إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جواز القسم بغير الله -ج6 (من خلال القرآن الكريم)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جواز القسم بغير الله -ج6 (من خلال القرآن الكريم)


    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم

    جواز القسم بغير الله -ج6 (من خلال القرآن الكريم)

    (10)- القسم في سورة الفجر

    حلف سبحانه في سورة الفجر بأُمور خمسة:
    1. الفجر، 2. ليال عشر، 3. الشفع، 4. الوتر، 5. الليل إذا يسر
    وقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفعِ وَالْوَتْرِ * واللَّيلِ إِذا يَسْرِ * هَلْ في ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْر﴾. (1)

    تفسير الآيات
    اختلف المفسرون في تفسير هذه الاَقسام إلى أقوال كثيرة، غير انّ تفسير القرآن بالقرآن يدفعنا إلى أن نفسره بما ورد في سائر الآيات.

    أمّا الفجر: فهو في اللغة، كما قال الراغب: شق الشيء شقاً، قال سبحانه: ﴿وَفَجَّرنا الاََرض عُيُوناً﴾ وقال:﴿وَفجّرنا خلالها نَهْراً﴾ ومنه قيل للصبح، الفجر لكونه يفجر الليل، وقد استعمل الفجر بصورة المصدر في فجر الليل، قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس إِلى غَسَقِ اللَّيل وَقُرآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ (2)

    .، وقال سبحانه: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الاََبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاََسْوَد مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيل﴾ (3) وقال سبحانه: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾(4).

    وعلى ضوء هذا فلو كان اللام للجنس، فهو محمول على مطلق الفجر، أعني: انفجار الصبح الصادق، وإن كان مشيراً إلى فجر ليل خاص فهو يتبع القرينة، ولعلّ المراد فجر الليلة العاشرة من ذي الحجة الحرام.

    ﴿وليال عشر﴾ فقد اختلف المفسرون في تفسير الليالي العشر، فذكروا احتمالات ليس لها دليل.
    أ: الليالي العشر من أوّل ذي الحجة إلى عاشرها، والتنكير للتفخيم.
    ب: الليالي العشر من أوّل شهر محرم الحرام.
    ج: العشر الاَواخر من شهر رمضان وكلّمحتمل، ولعل الاَوّل أرجح.
    وأمّا الشفع: فهو لغة ضمّ الشيء إلى مثله،فلو قيل للزوج شفع، لاَجل انّه يضم إليه مثله، والمراد منه هو الزوج بقرينة قوله والوتر، وقد اختلفت كلمتهم فيما هو المراد من الشفع والوتر.
    1. الشفع هو يوم النفر، والوتر يوم عرفة وإنّما أقسم اللّه بهما لشرفهما.

    2. الشفع يومان بعد النحر، والوتر هو اليوم الثالث.

    3. الوتر ما كان وتراً من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعاً منها.
    إلى غير ذلك من الاَقوال التي أنهاها الرازي إلى عشرين وجهاً، ويحتمل أن يكون المراد من الوتر هو اللّه سبحانه، والشفع سائر الموجودات.

    ﴿وَاللّيل إذا يَسر﴾: أمّا الليل فمعلوم، وأمّا قوله يسر، فهو من سرى يسري فحذف الياء لاَجل توحيد فواصل الآيات، ويستعمل الفعل في السير في الليل، كما في قوله سبحانه: ﴿سُبْحانَ الّذي أَسرى بِعَبْدِهِ لَيلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرامِ إِلى الْمَسْجِدِ الاََقصى﴾ (5)،فالليل ظرف والساري غيره، ولكن الآية نسبت الفعل إلى نفس الليل فكأنّ الليل موجود حقيقي له سير نحو الاَمام فهو يسير إلى جانب النور، فاللّه سبحانه حلف بالظلام المتحرك الذي سينجلي إلى نور النهار.
    مضافاً إلى ما في الليل من عظائم البركات التي لا تقوم الحياة إلاّ بها.

    هذا ما يرجع إلى مجموع الآية ونعود إلى الآيات بشكل آخر، فنقول: امّا الفجر فقد حلف به سبحانه بصورة أُخرى أيضاً، وقال: ﴿وَالصُّبح إِذا أَسْفَرَ﴾ (6)

    وقال تبارك وتعالى: ﴿وَالصُّبح إِذا تَنَفَّس﴾(7)، والمراد من الجميع واحد، فإنّ إسفار الصبح في الآية الاَُولى هو طلوع الفجر الصادق، فكأنّ الصبح كان مستوراً بظلام الليل، فهو رفع الستار وأظهر وجهه، ولذلك استخدم كلمة أسفر يقال: أسفرت المرأة: إذا رفع حجابها.

