الحرية في فكر الإمام علي ( عليه السلام )
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد يختلف – منهج الإمام علي ( عليه السلام ) –عن بقية المناهج التي صاغتها عقلية الأرض المقطوعة عن نور السماء بتكامله في معالجة الواقع الإنساني في جميع أبعاده الفكري والروحي والاجتماعي والسياسي مما منح لهذا المنهج فاعليته المستمرة وقدرته على اتحاد الواقع النفسي مع الواقع الموضوعي في حياة الإنسان على نحو لا يسمح للفكرة أن تنطلق معزولة عن عمقها الروحي والإيمان كما لا يسمح لها أن تبقى في دائر العقل أو القلب . ومن الواضح أن أي أمة تحتاج إلى رؤى وبرامج خاصة تسير على ضوئها في درب الحياة , والأمة التي لا تمتلك هذه الرؤى تبقى في قوقعة الجهل وأوحال التخبط , كما ويشترط أن تكون هذه البرامج منبثقة من واقع الأمة وتاريخها حتى تتفاعل معها وتكون قادرة على استثارة طاقاتها وتفجير مواهبها وبالتالي تحريكها ودفعها إلى الأمام . وأما إذا كانت تلك البرامج مستعارة من مجتمعات أخرى تختلف في واقعها وظروفها عن الأمة إختلافاً جذرياً فيسبب هذا الاستيراد مضاعفات خطيرة وانتكاسات هائلة , فالشخص الذي يلبس نظارة لا تنسجم مع مستوى نظره يرى الأشياء معكوسة والأخطر من ذلك أن عينه تكون معرضة للخطر والعمى ونفس النتيجة ستحصل للأمة التي تستعير رؤى تتناقض مع أصالتها حيث ستكون الحياة حينئذ قلقة مشوشة وغير سليمة .
وقد قدم الاستعمار لأجيال الأمة الناشئة شتى البرامج والخرائط الحياتية من خلال الوسائل الإعلامية الضخمة ومن خلال الجامعات والمعاهد العلمية وبالأساليب المضللة الخادعة مما سبب حدوث هذا الخليط المتناقض والاتجاهات المتباينة في أوساط الأمة الإسلامية . وفي الواقع أن الأمة الإسلامية تمتلك أروع مبدأ و أضخم تراث عرفته الإنسانية في تاريخها الطويل ويأتي في مقدمة هذا التراث كتاب – نهج البلاغة – الذي ضم مجموعة رائعة من خطب ورسائل وكلمات الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ورغم أن –نهج البلاغة – حظي بكثير من الإهتمام من قبل الشراح والمؤرخين إلا أنه ما يزال في حاجة للدارسة الموضوعية التي تستخرج منها رؤى متكاملة وبرامج مفصلة تملأ هذا الفراغ الذي تعاني منه أجيالنا وتكون قادرة على توجيه الأمة ودفعها في طريق التقدم والازدهار ومن أهم أساسيات هذا النهج القويم التأكيد على مبدأ – الحرية – الذي يشكل ضمانه أصلية في تحصين الحياة وفي مواجهة كل المؤثرات الانحرافية التي تحاول تمييع الواقع الإنساني .
وقد شهد هذا العصر – عصر الحضارة – ثورة كبيرة حول التمسك بالحرية وترك ما عداها ولكنها حرية محصورة بالمدنية الكافرة التي تفضي بالقضاء على كل مبدأ إسلامي وهي حرية تجعل الإنسان ينطلق بغرائزه باحثاً عن منفعته الشخصية باسم الدين والعولمة وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وهنا ينطلق الإمام علي ( عليه السلام ) ليضع حداً لهذا الانحلال فيرسم طريق الأحرار في عالم الحقيقة جاعلاً من نهجه الرباني دستوراً حياً ينبض بالدفء الإنساني وحب الحرية العميق فيقول ( عليه السلام ) : ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً ) .
وهنا نلمح التوافق بين وثيقة حقوق الإنسان العلوية وبين وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية التي تنص في شقها الأول على أن : ( الناس يولدون ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق ) .
ونحن إذا تأملنا في عبارة الإمام علي ( عليه السلام ) وأطلقنا عنان تفكيرنا في رحاب هذا الكون نجد أن كل جوانبه تخضع لحركة جبرية , والأمام ( عليه السلام ) يشير إلى هذه النقطة في نص آخر وهو : ( ألا وأن الأرض التي تقلكم " تحملكم " والسماء التي تظلكم مطيعتان لربكم وما أصبحتا تجودان لكم ببركاتهما توجعاً لكم ولا زلفة إليكم ... ولكن أمرتا بمنافعكم فاطاعتا ) .
