ظاهرة غلاء المهور ... اسباب وأثار وحلول
غلاء المهور.. ولائم الافراح والبذخ فيها.. العادات والتقاليد البالية التي تثقل كاهل الشباب وتمنعهم من الزواج والاستقرار النفسي.. جميعها مظاهر كاذبة يحرص عليها بعض الناس للظهور بمظهر الفخر والتباهي..
فإن مشكلة غلاء المهور والإسراف في حفلات الزواج قد شغلت بال الكثير من الشباب وحالت بينهم وبين الزواج المبكر وفي ذلك مخالفة لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - التي رغبت في الزواج المبكر وتيسير أسبابه، كما أن في ذلك تعريض الشباب والفتيات للخطر والفتنة والفساد لأجل ذلك فليتق الله كل مسلم في نفسه وفي أولاده وبناته وليبادر إلى تزويجهم بما تيسر فأعظم النكاح بركة أيسره مؤنة.
أسباب غلاء المهور :
يمكن إرجاع الأسباب إلى جملة من النواحي
1 - قصور عملية الارشاد الهادف إلى معالجة مشكلات المجتمع وعلى الأخص مشكلات الشباب وبالذات مشكلة الزواج وتكاليفه .
2 - قصور دور الوسائل الإعلامية في التوعية ضد هذه الظاهرة .
3 - عدم الأخذ برأي المرأة المخطوبة في بعض المجتمعات في تحديد المهر وتكاليف الزواج فعادة ما يستأثر ولي الامر برأيه .
4 -التأثر بمفاهيم الترفيه الاستهلاكية واعتبار الإسراف والمبالغة في التكاليف نوعاً من الوجاهة الاجتماعية .
الآثار السلبية لغلاء المهور :
إن الآثار السلبية لمشكلة غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج أصبحت مشكلة تؤرق المجتمع تؤثر في قواه الفاعلة وهم الشباب طاقة الأمة و مستقبلها. فقد حولت المرأة إلى سلعة تباع وتشترى في سوق الزواج .
وهذه الظاهرة لها آثار بطيئة نسبياً قد يتساهل بها المجتمع أو قد لا يعنى بحلها المقتدرون ،ولكن آثارها البطيئة تتسارع كلما أصبحت الأمور أكثر تعقيداً أمام الشباب فتتحول إلى آثار مدمرة لأخلاق الشباب ومقدراتهم تنعكس على المجتمع بشكل عام.
ولعل أبرز المشكلات والآثار السلبية لهذه الظاهرة تتلخص بما يلي:
1- تأخر الزواج بالنسبة للشباب و الشابات وتعطيل سنة الله .
2- حدوث الأمراض النفسية في صدور الشباب من الجنسين بسبب الكبت وارتطام أفكارهم بخيبة الأمل.
3- هذا الاضطراب النفسي يعمل على تعطل مواهب الشباب وإبداعاتهم وعطائهم للمجتمع.
4- عدم الاستقرار الاجتماعي الناتج من حرمان تكوين الأسرة.
5- سلوك بعض الشباب سلوكاً انحرافياً مثل السرقة أو الاختلاس أو النصب من أجل توفير المبالغ اللازمة للزواج.
6- سلوك انحرافي في إشباع الغريزة الجنسية بطرق محرمة .
7- تؤدي تكاليف الزواج المرتفعة اللجوء إلى القروض والاستدانة من الآخرين ودخولهم في مشكلات وهموم لا تنتهي بسرعة.
الحلول والمقترحات للحد من ظاهرة غلاء المهور :
1- التوعية الدينية المستمرة وعبر الوسائل الإعلامية بمختلف المنابر والمناسبات بخطورة هذه الظاهرة.
2- تشجيع الأعراف والتقاليد الاجتماعية الطيبة والأصلية التي تساعد على تيسير الزواج .
3- محاربة العادات السيئة التي تؤدي إلى زيادة تكاليف الزواج .
4- إشراك المجتمع والمنظمات غير الحكومية في وضع الحلول للتخفيف من المغالاة في المهور وتكاليف الزواج .
واعتقد من الضروري التعرف على موقف الاسلام من قيمة المهر :
لا يخفى على أحد بأنّ الإسلام يسعى لإزالة العوائق التي تحول دون نسج العلائق الشرعية بين الجنسين والتي تتمثل في الزواج.
والملاحظ أنّه يتخذ موقفاً توفيقياً بين الزوجين ، ففي الوقت الذي يجعل للمرأة المهر ، ويأمر الرجل باعطائه لها على الوجه الأكمل ، وفق قوله تعالى : «وآتوا النّساء صدُقاتهنَّ نحِلة.. »(1) ، فإنّه يحث النساء وأولياءهنّ على عدم تجاوز الحدود المعقولة للصداق ، وعلى عدم التعسف عند استيفائه.