    ويعود سبب تعاقب الليل والنهار إلى دوران الاَرض حول الشمس، فبسبب كرويّتها لا تضيىَ الشمس سائر جهاتها في آن واحد بل تضيىَ نصفها فقط ويبقى النصف الآخر مظلماً حتى يحاذي الشمس بدوران الاَرض فيأخذ حظه من الاستنارة، وتتم الاَرض هذه الدورة في أربعة وعشرين ساعة.

    كما أنّ المراد من الآية الثانية أعني: ﴿والصبح إِذا تَنَفَّس﴾ هو انتشار نوره، فعبّر عنه بالتنفّس، فكأنّه موجود حي يبث ما في نفسه إلى الخارج، أمّا عظمة الفجر فواضحة، لاَنّ الحياة رهن النور، وطلوع الفجر يثير بارقة الاَمل في القلوب حيث تقوم كافة الكائنات الحية إلى العمل وطلب الرزق.

    وأمّا الليالي العشر فهي عبارة عن الليالي التي تنزل فيها بركاته سبحانه إلى العباد، سواء فسرت بالليالي العشر الاَُولى من ذي الحجّة أو الليالي العشر من آخر شهر رمضان. فالليل من نعمه سبحانه حيث جعله سكناً ولباساً للاِنسان وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ (8) كما جعله سكناً للكائنات الحية حيث ينفضون عن أنفسهم التعب والوصب، قال سبحانه: ﴿فالِقُ الاِِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً﴾. (9)

    وأمّا الشفع والوتر، فقد جاء مبهماً وليس في القرآن ما يفسر به فينطبق على كلّ شفع ووتر، وبمعنى آخر يمكن أن يراد منه صحيفة الوجود من وتره كاللّه سبحانه وشفعه كسائر الموجودات.

    وأمّا قوله: ﴿واللَّيل إِذا يسر﴾ أقسم بالليل إذا يمضي ظلامه، فلو دام الليل دون أن ينجلي لزالت الحياة، يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ان جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْل سَرْمداً إِلى يَومِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِيَأْتِيكُمْ بِضياءٍ أَفَلا تسْمَعُون﴾. (10)

    فتبين مما سبق منزلة المقسم به في هذه الآيات وانّها تتمتع بالكرامة والعظمة. وأمّا المقسم عليه فيحتمل وجهين:
    أحدهما: انّه عبارة عن قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبّكَ لَبِالْمِرصاد﴾.(11)

    ثانيهما: انّ المقسم عليه محذوف يعلم من الآيات التي أعقبت هذه الاقسام، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِماد * التّي لَمْ يُخْلَق مِثْلُها فِي البِلاد * وَثَمُودَ الّذِينَ جابُوا الصَّخرَ بِالواد * وَفرْعَونَ ذِي الاََوتاد * الَّذينَ طَغَوْا فِي البِلاد * فَأَكْثَروا فِيهَا الفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوطَ عَذابٍ * إِنَّ رَبّكَ لَبِالْمِرصاد﴾. (12)

    فالمفهوم من هذه الآيات انّه سبحانه حلف بهذه الاَقسام بغية الاِيعاد بأنّه يعذب الكافرين والطاغين والعصاة كما عذب قوم عاد وثمود، فالاِنسان العاقل يعتبر بما جرى على الاَُمم الغابرة من إهلاك وتدمير.

    أمّا وجه الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فهو: انّ من كان ذا لبٍّ، علم أنّ ما أقسم اللّه به من هذه الاَشياء فيه دلائل على قدرته وحكمته، فهو قادر على أن يكون بالمرصاد لاَعمال عباده فلا يعزب عنه أحد ولا يفوته شيء من أعمالهم لاَنّه يسمع ويرى جميع أقوالهم وأفعالهم خصوصاً بالنظر إلى ما أدَّب به قوم عاد وثمود مع ما كان لهم من القوة والمنعة.

    الهامش
    1- الفجر:1ـ 5.
    2- الاِسراء:78.
    3- البقرة:187.
    4- القدر:5.
    5- الاِسراء:1.
    6- المدثر:34.
    7- التكوير:18.
    8- النبأ:10.
    9- الاَنعام:96.
    10- القصص:71.
    11- الفجر:14.
    12- الفجر:6ـ14.