أما الإنسان فيختلف عن سائر أجزاء هذا الكون في أن له بعدين :
الأول الجسم المادي والآخر الروحي الإرادي وهو في بعده المادي يستوي مع سائر المخلوقات في أنه يخضع لنظام قسري ولكنه يتميز عنها ببعده الثاني لأنه لم يكن مجرد كتلة مادية بل يحتوي على ومضه من روح الله تجعله الأفضل والأسمى , والإمام ( عليه السلام ) يلتفت إلى هذه المسألة فيقول ( عليه السلام ) : ( ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت ... ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنساناً ذا أذهان يجليها وفكر يتصرف بها وجوارح يختدمها وأدوات يقبلها ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل ) .
فالإمام علي ( عليه السلام ) يعمل على إيقاظ الحرية في نفوس البشر فيرى أن قوة الوجود جعلت الناس أحراراً لهم أن يقبلوا ولهم أن ينكروا متى شاؤوا وحتى في مجال – التفكير – فيرى ( عليه السلام ) أن التفكير إنما يكون في الاختيارت المتعددة , والإرادة إنما تكون بامتلاك الحرية والقدرة على ممارسة أي اختيار وهذا ما أعطاه الله سبحانه للإنسان حيث منحه القدرة على التفكير والحركة في التصرف
والإمام ( عليه السلام ) يمكّن فكرة الحرية في نفوس الناس ويسعى في تدعيمها بكل وسيلة فيخاطبهم جميعاً وفيهم الصديق والعدو والمحب والكاره فيقول ( عليه السلام ) : ( ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ) . فالذي جعل حراً لا يمكن أن يكون في شيء من حالاته مكرهاً لأن الإكراه ينقض الحرية , فالسلطة التي كانت بيد الإمام علي ( عليه السلام ) لم تكن تجيز لنفسها نقض الأصل أي – حرية الرأي وحرية الاختيار – لأن هذه الحرية لاتكون لازمة للأنسان إلا إذا كان مولوداً حراً وعلى نفس المنهاج يرسم الإمام ( عليه السلام ) طريق الحرية للآباء قائلاً لهم : ( لا تفسروا أولادكم على أخلاقكم فانهم مولودون لزمان غير زمانكم ) .
وهنا يرسم الإمام ( عليه السلام ) مبدأ – الولادة الحرة – القائم على أساس حرية المولد لأن الأبناء إذا تخلصوا من الإكراه من جانب القوانين المفروضة فإنهم لا يتخلصون من ميولهم وعاداتهم , فالحرية لا تتقيد بشروط يضعها الآباء لأنها باعث على التقدم والتطور . ومذهب الإمام علي ( عليه السلام ) في الحرية ينبه إلى الجانب الوجداني منها تنبيها شديداً فيرى أن الإكراه إساءة إلى حياة الإنسان الداخلية تلحق الأذى في المكِر , والمكرَ فيقول ( عليه السلام ) : ( أن للقلوب شهوة وإقبالاً وإدباراً فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها فإن القلب إذا أكره عمي ) .
وفي هذا الموقف السليم يقطف الإمام ( عليه السلام ) من وجدان الناس اعترافاً أصيلاً بأنهم أحراراً في المولد والمنشأ إلا أن هذه الحرية مقيدة بمصلحة الآخرين , فقد أباح ( عليه السلام ) للتجار وأهل الصناعة حريتهم المطلقة وأوجب على الحكومة حمايتهم ورعايتهم إلا أن هؤلاء إذا احتكروا عدّهم معتدين وقيد حريتهم تحت قانون لا يسمح بتفضيل الجزء على الكل , ومن ذلك أيضاً فقد أباح ( عليه السلام ) حرية الاعتقاد والمذهب فيقول ( عليه السلام ) : ( لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لا فتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطلق التوراة فتقول صدق علي ماكذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيَّ وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيَّ وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول صدق علي ما كذب لقد أفتاكم أنزل الله فيَّ ... ) . وهذا القانون تنصه وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية القائلة ( لا يجوز تنكيد أي كان بسبب آرائه الدينية منها ما دام إبداؤها لا يخل بالنظام العام الذي يقرره القانون ) . وليس بعد هذا – النهج الرباني – غاية تقصد في معاني – الحرية – لأن فكر الإمام علي ( عليه السلام ) العميق النابض بحرارة العاطفة وسمو الغاية قد تدفق في شرايين الحياة على جميع أبعادها الفردية والجماعية وعلى صعيد الفكر والسلوك فأعطاها وعيها المطلق في سمو التكامل الإنساني وركز العمل فيها على أسس من الإيجابية في العقل والضمير .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الأبدي الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.