بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
[اللحظات الأخيرة*الزهراء عليها السلام]
فاطمة بنت خاتم الأنبياء محمد(صلى الله عليه وآله )ولدت بعد مبعث بخمس سنين في العشرين من جمادى الثانية ، أشبه الناس بأبيها في مشيتها ومنطقها وكانت نحيفة الجسد ومشرقة الوجه ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني» .
روى الشيخ الطوسي بسند معتبر عن ابن عباس أنه قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته فقيل له: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي. كأني بفاطمة وقد ظلت من بعدي وهي تنادي يا أبتاه فلا يعيها أحد من أمتي.
فسمعت ذلك فاطمة عليه السلام فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تبكي يا بنية. فقالت: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك ولكني أبكي لفراقك يا رسول الله، فقال لها: أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي فأنك أول من يلحق بي من أهل بيتي.
مرضت فاطمة (عليها السّلام)(1) مرضاً شديدا،ً ومكثت أربعين ليلة في مرضها، إلى أن توفّيت صلوات الله عليها، فلمّا نعيت إليها نفسها، دعت أُُمّ أيمن وأسماء بنت عميس، ووجّهت خلف عليّ وأحضرته فقالت:
يابن عمّ إنّه قد نعيت إليّ نفسي، وإنّني لأرى ما بي ﻻ أشكّ إلاّ أنني ﻻ حقة بأبي، ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي.
قال لها عليّ (عليه السّلام): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت.
ثمّ قالت: يابن عمّ ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني.فقال (عليه السّلام): معاذ الله أنت أعلم بالله وأبرّ وأتقى وأكرم، وأشدّ خوفاً من الله [من] أن أُوبّخك غداً بمخالفتي، فقد عزّ عليّ مفارقتك وفقدك، إلاّ أنّه أمر لابدّ منه، والله جدّدت عليّ مصيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها، هذه والله مصيبة ﻻ عزاء عنها، ورزّية ﻻ خلف لها.
ثمّ بكيا جميعاً ساعةً، وأخذ عليّ رأسها وضمّها إلى صدره، ثمّ قال: أُوصيني بما شئت، فإنّك تجديني وفياً، أمضي كلّ ما أمرتني به، وأختار أمرك على أمري.
ثمّ قالت: جزاك الله عنّي، خير الجزاء يابن عمّ [رسول الله] أوصيك أوّلاً أن تتزوّج بعدي بابنة [أُختي] أمامة، فإنّها تكون لولدي مثلي، فإنّ الرجال لابدّ لهم من النساء.
ثمّ قالت: أوصيك يابن عمّ أن تتّخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته.
فقال لها: صفيه لي، فوصفته، فاتّخذه لها، فأوّل نعش عمل على وجه الأرض ذلك، وما رأى أحد قبله ولا عمل أحد.
ثمّ قالت: أوصيك أن ﻻ يشهد أحد جنازتي من هؤلاء، الذين ظلموني وأخذوا حقّي، فإنّهم أعدائي وأعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن ﻻ يصلّي عليّ أحد منهم، ولا من أتباعهم، وادفّني في الليل، إذا هدأت العيون ونامت الأبصار.
الله (صلى الله عليه وآله) عهد إليّ وحدثني، أنّي أوّل أهله لحوقاً به، ولابدّ ممّا لابدّ منه، فاصبر ثمّ توفيت صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.
(2)لمّا اشتدّ وجع فاطمة (عليها السّلام) وعلمت أنّها الوفاة، أوصت إلى عليّ (عليه السّلام) بوصيّتها فقالت:
يا أبا الحسن إنّ رسوللأمر الله تعالى وارض بقضائه.