إنَّ الغلو في المهور يشكّل عقبة اقتصادية تحول دون الإقدام على الزواج ، وعليه يمارس الإسلام حواراً إقناعياً مع النساء وأولياء أمورهن ويُرَّغبهم في تيسير المهر ، روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ من يُمن المرأة تيسير خطبتها ، وتيسير صداقها.. » (2) وروي أيضاً : « أفضل نساء أُمتي أحسنهن وجهاً ، وأقلهن مهراً » (3).
وفي مقابل أُسلوب الترغيب اتّبع الإسلام مع المتشدّدين في المهور أُسلوب التوبيخ والتنفير ، وفي هذا الصدد روي عن الإمام الصادق عليه السلام : « الشؤم في ثلاثة أشياء : في الدابة ، والمرأة ، والدار. فأمّا المرأة فشؤمها غلاء مهرها... ». وفي حديث آخر يجمع بين الاُسلوبين ، فيقول : « من بركة المرأة قلّة مؤونتها ، وتيسير ولادتها ، ومن شؤمها شدّة مؤونتها ، وتعسير ولادتها » (4).
ويذهب الإسلام أبعد من ذلك فهو يعد المرأة التي تتصدق بصداقها على زوجها بالثواب الجزيل وينظر إليها بعين الإكبار والاجلال ، فعن الإمام الصادق عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام روي : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من امرأة تصدّقت على زوجها بمهرها قبل أن يدخل بها إلاّ كتب الله لها بكلِّ دينار عتق رقبة » (5).
و من الجدير ذكره أن الإسلام قد حذّر من المعطيات السلبية النفسية فضلاً عن الاقتصادية التي تترتب على المغالات في المهور ، ولعل من أبرزها العداوة والضغينة التي قد تجد متنفساً لها في إثارة المشاكل لأهل المرأة من طرف الزوج الذي يحس بالاجحاف والتعسف ، فيُبيّنت نية السوء لالحاق الأذى بالمرأة وأهلها فيما بعد ، ومن أجل ذلك روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « تياسروا في الصداق ، فإن الرّجل ليعطي المرأة حتى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة » (6). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام : « لا تغالوا في مهور النساء فيكون عداوة » (7).
وهنا يبدو من الضرورة الاشارة إلى مهر الزهراء عليها السلام ، يقول السيد محسن العاملي : ( إنَّ الروايات مختلفة في قدر مهر الزهراء عليها السلام والصواب أنَّه كان خمسمائة درهم ، اثنتي عشرة أوقية ونصفاً ، وأوقية أربعون درهماً ؛ لأنه مهر السُنّة كما ثبت من طريق أهل البيت عليهم السلام ) (8).
والظاهر أن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم أراد من تحديده لمهر الزهراء عليها السلام بهذا المقدار ، أن يضع حداً مثالياً يمثل الحل النسبي والوسط الذي ينسجم مع العقل والمنطق لقضية الصداق ، خصوصاً إذا ما علمنا بأن اليد الغيبية كانت من وراء تحديد مهر الزهراء عليها السلام ، فعن جابر الانصاري قال : ( لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام أتاه أُناس من قريش فقالوا : إنّك زوَّجت عليّاً بمهر خسيس ، فقال : ما أنا زوّجت عليّاً ، ولكن الله زوّجه ) (9).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) سورة النساء : 4 | 4 ، وفي الآية 20 من هذه السورة المباركة ما يدل على وجوب دفع الصداق كاملاً للمرأة وان كان كبيراً ، وورد في الحديث تحذير من العواقب المترتبة على غصب مهور النساء ، منه ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام : إنَّ أقذر الذنوب ثلاثة : قتل البهيمة ، وحبس مهر المرأة ، ومنع الأجير أجره وقوله عليه السلام : من تزوج امرأة ولم ينوِ أن يوفيها صداقها فهو عند الله عزَّ وجلَّ زانٍ مكارم الأخلاق : 207 و 237.
2) كنز العمال 16 : 322 | 44721.
3) مكارم الأخلاق : 198.
4) مكارم الأخلاق : 198.
5) المصدر السابق : 237.
6) كنز العمال 16 : 324 | 44731.
7) مكارم الأخلاق : 237.
8) في رحاب أئمة أهل البيت عليهم السلام 1 : 162 ـ 163 دار التعارف ط 1400 هـ.
9) مكارم الأخلاق : 208.