الدليل العقلي على امامة المهدي عجل الله فرجه
اولا: الدليل العقلي على وجود المعصوم في كل زمان
(الرازي، المنقذ 2: 256 ـ 257)
... ولو ادعى احد أنّ جميع احكام الشرع مبينة في الكتاب والسنة كان جاحداً معانداً، اذ لو كان كذلك لما اختلف علماء الامة فيما اختلفوا فيه من الشرعيات، ولهذا فزع اكثر مخالفينا في الامامة الى القول بالقياس والاجتهاد... ولم يثبت كون خبر الواحد والقياس والاجتهاد حجة في الشرع... فيجب أن يكون في الامة معصوم مقطوع على عصمته مأمون الخطأ والزلل من جهته ليرجع اليه في تعرف المسكوت عنه في الكتاب والسنة المقطوع بها، والاّ كانت الامة متعبدة مكلفة بما لا يهتدي اليه، وذلك معدود في تكليف ما لا يطاق وهو قبيح، او لم يكلفوا من الشرع سوى المنصوص عليه في الكتاب والسنة المقطوع بها وذلك خلاف الاجماع.....
(تلخيص الشافي 1: 174 ـ 177)
ومما يدل على وجوب امام معصوم في كل زمان انّا علمنا ضرورة انّه ليس جميع أدلة الشرع ظاهرة مطابقة لحقائق اللغة، بل نعلم انّ في القرآن والسنة متشابهاً ومحتملاً، وان العلماء من أهل اللغة قد اختلفوا في المراد به... فلابد من مبين للمشكل ومترجم للغامض يكون قوله حجة كقول الرسول...
فان قيل: جميع ادلة الشرع المحتملة فيها بيان من الرسول يفصح عن المراد، قيل: هذا ارتكاب يعلم بطلانه ضرورة لوجودنا مواضع كثيرة اشكلت على العلماء... فلو سلمنا انّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تولى بيان جميع ما يحتاج الى البيان ولم يخلف منه شيئاً على خليفته لكانت الحاجة من بعد الى الامام ثابتة، لانّا نعلم أن بيانه صلى الله عليه وآله وسلم وان كان حجة على من شافهه وسمعه من لفظه فهو حجة على من يأتي بعده ممن لا يعاصره ويلحق زمانه، ونقل الامة لذلك البيان قد بيّنّا انّه ليس بضروري، وانّه غير مأمون منهم العدول عنه... فلابد من امام مؤد له من النبي مشكل القرآن وموضح عما غمض عنّا من ذلك.....
(الوائلي، هوية التشيع: 181 ـ 182)
فمن الادلة العقلية التي أوردوها دليل اللطف ومفاد هذا الدليل: أنّ العقل يحكم بوجوب اللطف على الله تعالى، وهو فعل ما يقرب الى الطاعة ويبعد عن المعصية، ويوجب إزاحة العلة وقطع العذر بما لا يصل الى حد الإلجاء لئلا يكون للناس على الله حجة، فكما أنّ العقل حاكم بوجوب إرسال الرسل وبعثة الأنبياء ليبينوا للناس ما أراد الله منهم وللحكم بينهم بالعدل: كذلك يجب نصب الامام ليقوم مقامهم تحقيقاً لنفس العلة، فإنّ الله لا يخلي الارض من حجة، وليس زمان بأولى من زمان في ذلك، إلى آخر ما أوردوه..
ثانيا: الدليل العقلي على امامة المهدي عجل الله فرجه:
انّ العقل قد دلّ على وجوب الامامة، وان كل زمان ـ كلّف فيه المكلفون الذين يجوز منهم القبيح والحسن والطاعة والمعصية لا يخلو من امام، وانّ خلّوه من امام اخلال بتمكينهم وقادح في حسن تكليفهم، ثم دل العقل على انّ ذلك الامام لابد من كونه معصوماً من الخطأ والزلل مأموناً منه فعل كل قبيح، وليس بعد ثبوت هذين الاصلين الا امامة من تشير الامامية الى امامته، فانّ الصفة التي دل العقل على وجوبها لا توجد الا فيه، ويتعرى منها كلّ من تدّعي له الامامة سواه، وتنساق الغيبة بهذا سوقاً حتى لا تبقى شبهة فيها، وهذه الطريقة أوضح ما اعتمد عليه في ثبوت امامة صاحب الزمان وأبعد من الشبهة، فان النقل بذلك وإن كان في الشيعة فاشياً والتواتر به ظاهراً ومجيئوه من كل طريق معلوماً، فكلّ ذلك يمكن دفعه وادخال الشبهة فيه التي يحتاج في حلها الى ضروب من التكليف، والطريقة التي أوضحناها بعيدة من الشبهات قريبة من الافهام، وبقي أن ندل على صحة الاصلين: اما الذي يدل على وجوب الامامة في كل زمان، فهو مبني على الضرورة، ومركوز في العقول الصحيحة، فانّا نعلم علماً لا طريق للشك عليه، ولا مجال انّ وجود الرئيس المطاع المهيب مدبراً ومتصرفاً أردع عن القبيح، وادعى الى الحسن، وأنّ التهارج بين الناس والتباغي اما أن يرتفع عند وجود من هذه صفته من الرؤساء او يقل وينزر، وان الناس عند الإهمال وفقد الرؤساء وعدم الكبراء يتتابعون في القبيح وتفسد احوالهم وينحل نظامهم، وهذا اظهر واشهر من ان يدل عليه، والاشارة فيه كافية، وما يسأل عن هذا الدليل من الأسئلة في الشافي....