ولما توفيت فاطمة عليه السلام فصاحت نسوة المدينة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن وقلنه: يا سيدتاه يا بنت رسول الله ، اجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها فخرج أبو ذر فقال: انصرفوا فأن ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخُر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا فلما أن هدأت العيون ومضى من الليل أخرجها علي والحسن والحسين عليه السلام وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة، ونفر من بني هاشم وخواصه. صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى علي عليه السلام حواليها قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها وقيل أربعين قبراً كما في رواية.ثمّ قالت: يابن عمّ ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني.لت: جزاك الله عنّي، خير الجزاء يابن عمّ [رسول الله] أوصيك أوّلاً أن تتزوّج بعدي بابنة [أُختي] أمامة، فإنّها تكون لولدي مثلي، فإنّ الرجال لابدّ لهم من النساء.
ثمّ قالت: أوصيك يابن عمّ أن تتّخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوّروا صورت
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقيعك، المختار الله لها سرعة اللحاق بك،...
فلما حضرتها الوفاة أوصت أمير المؤمنين عليه السلام أن يتولى أمرها ويدفنها ليلاً ويعفي قبرها، فتولى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها وعفى موضع قبرها،فلما نفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال:عن ابن عبّاس أنّه قال(3): لمّا توفّيت (عليها السّلام) شقّت أسماء جيبها، وخرجت فتلقّاها الحسن والحسين وقالا: أين أُمّنا؟ فسكتت فدخلا البيت، فإذا هي ممتدّة فحرّكها الحسين فإذا هي ميّتة، فقال: يا أخاه آجرك الله في الوالدة، وخرجا يناديان: يا محمداه، يا أحمداه، اليوم جدّد لنا موتك إذ ماتت أمّنا، ثمّ أخبرا عليّاً وهو في المسجد، فغشي عليه حتّى رشّ عليه الماء، ثمّ أفاق فحملهما، حتّى أدخلهما بيت فاطمة، وعند رأسها أسماء تبكي وتقول: وا يتامى محمد، كنّا نتعزّى بفاطمة بعد موت جدّكما، فبمن نتعزّى بعدها؟ فكشف عليّ عن وجهها، فإذا برقعة عند رأسها فنظر فيها فإذا فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
أوصت وهي تشهد أن ﻻ إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ الجنّة حقّ، والنّار حقّ، وأنّ الساعة آتية لاريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور.
يا عليّ، أنا فاطمة بنت محمد، زوّجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة،
أنت أولى بي من غيري، حنطني وغسّلني وكفّني بالليل وصلّ عليّ، وادفنّي بالليل ولا تعلم أحداً، واستودعك الله، واقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة.
فلمّا جنّ الليل غسّلها علي (عليه السّلام) ووضعها على السرير، وقال للحسن (عليه السّلام):
ادع لي أبا ذر، فدعاه، فحملاها إلى المصلّى، فصلّى عليها، ثمّ صلّى ركعتين، ورفع يديه إلى السماء فنادى:
هذه بنت نبيّك فاطمة، أخرجتها من الظلمات إلى النّّور.
فأضاءت الأرض ميلاً في ميل، فلمّا أرادوا أن يدفنوها نودوا من بقعة من البقيع:
إليّ إليّ، فقد رفع تربتها منّي، فنظروا، فإذاً هي بقبر محفور، فحملوا السرير إليها، فدفنوها، فجلس علي (عليه السّلام) على شفير القبر فقال: يا أرض! استودعك وديعتي. هذه بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فنودي منها: يا علي: أنا أرفق بها منك، فارجع ولا تهتم.
فرجع وانسد القبر، واستوى بالأرض، فلم يعلم أين كان إلى يوم القيامة.
فاطمة الزهراء عليها السلام لم تبقى إلا قليلةً حزينة باكيةً فكانت ملتقى المصائب والآلام بعد ابيها رسول الله (صلى الله عليه وآله ) ومن خطاب أمير المؤمنين عليه السلام الخطاب قوله:
«وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين».
*ـ بحار الأنوار 43/ 178 – 179 ضمن ح 15:...
1ـ (ولعل ذلك لما فيه من العمل بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واجتناباً لما في العزوبة من قدح وذم).
2ـ روضة الواعظين 1/ 151:...
3ـ بحار الأنوار 43/201:...
