لماذا يذنب العبد؟
لا يمكن الاستهانة بمخاطر الذنوب على العبد مع كثرة ما يعرف عن آثارها الوخيمة في الدنيا وعاقبتها الفظيعة في الآخرة، يروى عن الإمام علي (عليه السلام) : (ألا وإن الخطايا خيلٌ شُمُسٌ حُمل عليها أهلها وخُلعت لُجُمها فتقحّمت بهم في الناس) فالخطايا كالخيول العنيدة المتمردة على صاحبها ولا لجام لها ليمسك بها فتقتحم بصاحبها إلى المخاطر فعليه ترويضها ...
وهنا يأتي السؤال: من أين جاءت هذه القوة للخطايا ؟ أو قل: إذا كانت الذنوب بهذه الخطورة وهذا التأثير المدمر في حياة الإنسان فلماذا يرتكبها، وهذا بحث نفسي واجتماعي وقد يحتاج إلى إجراء استبيان، ولكن يمكن استفادة بعض مناشئ الذنوب مما ورد في الروايات الشريفة، ينفع الالتفات إليها في اجتنابها وتوقيها، روي عن الإمام محمد الباقر (توقّي الصرعة خير من سؤال الرجعة) واليك الان بعض اسباب ارتكاب الذنوب :-
1- الجهل : ومنه الجهل بمقام الربوبية ووظائف العبودية ، فإن من يعرف الله تعالى يتجنب المعاصي بمقدار تلك المعرفة ويؤتيه الله تعالى فرقاناً يميز به الحق و الباطل {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} الانفال29 . حتى إذا اكتملت عنده المعرفة أصبح عبداً خالصاً لله تعالى ينفر بطبعه من المعصية ويتقزز منها، فمن رأى الغيبة على حقيقتها ووجدها اكلاً للحم اخيه ميتاً هل يقدم عليها ؟ ومن رأى الدنيا جيفة قد اجتمعت عليها الكلاب هل يتنافس عليها ، وهكذا.
ثم الجهل بأمور الدين، فما دام الإنسان لم يتفقه في دينه ولم يتعرف على ما يقربه إلى الله تعالى ويجنبه سخطه فإنه يتورط في المعاصي من حيث يعلم أو لا يعلم، عن الأمام علي روي : (جهل المرء بعيوبه من أكبر ذنوبه)؛ وكتطبيق لهذا المبدأ فقد ورد في التجارة عن الإمام جعفرالصادق (عليه السلام): (من أراد التجارة فليتفقه في دينه ليعلم بذلك ما يحلُّ له مما يحرم عليه، ومن لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات) .
والتحذير لا يختص بالتجارة وإنما يعم كل شؤون الحياة؛ لأنها كلها مقنَّنة بأحكام في الشريعة، فالجهل بها يوقع في المعصية كجهل ربِّ الأسرة بأن كثيراً مما يفعله في البيت هو ظلم لزوجته وأسرته، والظلم ذنب لا يغفر حتى يرضى المظلوم .
2-وجود الدوافع وأصول الذنوب في النفس الإنسانية المعبَّر عنها بالغرائز والشهوات والتي خلقت أصلاً لتؤدي أدواراً إيجابية في حياة الإنسان ولتكمّل قواه الأخرى كالعقلية والجسدية والقلبية، لكنها إذا خرجت عن حدّها إلى جانب الإفراط أو التفريط كان سبباً للوقوع في المعاصي .
3-معاضدة الشيطان للدوافع والغرائز، وذلك بالتزيين والإغواء والتطمين والتهوين من الأمر حتى يقارف الذنب والمعصية قال تعالى حاكياً عن إبليس: [قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ] (الحجر: 39-40). وفي دعاء للإمام زين العابدين (عليه السلام): (فلولا أن الشيطان يختدعهم عن طاعتك ما عصاك عاصٍ، ولولا أنه صوَّر لهم الباطل في مثال الحق ما ضلَّ عن طريقك ضال).
وقد ورد التحذير من إغراء الشيطان وإغوائه كثيراً في القرآن الكريم والروايات الشريفة مما لا يخفى على أحد . هذا التزيين الشيطاني وهذه الموافقة لأهواء النفس وشهواتها جعل للخطايا تأثيراً ساحراً يسكر صاحبه حتى يتورط فيها، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) احذروا سكر الخطيئة، فإن للخطيئة سكراً كسكر الشراب، بل هي أشدُّ سكراً منه، يقول الله تعالى: {صُمٌّ بُكمٌ عميٌّ فهم لا يرجعون} (البقرة:18 ) .
