لحمه،و أريق دمه،فليدن
مني) ».
و هكذا فرت فرسان قريش،و لحقت بها أول هزيمة عسكرية يشتبك فيها مسلم مع قريش،فهي
أول معركة تتخذ طابع المواجهة القتالية المسلحة بين المؤمنين و المشركين.
ثم التفت علي المنتصر إلى صاحبيه أيمن و أبي واقد،و قال لهما: (أطلقا مطاياكم)
،ثم واصل السير،حتى وصل ضجنان،فنزل فيها،ثم أقام يومه و ليلته،فلحقت به ام أيمن و
نفر من المستضعفين،و راح ركب علي و فاطمة الظافر يستحث الخطى،و شوقه إلى لقاء
رسول الله أكثر سرعة و عجالة،فرسول الله قد وصل يثرب و حل بقبا،فأقام
فيها ينتظر وصول علي و فاطمة،و من كان مع الركب النبوي المهاجر،أقام بقبا و كان
يقول لأبي بكر الذي طلب منه الدخول إلى المدينة:«ما أنا بداخلها،حتى يقدم ابن عمي
و ابنتي».
و يواصل علي سيره ليلا،و يكمن نهارا،يواصل السير على قدميه،من دون أن يركب
ظهرا،أو يستخدم دابة،فيطوي الأرض ما بين مكة و المدينة على قدميه ،حتى تفطرت
قدماه و تورمتا من شدة السير،و يصل الركب قبا،و يسر رسول الله بسلامة
الوصول،و لقاء الأحبة،ثم يقول:
« (أدعوا لي عليا) ،قيل:لا يقدر أن يمشي،فأتاه النبي (صلى الله عليه ةآله) و اعتنقه و بكى،رحمة لما
بقدميه من الورم،و تفل في يديه،و أمرهما على قدميه،فلم يشتكهما بعد حتى قتل»
.
لقد عظم هذا الموقف في نفس رسول الله كما كان عظيما عند الله سبحانه،فاستحق
أن يخلد،و أن يكون نموذجا و قدوة جهادية و عقائدية لأجيال المسلمين.
و من هنا جاء تخليد الوحي له،و نزول القرآن فيه وصفا و تعظيما .
(...فالذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم و أوذوا في سبيلي و قاتلوا و قتلوا لأكفرن
عنهم سيئاتهم و لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله و الله
عنده حسن الثواب) . (آل عمران/195)
لقد فك ارتباطه بالأرض،و هاجر إلى الله تعالى،قطع صلته بالديار و سار نحو الله
تعالى،أعرض عن الأهل و العشيرة في أشد ظروف المحنة،و تجرد لتحمل الأذى و المشاق و
التعب و العناء،في سبيل الله تعالى،و استجابة لله تعالى و طلبا لمرضاته،و طاعة
لرسوله (صلى الله عليه وآله) .
هذا جانب من امتحان الصديقة الزهراء في حياة رسول الله اسال الله ان يجعل هذا الجهد المتوضع في ميزان حسناتنا
والحمد لله ربّ العالمين