واما الذي يدل على وجوب عصمة الامام فهو ان علة الحاجة الى الامام هي ان يكون لطفاً للرعية في الامتناع من القبيح، وفعل الواجب على ما اعتمدناه ونبهنا عليه، فلا يخلو من ان تكون علة الحاجة اليه ثابتة فيه أو تكون مرتفعة عنه، فان كانت موجوده فيه فيجب ان يحتاج الى امام كما احتيج اليه، لانّ علة الحاجة لا يجوز ان تقتضيها في موضع دون آخر، لان ذلك ينقض كونها علة، والقول في امامة كالقول فيه في القسمة التي ذكرناها، وهذا يقتضي اما الوقوف على امام ترتفع عنه علة الحاجة او وجود أئمة لا نهاية لهم وهو محال، فلم يبق بعد هذا الا أنّ علة الحاجة اليه مفقودة فيه، ولن يكون ذلك الا وهو معصوم، ولا يجوز عليه فعل القبيح...
واذا ثبت هذان الاصلان فلابد من امامة صاحب الزمان بعينه، ثم لابد ـ مع فقد تصرفه وظهوره ـ من القول بغيبته.
فان قيل: كيف تدعون انّ ثبوت الاصلين اللذين ذكرتموهما يثبت امامة صاحبكم بعينه ويجب القول بغيبته؟ وفي الشيعة الامامية ايضاً من يدعي امامة من له الصفتان اللتان ذكرتموهما وان خالفكم في امامة صاحبكم، كالكيسانية القائلين بامامة محمد بن الحنفية... وكالناووسية القائلين بان المهدي المنتظر ابو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، ثم الواقفية القائلين بان المهدي المنتظر موسى بن جعفر عليهما السلام؟
قلنا: كل من ذكرت لا يلتفت الى قوله ولا يعبأ بخلافه لانّه دفع ضرورة وكابر مشاهدة، لان العلم بموت محمد بن الحنفية كالعلم بموت ابيه واخوته صلوات الله عليهم وكذلك العلم بوفاة الصادق... والعلم بوفاة موسى... فصارت موافقتهم في صفات الامام غير نافعة مع دفعهم الضرورة وجحدهم العيان، وليس يمكن ان يدعى ان الامامية القائلين بامامة ابن الحسن عليهما السلام قد دفعوا عياناً في ادعائهم ولادة من علم فقده وانه لم يولد، وذلك انّه لا ضرورة في نفي ولادة صاحبنا عليه السلام ولا علم بل ولا ظن صحيحاً، ونفي ولادة الاولاد من الباب الذي لا يصح أن يعلم ضرورة في موضع من المواضع، وما يمكن أحداً ان يدعي فيمن لم يظهر له ولد انه يعلم ضرورة انه لا ولد له، وانما يرجع ذلك الى الظن والامارة، وانه لو كان له ولد لظهر أمره وعرف خبره، وليس كذلك وفاة الموتى فانه من الباب الذي يصح ان يعلم ضرورة حتى يزول الريب فيه.
الا ترى ان من شاهدناه حياً متصرفاً ثم رأيناه بعد ذلك صريعاً طريحاً فقدت حركات عروقه وظهرت دلائل تغيره وانتفاخه نعلم يقيناً انه ميت، ونفي وجود الاولاد بخلاف هذا الباب، على انا لو تجاوزنا ـ في الفصل بيننا وبين من ذكر في السؤال ـ عن دفع المعلوم كلامنا واضحاً، لان جميع من ذكر من الفرق قد سقط خلافه بعدم عينه وخلو الزمان من قائل بمذهبه.
اما الكيسانية فما رأينا قط منهم احداً ولا عين لهذا القول ولا اثر وكذلك الناووسية، واما الواقفة فقد رأينا منهم نفراً شذاذاً جهالاً لا يعدّ مثلهم خلافاً، ثم انتهى الامر في زماننا هذا، وما يليه الى الفقد الكلي حتى لا يوجد هذا المذهب إن وجد الا في اثنين او ثلاثة على صفة من قلة الفطنة والغباوة يقطع بها على الخروج من التكليف فضلاً ان يجعل قولهم خلافاً يعارض به الامامية... ولا خلاف بيننا وبين مخالفينا في انّ الاجماع انما يعتبر فيه الزمان الحاضر دون الماضي الغابر.
ش
واذا بطلت امامة من اثبتت له الامامة بالاختيار والدعوة في هذا الوقت لاجل فقد الصفة التي دل العقل عليها وبطل قول من راعى هذه الصفة في غير صاحبنا لشذوذه وانقراضه، فلا مندوحة عن مذهبنا، ولابد من صحته والاّ خرج الحق عن جميع اقوال الامة.(المرتضى، المقنع: 34 ـ 41، وأيضاً الذخيرة: 502 مختصراً، ونحوه الشافي 3: 146 مختصراً، وايضاً شرح جمل العلم: 219 ـ 226، وتلخيص الشافي 4: 209 ـ 211).
المصدر:بتصرف
موسوعة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف
إعداد وتنظيم: مركز الأبحاث العقائدية