بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
جواز القسم بغير الله -ج5 (من خلال القرآن الكريم)
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
جواز القسم بغير الله -ج5 (من خلال القرآن الكريم)
(6)- القسم بمواقع النجوم
حلف سبحانه وتعالى في سورة الواقعة بمواقع النجوم، وقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُوم *وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم *إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيم * فِي كِتابٍ مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إِلاّ المُطَهَّرُون﴾.(1)
تفسير الآيات
المراد من مواقع النجوم مساقطها حيث تغيب.
قال الراغب: الوقوع ثبوت الشيء وسقوطه، يقال: وقع الطائر وقوعاً، وعلى ذلك يراد منه مطالعها ومغاربها، يقال: مواقع الغيث أي مساقطه.(2)
ويدل على أنّ المراد هو مطالع النجوم ومغاربها أنّ اللّه سبحانه يقسم بالنجوم وطلوعها وجريها وغروبها، إذ فيها وفي حالاتها الثلاث آية وعبرة ودلالة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الجَوارِ الكُنَّس﴾ (3) وقال: ﴿وَالنَّجْم إِذا هَوى﴾ وقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب﴾ ويرجح هذا القول أيضاً، انّ النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب، كقوله تعالى: ﴿وَإدْبار النُّجوم﴾(4)صخ، وقوله: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمرُ وَالنُّجُوم(5)).
وأمّا المقسم عليه: فهو قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَريم * في كِتابٍ مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَّهَرُون﴾ وصف القرآن بصفات أربع:
أ: (لقرآن كريم)، والكريم هو البهي الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كلّشيء أحسنه وأفضله، فاللّه سبحانه كريم، وفعله أعني القرآن مثله.
وقال الاَزهري: الكريم اسم جامع لما يحمد، فاللّه كريم يحمد فعاله، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة.
ب: (في كتاب مكنون) ولعل المراد منه هو اللوح المحفوظ، بشهادة قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجيد * في لَوحٍ مَحْفُوظ﴾.(6) ويحتمل أن يكون المراد الكتاب الذي بأيدي الملائكة، قال سبحانه: ﴿في صُحُفٍ مُكَرَّمَة * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرة * بِأَيدِي سَفَرَة * كِرامٍ بَررَة﴾.(7)
ج:﴿لا يَمَسُّه إِلاّ المُطهّرون﴾ فلو رجع الضمير إلى قوله:﴿لقرآن كريم﴾، كما هو المتبادر، لاَنّ الآيات بصدد وصفه وبيان منزلته فلا يمس المصحف إلاّ طاهر، فيكون الاِخبار بمعنى الاِنشاء، كما في قوله سبحانه: ﴿وَالمُطلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾.(8)
ولو قيل برجوع الضمير إلى (كتاب مكنون) فيكون المعنى لا يمس الكتاب المكنون إلاّ المطهرون، وربما يوَيد هذا الوجه بأنّ الآية سيقت تنزيهاً للقرآن من أن ينزل به الشياطين، وانّ محله لا يصل إليه، فلا يمسه إلاّ المطهرون، فيستحيل على أخابث خلق اللّه وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسّوه، قال تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطين * وَما يَنْبَغي لَهُمْ وَما يَسْتَطيعُون﴾.(9)
د: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمين﴾ وهذا هو الذي يركز عليه القرآن في مواقف مختلفة، وانّه كتاب اللّه وليس من صنع البشر.
وأمّا الصلة بين القسم والمقسم به: فهو واضح، فلاَنّ النجوم بمواقعها أي طلوعها وغروبها يهتدي بها البشر في ظلمات البر والبحر، والقرآن الكريم كذلك يهتدي به الاِنسان في ظلمات الجهل والغي، فالنجوم مصابيح حسّية في عالم المادة كما أنّ آيات القرآن مصابيح معنوية في عالم المجردات.
إكمال إنّه سبحانه قال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُوم﴾ فالمراد منه القسم بلا شك، بشهادة انّه قال بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم﴾ فلو كان معنى الآية هو نفي القسم فلا يناسب ما بعده حيث يصفه بأنّه حلف عظيم، وقد اختلف المفسرون في هذه الآيات ونظائرها، إلى أقوال:
1. "لا" زائدة، مثلها قوله سبحانه: ﴿لئلاّ يَعْلَم﴾.