4-الاغترار بالستر الإلهي على العاصين وعدم فضح الإنسان بذنبه (فلو اطلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته ولو خفتُ تعجيل العقوبة لاجتنبته، لا لأنك أهون الناظرين إليّ وأخفُّ المطلعين عليّ بل لأنك يا ربِّ خير الساترين.. وأكرم الأكرمين .. تستر الذنب بكرمك وتؤخر العقوبة بحلمك) (الحمد لله الذي يحلم عني حتى كأني لا ذنب لي) وذلك كله لسعة رحمة الله وطول أناته على ذنوب عباده رحمة بالعباد وإعطاءهم مزيداً من الفرص للندم والرجوع والإقلاع عن الذنب، وحبّاً من الله لعباده وشفقة عليهم، فيتمادى الإنسان ويغتر، ظاناً أن الفرصة مفتوحة على الدوام، ولا يعلم أنه قد يوصله تماديه واغتراره إلى حد هتك الستر وانغلاق الباب وسدّ الفرصة، قال تعالى: [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً] النساء 18،17
5-استصغار الذنب والاستخفاف به لما ارتكز في الذهن من أن الذنوب الموعود بها النار هي الكبائر أما غيرها فيمكن ارتكابها، وهذا التفكير بحد ذاته من الكبائر لما فيه من الجرأة على الله تعالى وعدم الاعتبار بعظمته وعلو شأنه وهو موجب لسخط الله وسلب اللطف عن العبد فتؤدي به هذه الصغائر إلى الوقوع في الكبائر والعياذ بالله لذا كثر التحذير من استصغار أي ذنب، روي عن الإمام علي (عليه السلام): (لاتستصغروا قليل الآثام فإن الصغير يُحصى ويرجع إلى الكبير) وروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) : (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالباً، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين) وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : (أعظم الذنوب عند الله سبحانه ذنب صغر عند صاحبه) وعنه (عليه السلام): (إن الله أخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغروا شيئاً من معصيته، فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم).
6-الغفلة، فإن كثيراً من الذنوب –وبعضها من الكبائر- ترتكب لا للجهل بها وإنما للغفلة كالغيبة التي يُعلم أنها من الكبائر ووصفها الله عز وجل بأشنع الأوصاف وهي إدام أهل النار، ومع ذلك فقد أصبحت الغيبة فاكهة المجالس والمادة الرئيسية للأحاديث، فينبغي للمؤمن أن يتجنب الغفلة بترك المقدمات الموجبة لها، وإذا عرضت عليه فليخرج منها فور التفاته؛ بذكر الله تعالى، قال عز وجل: [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ] (الأعراف101) ) ومن وصايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذر: (هُمَّ بالحسنة وإن لم تعملها لكيلا تكتب من الغافلين) وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : (الغفلة ضلالة) وعنه (عليه السلام): (إياك والغفلة والاغترار بالمهلة، فإن الغفلة تفسد الأعمال) .
7-سوء الخلق،عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لكل ذنب توبة إلا سوء الخلق، فإن صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب) .
8-الاختلاط الكثير مع الناس ومجالسة البطّالين،والخوض في فضول الكلام، فهذه الأمور كلها مظنة الوقوع في الذنوب والمحرمات؛ لذا ورد التحذير من حضور هذه المجالس والمشاركة في اللغو الباطل {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}( المدثر:45) روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً في ما لا يعنيه) وعن الإمام علي(عليه السلام) : (مجالسة أهل الهوى منسأة للإيمان ومحضرة للشيطان)، وعنه (عليه السلام): (إياك والهذر، فمن كثر كلامه كثرت آثامه) وعنه (عليه السلام): (الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورِقك، فرُبّ كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة) .
9-سوء فهم بعض ما ورد في القران الكريم كالشفاعة و الرحمة و المغفرة او في الروايات الشريفة من الثواب على بعض الأفعال قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}(الانبياء28) . وقال تعالى: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] (الأعراف: 156) . وقد حذّر الإمام جعفرالصادق (عليه السلام) في وصيته عند وفاته وقد جمع أقربائه ومتعلقيه : (إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة) وروي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (لا تتهاون بصلاتك، فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته) . وقد لخّص الإمام زين العابدين (عليه السلام) ذكر هذه الأسباب لمقارفة الذنوب بما ورد عنه في الدعاء المعروف بدعاء أبي حمزة الذي يدعى به في أسحار شهر رمضان، روي عنه(عليه السلام): (إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد ولا بأمرك مستخف ولا لعقوبتك متعرض ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي وأعانني عليها شقوتي، وغرّني سترك المرخى عليّ) وروي عنه (عليه السلام): (إلهي ما لي كلما قلت قد صلحت سريرتي، وقرب من مجالس التوابين مجلسي، عرضت لي بلية أزالت قدمي ... سيدي لعلك عن بابك طردتني، وعن خدمتك نحيتني، أو لعلك رأيتني مستخفاً بحقك فأقصيتني أو لعلك رأيتني معرضاً عنك فقليتني، أو لعلك وجدتني في مقام الكاذبين فرفضتني، أو لعلك رأيتني غير شاكر لنعمائك فحرمتني، أو لعلك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني، أو لعلك رأيتني في الغافلين فمن رحمتك آيستني، أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني أو لعلك لم تحب أن تسمع دعائي فباعدتني، أو لعلك بجرمي وجريرتي كافيتني أو لعلك بقلة حيائي منك جازيتني ..) .
شكرا لمتابعتكم
ونسألكم الدعاء بحسن العاقبة
منقول بتصرف