    ************************************************** **********

    (11)- القسم في سورة الليل

    حلف سبحانه في سورة الليل بأُمور ثلاثة: (اللَّيل إِذا يَغْشى)، (النَّهار إِذا تَجَلّى) و( ما خلق الذكر والاَُنثى).
    وقال سبحانه: (وَاللَّيل إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى * وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالاَُنثى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشتّى). (1)

    تفسير الآيات
    1. (وَاللَّيل إِذا يَغْشى) أقسم بالليل إذا يغشى النهار، أو يغشى الاَرض، ويدل على الاَوّل، قوله: (يُغشِي اللَّيلَ النَّهار)(2) بمعنى يأتي بأحدهما بعد الآخر، فيجعل ظلمة الليل بمنزلة الغشاوة للنهار ويحتمل المعنى الثاني، كما في قوله في سورة الشمسوَاللَّيل إِذا يَغْشاها).

    2. ( وَالنَّهار إِذا تَجَلّى) عطف على الليل، والتجلّـي ظهور الشيء بعد خفائه، وقد جاء الفعل في الآية الاَُولى بصيغة المضارع وفي الآية الثانية بصورة الماضي وفقاً لسورة الشمس كما مرّ.

    3. (وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالاَُنثى) و"ما"موصولة كناية عن الخالق البارىَ للذكر والاَُنثى، سواء أكان من جنس الاِنسان أو من جنس الحيوان، وتطبيقه في بعض التفاسير على أبينا آدم وزوجه حوّاء من باب التمثيل لا التخصيص.

    وأمّا جواب القسم: هو قوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى)، وشتى جمع شتيت، كمرضى جمع مريض، و المراد تشتت السعي، فانّ سعي الاِنسان لمختلف وليس منصبَّاً على اتجاه واحد، فمن ساع للدنيا ومن ساع للعقبى، ومن ساع للصلاح والفلاح، ومن ساع للهلاك والفساد.

    ثمّ إنّه سبحانه صنّف المساعي إلى قسمين،وقال في الآيات التالية بأنّ الناس على صنفين: فصنف يصبُّ سعيه في طريق العطاء والتقى والتصديق بالحسنى، فيُيسّـر لليسري، وصنف آخر يصبُّ سعيه على ضدّما ذكر فيبخل ويستغني بما لديه، ويكذب بالحسنى، فيُيسر للعسرى.

    قال: (فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسرى * وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى).(3)

    والصلة بين المقسم به والمقسم عليه: واضحة، وهي أنّه سبحانه أقسم بالمتفرقات خلقاً وأثراً على المساعي المتفرقة في أنفسها وآثارها، فأين التقوى والتصديق من البخل والتكذيب؟

    الهامش
    1- الليل:1ـ 4.
    2- الاَعراف:54.
    3- الليل: 5 ـ 10.

    ************************************************** **********

    (12)- القسم في سورة البلد

    حلف سبحانه في سورة البلد بأُمور أربعة: البلد، و من حلّ فيه، ووالد، وما ولد، وقد حلف بالثاني كناية وبما سواه تصريحاً، قال سبحانه:﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا البَلَدِ * وَوالِدٍ وَما وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسان في كَبَد﴾.(1)

    تفسير الآيات
    حلف فيها سبحانه بمكة المكرمة كما حلف بالنبي "صلى الله عليه وآله وسلم" الحالِّ فيها، ومقتضى التناسب بين الاَقسام أن يكون المراد من الوالد والولد، هو إبراهيم وإسماعيل اللذان بنيا البيت، ودعا إبراهيم كلّ راكب وراحل إلى زيارته.

    أمّا الحلف الاَوّل فواضح، لاَنّ البيت مركز للتوحيد ولعبادة اللّه سبحانه، وهو مطاف أنبياء اللّه العظام وأوليائه، فقد بلغ من المكانة مرتبة صلح أن يحلف به سبحانه، كيف وقد قال سبحانه في حق البيت: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ لَلَّذي بِبَكَةَ مُباركاً وهُدًى لِلْعالَمين﴾.(2)

    قال سبحانه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْت مثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً﴾(3) وقال: ﴿جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَة الْبَيْتَ الحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ﴾ (4) فلو حلف بالبلد، فإنّما لاَجل احتضانه أشرف بيوت اللّه، ويزيد على شرفه انّ النبي الخاتم، قطين هذا البلد، ونزيله، فزاده شرفاً على شرف،والحل هو الساكن.
    وبذلك يعلم أنّ ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا النحو هو في الواقع حلف ضمنيّ به.