2. أصلها لاَقسم بلام التأكيد، فلمّا أشبعت فتحتها صارت "لا " كما في الوقف.
3. لا نافية بمعنى نفي المعنى الموجود في ذهن المخاطب، ثمّ الابتداء بالقسم، كما نقول: لا واللّه لا صحة لقول الكفار، أقسم عليه.
ثمّ إنّه سبحانه يصف هذا القسم بكونه عظيماً، كما في قوله ﴿و انّه لقسم لو تعلمون عظيم﴾، فقوله: ﴿عظيم﴾ وصف ﴿القسم﴾ أُخر لحفظ فواصل الآيات.
وهذا القسم هو القسم الوحيد الذي وصفه سبحانه بأنّه عظيم، فالحديث هنا هو حديث على الاَبعاد، أبعاد النجوم عنّا، و عن بعضها البعض، في مجرّتنا، وفي كل المجرّات، ولاَنّها كلّها تتحرك، فانّ الحديث عن مواقعها يصير أيضاً حديثاً على مداراتها، وحركاتها الاَُخرى العديدة، وسرعاتها، وعلى علاقاتها بالنجوم الاَُخرى، وعلى القوى العظيمة والحسابات المعقدة، التي وضعت كلّ نجم في موقعه الخاص به وحفظته، في علاقات متوازنة، دقيقة، محكمة، فهي لا يعتريها الاضطراب، ولا تتغير سننها وقوانينها، وهي لا تسير خبط عشواء أو في مسارات متقاطعة أو متعارضة بل هي تسير كلّها بتساوق وتناغم وانسجام وانتظام تامّين دائمين، آيات على قدرة القادر سبحانه. (10)
يقول الفلكيون: إنّ من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن روَيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلاّ بالمجاهر والاَجهزة، وما يمكن أن تحس به الاَجهزة دون أن تراه، هذه كلّها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أيّ احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم كوكب بآخر إلاّ كما يحتمل تصادم مركب في البحر الاَبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعيد وبعيداً جداً، إن لم يكن مستحيلاً. (11).
الهامش
1- الواقعة:75ـ 79.
2- مفردات الراغب:530، مادة وقع.
3- التكوير:15ـ 16.
4- الطور:49.
5- الحج:18.
6- البروج: 21 ـ 22.
7- عبس: 13 ـ 16.
8- البقرة:228.
9- الشعراء:210ـ211.
10- أسرار الكون في القرآن:192.
11- اللّه والعلم الحديث:24.
************************************************** *******************************************
(7)- القسم بالنجموردت كلمة النجم في القرآن الكريم أربع مرّات في أربع سور،(1) وحلف به مرة واحدة، وقال: ﴿وَالنَّجمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهوى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾(2) هي من السور المكية.
تفسير الآيات
النجم في اللغة: الكوكب الطالع، وجمعه نجوم، فالنجوم مرّة اسم كالقلوب والجيوب، ومرّة مصدر كالطلوع والغروب.
وأمّا "هوى" في قوله: ﴿إِذا هَوى﴾ فيطلق تارة على ميل النفس إلى الشهوة، وأُخرى على السقوط من علو إلى سفل.
ولكن تفسيره بسقوط النجم وغروبه، لا يساعده اللفظ، وإنّما المراد هو ميله، وسيوافيك وجه الحلف بالنجم إذا هوى أي إذا مالَ.
ثمّ إنّ المراد من النجم أحد الاَمرين:
أ: أمّا مطلق النجم، فيشمل كافة النجوم التي هي من آيات عظمة اللّه سبحانه ولها أسرار ورموز يعجز الذهن البشري عن الاِحاطة بها.
ب: المراد هو نجم الشعرى الذي جاء في نفس السورة، قال سبحانه: ﴿وَانَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعرى﴾.(3)
ونظيره القول بأنّالمراد هو الثريا، وهي مجموعة من سبعة نجوم، ستة منها واضحة وواحد خافت النور، وبه يختبر قوة البصر.
