إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هل الغيبة عمل بشري أم سماوي ؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هل الغيبة عمل بشري أم سماوي ؟

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم

    هل الغيبة عمل بشري أم سماوي ؟

    قد يتسائل البعض بأن الغيبة عمل بشري أم سماوي ؟ واذا كان سماويا فهذا يعني نقض لغرض من نصب الأمامة ؟

    نقول :إن الغيبة ليست مخطّطاً سماوياً, وإنما هي عمل بشري, والعمل البشري لا يكون نقضاً للغرض السماوي, فمثلاً أن الهدف من نصب الإمام علي عليه السلام للإمامة هو إقامة الدولة الإسلاميّة العادلة, هذا هو المخطّط السماوي, لكن الذي حصل على الأرض أنه بمجرد أن تولى الخلافة قام عليه الناكثون والقاسطون والمارقون من كل حدبٍ وصوب, وشنّوا عليه حروباً دامية لخمس سنوات, لم تعطِ للإمام الفرصة الكافية لتحقيق الدولة الإسلاميّة العادلة, إلى أن قتله بعض الخوارج في محرابه.

    فقتل علي عليه السلام ليس هو بمخطّط سماوي, ولكن ما صنعه البشر كان رفضاً لمخطّط السماء, وهو حرب علي عليه السلام وقتله, إذن بالنتيجة الجناية البشرية لا تعدُّ نقضاً للغرض السماوي؛ لأنه قد يكون على شيء وتكون الجناية البشرية على شيء آخر, وهذا لا يعني نقض الغرض للسماء, فالله تبارك وتعالى بعث نبيه بالرحمة ليظهر دينه على الدين كله, (هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (1), فلما جاء بنو أميّة نسخوا الدين من أصله, وجاء بنو العبّاس وواصلوا المسيرة بتشويه الدين السماوي, فما نصَّت عليه السماء شيء, وما جناه البشر شيء آخر.

    إن الله تبارك وتعالى عندما نصَّب الإمام المهدي عليه السلام إماماً بعد أبيه الحسن العسكري عليه السلام, لم يكن الغرض من نصبه أن يغيب هذه الغيبة, أي أنها ليست مخطّطاً سماوياً, بل كان مخطّطاً أن يبقى حاضراً بين الناس, ويقوم بتحقيق أهداف الإمامة وهو حاضر بين الناس, ولكن الجناية البشرية صارت على عكس مخطّط السماء, حيث هجم الظالمون عليه فاستتر خوفاً من الظالمين, ولم تقم الأمّة الإسلاميّة بنصرته والدفاع عنه, ولو أن الأمّة الإسلاميّة وقفت إلى جنبه يوم هجوم الظالمين عليه ما تغيّب الإمام, فالإمام لم يتغيب لأن الله أمره بالغيبة, فالله أمره كإمام أن يكون كسائر الأئمّة في أن يبقوا حاضرين بين الناس ويقيموا العدالة بين الناس ويوصلوا الناس إلى الهداية, (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ) (2).

    إن الغرض هو الهداية, لكن البشر رفضوا هذا المخطّط السماوي, وهجم الظالمون على الإمام, وطلب الإمام النصرة من الأمّة الإسلاميّة فلم تكن مستعدة ولا حاضرة لبذل النصرة والوقوف معه حتّى يبقى حاضراً ويقيم غرض الولاية كما ذُكِر في القرآن الكريم, فهل هذا عمل إلهي أم تقصير بشري؟ بالتأكيد هو تقصير بشري.

    إذن, نتيجة الكلام أن الغيبة ليست مخطّطاً سماوياً كي نقول بأن هذا المخطّط السماوي نقض للغرض, فغيبة الإمام تقصير بشري وجناية بشرية, فعندما ننظر إلى مسألة موسى بن عمران عليه السلام, وبني إسرائيل: (قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّ فيها قَوْماً جَبَّارينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها) (3), (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) (4), نجدهم قد رفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة, (قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسي‏ وَأَخي‏ فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقينَ * قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً يَتيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقينَ) (5).

    لذلك غاب موسى عليه السلام عنهم, فبقوا في حيرة يتيهون في الأرض أربعين سنة, فهل غيبة موسى عليه السلام عنهم مخطّط سماوي أم جناية منهم؟ إنها جناية منهم, هم الذين رفضوا الاستعداد لنصرة موسى عليه السلام, وهم الذين رفضوا الاستعداد لكي يكونوا يداً مع موسى عليه السلام, ونتيجة عدم نصرتهم وتخلّيهم عن الوظيفة غاب عنهم موسى عليه السلام, فغيبته ليست مخطّطاً سماوياً, بل كانت نتيجة جناية بشرية, ونفس الكلام بالنسبة للإمام المنتظر, فغيبة الإمام المنتظر عليه السلام نتيجة جناية بشرية وتقصير من الأمّة الإسلاميّة, وليست الغيبة مخطّطاً سماوياً ليقال: إن هذه الغيبة نقض للغرض من نصب الإمامة.

    الهامش
    (1) التوبة: 33؛ الفتح: 28؛ الصف: 9.
    (2) السجدة: 24.
    (3) المائدة: 22.
    (4) المائدة: 24.
    (5) المائدة: 25 و26.

    المصدر
    كتاب :آفاق مهدوية/ محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام
    تأليف: السيد منير الخبّاز



يعمل...
X