    وهذا التفسير مبني على أنّ المراد من الحلِّ هو نزول النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بهذا البلد، ولكن ربما يفسر بالمستحلّ، أي من استحلت حرمته وهتكت كرامته، وعند ذلك ينقلب معنى الآية إلى شيء آخر، ويكون معناها هو: لا أُقسم بهذا البلد المقدّس حال انّك مهتوك الحرمة والكرامة، ويكون توبيخاً وتقريعاً لكفّار قريش حيث إنّهم يحترمون البلد، ولا يحترمون من حلَّ فيه أشرف الخليقة.

    وعلى ذلك فيكون "لا" في ﴿لا أُقسمُ﴾ بمعنى النفي لا الزيادة، ولا بمعنى نفي شيء آخر على ما قدمناه في تفسير سورة الواقعة.

    يقول الزمخشري: أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أنّ الاِنسان خلق مغموراً في مكابدة المشاق والشدائد، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذا الْبَلَد﴾ يعني: ومن المكابدة أنّمثلك على عظم حرمتك يُستحل بهذا البلد الحرام، كما يُستحلّ الصيد في غير الحرم، عن شرحبيل يحرّمون أن يقتلوا بها صيداً ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة وتعجيب من حالهم في عداوته.(5)

    وقال الطبرسي: معناه لا أقسم بهذا البلد وأنت حلّفيه منتهك الحرمة مستباح العرض لا تحترم، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك، قال وهو المروي عن أبي مسلم كما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمداً فيه، فقال: لا أُقسم بهذا البلد وأنت حلّ بهذا البلد يريد انّهم استحلوك فكذبوك وشتموك، وكان لا يأخذ الرجل منهم قاتل أبيه فيه ويتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليده إيّاه فاستحلوا من رسول اللّه مالم يستحلوا من غيره فعاب اللّه ذلك عليهم. (6)

    ثمّ حلف بوالد وما ولد وللمفسرين في تفسيره أقوال أوضحها بأنّ الوالد هو إبراهيم الخليل والولد إسماعيل الذبيح وهذا يتناسب مع القسم بمكة، لاَنّ الوالد والولد هما رفعا قواعد البيت.

    وأمّا تفسيرها بآدم وذريته، أو آدم والاَنبياء، أو آدم وكلّ من ولد عبر القرون تفسير بعيد.
    هذا كلّه حول القسم، وأمّا المقسم عليه، فقوله سبحانه: ﴿لَقَدْخَلَقْنَا الاِِنْسانَ في كَبَد﴾.(7)

    والكبد في اللغة شدّة الاَمر ومنه تكبد البلد إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد للاِنسان،لاَنّه دم يغلظ ويشتد، وتكبّد البلد: إذا صار كالكبد، ومعنى الآية واضح، فانّ الاِنسان منذ خلق إلى أن أدرج في أكفانه لم يزل يكابد أمراً فأمراً، فمن حمله وولادته ورضاعه وفطامه وشبابه وكماله وهرمه كلّ ذلك محفوف بالتعب والوصب، يقول الشاعر:

    يا خاطب الدنيا الدَّنيـّ * ـة إنّها شَـرَكُ الرَّدى
    دارٌ متى ما أضحكت * في يومها أبكت غدا
    وإذا أظلَّ سحابها * لم ينتقع منه صدى
    غاراتُها ما تنقضى * وأسيرها لا يُفتدى(8)

    ويرثي التهامي ولده في قصيدة معروفة مبتدئاً بوصف الدنيا، ويقول:

    حكم المنية في البرية جار * ما هذه الدنيا بدار قرار
    بينا يُرى الاِنسان فيها مخبراً * حتى يرى خبراً من الاخبار
    طُبعتْ على كدر وأنت تريدها * صفوا من الاقدار والاكدار
    ومكلِّف الاَيام ضدَّ طباعها * متطلب في الماء جذوةَ نار
    وإذا رجوت المستحيل فإنّما * تبني الرجاء على شفير هار
    فالعيش نوم والمنية يقظة * والمرء بينهما خيال سار(9)