وربما فسر بالقرآن الذي نزل على قلب رسول اللّه "صلى الله عليه وآله وسلم" طيلة 23 سنة لنزوله نجوماً.(4) لكن لفظ الآية لا يساعد على هذا المعنى.
فاللّه سبحانه إمّا أن يحلف بعامة النجوم أو بنجم خاص يهتدي به السائر، ويدل على ذلك أنّه قيد القسم بوقت هويه، ولعل الوجه هو أنّالنجم إذا كان في وسط السماء يكون بعيداً عن الاَرض لا يهتدي به الساري، لاَنّه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال، فإذا زال، تبيّن بزواله جانب المغرب من المشرق.(5)
وأمّا المقسم عليه: فهو قوله سبحانه: ﴿ما ضَلَّ صاحِبكُمْ وَما غوى *وما ينطق عن الهَوى *إِنْ هُوَ إِلاّوَحيٌ يُوحى﴾.
جمع سبحانه هناك بين الضلال والغي فنفاهما عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم"، والقرآن يستعمل الضلالة في مقابل الهدى، يقول سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾(6)
كما يستعمل الغي في مقابل الرشد، يقول سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوا سَبيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخذوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوا سَبيلَ الغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبيلاً﴾.(7)
والمهم بيان الفرق بين الضلالة والغواية، فنقول:
ذكر الرازي أنّ الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له طريق مستقيم إلى المقصد، يدلّك على هذا انّك تقول للموَمن الذي ليس على طريق السداد، انّه سفيه غير رشيد، ولا تقول إنّه ضال. والضال كالكافر والغاوي كالفاسق.(8)
وإلى ذلك يرجع ما يقول الراغب: الغيّ جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أنّ الجهل قد يكون من كون الاِنسان غير معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً، وقد يكون من اعتقاد شيء، وهذا النحو الثاني، يقال له: غيّ.(9)
وعلى هذا فالآية بصدد بيان نفي الضلالة والغي عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" وردّ كلّ نوع من أنواع الانحراف والجهل والضلال والخطأ عنه "صلى الله عليه وآله وسلم" ليردّ به التهم الموجهة إليه من جانب أعدائه.
وأمّا بيان الصلة بين المقسم به والمقسم عليه فواضح، لما ذكرنا من أنّ النجم عند الهوي والميل يهتدي به الساري كما أنّ النبييهتدي به الناس، أي بقوله وفعله وتقريره.
فكما أنّه لا خطأ في هداية النجم لاَنّها هداية تكوينية، وهكذا لا خطأ في هداية الوحي الموحى إليه، ولذلك قال:﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾.
الهامش
1- وهي:النحل:16، النجم:1، الرحمن:6، الطارق:3.
2- النجم:1-4.
3- النجم:49.
4- انظر الميزان:19|27؛ مجمع البيان:5|172.
5- تفسير الفخر الرازي:28|279.
6- المائدة:105.
7- الاَعراف:146.
8- تفسير الفخر الرازي: 28|280.
9- مفردات الراغب: 369.
************************************************** ************************************************** *
(8)- القسم في سورة النازعات
حلف سبحانه بأوصاف الملائكة خمس مرات، وقال:
﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾.
﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾.
﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾.
﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾.
﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرِّاجِفَةُ * تَتْبَعُها الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَومَئذٍ واجِفَةٌ * أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾. (1)
حلف سبحانه في هذه السورة بطوائف وصفها بـ: النازعات، الناشطات، السابحات، السابقات، المدبرات.
النازعات من النزع، يقال: نزع الشيء جذبه من مقره، كنزع القوس عن كنانته.
والناشطات من النشط وهو النزع أيضاً، ومنه حديث أُمّ سلمة فجاء عمار وكان أخاها من الرضاعة ونشط زينب من حجرها، أي نزعها؛ ونشط الوحش من بلد إلى بلد إذا خرج.
والسابحات من السبح السريع في الماء وفي الهواء، ويقال: سبح سبحاً وسباحة، واستعير لمرّ النجوم في الفلك ولجري الفرس.
والسابقات من السبق والمدبرات من التدبير.