    رحم اللّه شيخنا الوالد آية اللّه الشيخ محمد حسين السبحاني (1299ـ1392هـ) فقد كان في أواخر أيام عمره طريح الفراش فزارته ابنته "فاطمة" وكنت أرافقها فسألناه عن حاله فأنشدَ بيتاً من لامية العجم للطغرائي وقال:

    ترجو البقاء بدار لا ثبـات لها * فهل سمعت بظل غير منتقل

    أمّا الكلام حول الدنيا ومصاعبها وما احتضنت من التعب والوصب، فيكفي في ذلك قراءة خطب الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام)، ننقل منها هذه الشذرات:
    "أمّا بعد، فإنّي أُحذركم الدنيا، فإنّها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وتحبّبت بالعاجلة. وراقت بالقليل، وتحلّت بالآمال، وتزيّنت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا توَمن فجعتها، غرّارة ضرّارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة، أكّالة غوّالة، لا تعدو -إذا تناهت إلى أُمنية أهل الرغبة فيها والرضاء(الرضى) بها- أن تكون كما قال اللّه تعالى سبحانه: ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْض فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذروهُ الرياح وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقتدراً﴾ (10) لم يكن امروٌَ ومنها في حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق في سرّائها بطناً، إلاّ منحته من ضرّائها ظهراً.
    (11) ُاًوقال (عليه السلام) في خطبة أُخرى:
    "ألا وإنّ الدنيا قد تصرَّمت، وآذنت بانقضاء، وتنكَّر معروفها، وأدبرت حذّاء، فهي تحفز بالفناء سكّانها(ساكنيها)، وتحدو بالموت جيرانها، وقد أمرّ فيها ما كان حلواً، وكدر منها ما كان صفواً، فلم يبق (تبق) منها إلاّسملة كسملة الاِداوة أو جرعة كجرعة المقلة، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع. فأزمعوا عباد اللّه الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزّوال، ولا يغلبنّكم فيها الاَمل، ولا يطولنّ عليكم فيها الاَمد". (12)

    يقول العلاّمة الطباطبائي: فليس يقصد نعمة من نعم الدنيا إلاّ خالصة في طيبها، محضة في هنائها، ولا ينال شيئاً منها إلاّ مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة، مضافاً إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق الحدثان. (13)

    وربّما ينظر الاِنسان إلى من هو فوقه لا سيما الذين يتمتعون بالغنى والرفاه، فيخطر على باله أنّ حياة هوَلاء غيرمشوبة بالكد والتعب، ولكنّ هذا التصوّر غير صائب إذ أنّ تعبهم وكدَّهم أكثر بمراتب من الذين هم دونهم.

    وأمّا الصلة بين المقسم به ﴿والد وما ولد﴾ والمقسم عليه ﴿لقد خلقنا الاِنسان في كبد﴾، واضحة، إذ لم تزل حياة إبراهيم وولده مقرونة بالتعب والوصب، إذ ولد وقد أمضى صباه في الغاب خوفاً من بطش الجهاز الحاكم، وبعد ما خرج منها وله من العمر 13 سنة أخذ يكافح الوثنيين وعبّاد الاَجرام السماوية، إلى ان حكم عليه بالرمي في النار والاِحراق، فنجّاه اللّه سبحانه، فلم يجد بداً من مغادرة الوطن والهجرة إلى فلسطين ولم يزل بها حتى أُمر بإيداع زوجه وابنه في بيداء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع، يحكي سبحانه تلك الحالة عن لسان إبراهيم (عليه السلام) ويقول: ﴿رَبَّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍغَيْر ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْأَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. (14).

    الهامش
    1-البلد:1ـ 4.
    2-آل عمران:96.
    3-البقرة:125.
    4-المائدة:97.
    5-الكشاف:3|338.
    6-مجمع البيان:5|493.
    7-البلد:4.
    8-مقامات الحريري:225، المقامة الثالثة والعشرون الشعرية.
    9-شهداء الفضيلة: 26.
    10-الكهف:45.
    11-نهج البلاغة، الخطبة: 111.
    12-نهج البلاغة، الخطبة: 52.
    13-الميزان:20|291.
    14-إبراهيم:37.

    المصدر:
    كتاب الأقسام في القرآن الكريم
    لسماحة العلامة الشيخ جعفر السبحاني
    من موقع هدى القرآن
يعمل...
X