وأمّا الغرق اسم أُقيم مقام المصدر، وهو الاِغراق، يقال: غرق في النزع إذا استوفى في حدّ القوس وبالغ فيه.
هذه هي معاني الاَلفاظ، وأمّا مصاديقها فيحتمل أن تكون هي الملائكة، فهي على طوائف بين نازع وناشط وسابح وسابق ومدبر، قال الزمخشري: أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الاَرواح من الاَجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي تخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمراً من أُمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم.(2)
والمقسم عليه محذوف وهو لتبعثنّ يدل عليه ما بعده من ذكر القيامة.
ولا يخفى انّالطائفة الثانية على هذا التفسير نفس الطائفة الاَُولى، فالملائكة الذين ينزعون الاَرواح من الاَجساد هم الذين ينشطون الاَرواح ويخرجونها، ولكن يمكن التفريق بينهما، بأنّ الطائفة الاَُولى هم الموكّلون على نزع أرواح الكفار من أجسادهم بقسوة وشدة بقرينة قوله غرقاً، وقد عرفت معناه، وأمّا الناشطات هم الموكلون بنزع أرواح الموَمنين برفق وسهولة.
والسابحات هم الملائكة التي تقبض الاَرواح فتسرع بروح الموَمن إلى الجنة، وبروح الكافر إلى النار، والسبح الاِسراع في الحركة، كما يقال: للفرس سابح إذا أسرع في جريه.
والسابقات وهم ملائكة الموت تسبق بروح الموَمن إلى الجنة وبروح الكافر إلى النار.
فالمدبرات أمراً المراد مطلق الملائكة المدبرين للاَُمور، ويمكن أن يكون قسم من الملائكة لكلّ وظيفة يقوم بها، فعزرائيل موكل بقبض الاَرواح وغيره موكل بشيء من التدبير.
ثمّ إنّ الاَشد، انطباقاً على الملائكة، هو قوله: ﴿فالمدبرات أمراً﴾، وهو قرينة على أنّ المراد من الاَخيرين هم الملائكة، وبذلك يعلم أنّ سائر الاحتمالات التي تعجّ بها التفاسير لا يلائم السياق، فحفظ وحدة السياق يدفعنا إلى القول بأنّهم الملائكة.
وبذلك يتضح ضعف التفسير التالي:
المراد بالنازعات الملائكة القابضين لاَرواح الكفّار، وبالناشطات الوحش، وبالسابحات السفن، وبالسابقات المنايا تسبق الآمال، وبالمدبرات الاَفلاك، ولا يخفى انّه لا صلة بين هذه المعاني وما وقع جواباً للقسم وما جاء بعده من الآيات التي تذكر يوم البعث وتحتج على وقوعه.
والآيات شديدة الشبه سياقاً بما مرّ في مفتتح سورة الصافات والمرسلات، والظاهر انّ المراد بالجميع هم الملائكة.
يقول العلاّمة الطباطبائي: وإذ كان قوله: ﴿فالمدبرات أمراً﴾ مفتتحاً بفاء التفريع الدالة على تفرع صفة التدبير على صفة السبق، وكذا قوله: ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ مقروناً بفاء التفريع الدالة على تفرع السبق على السبح، دلّ ذلك على مجانسة المعاني المرادة بالآيات الثلاث: ﴿وَالسّابِحاتِ سَبحاً * فَالسّابِقاتِ سَبْقاً * فَالمُدبِّراتِ أَمْراً﴾ فمدلولها أنّهم يدبرون الاَمر بعدما سبقوا إليه ويسبقون إليه بعد ما سبحوا أي أسرعوا إليه عند النزول، فالمراد بالسابحات والسابقات هم المدبرات من الملائكة باعتبار نزولهم إلى ما أمروا بتدبيره. (3)
تدبير الملائكة
إنّ القرآن الكريم يعرّف اللّه سبحانه هو المدبر والتوحيد في التدبير من مراتبه فله الخلق والتدبير، ولكن هذا لا ينافي أن يكون بينه سبحانه وبين عالم الخلق وسائط في التدبير يدبرون الاَُمور بإرادته ومشيئته، ويوَدّون علل الحوادث وأسبابها في عالم الشهود، والآيات الواردة حول تدبير الملائكة كثيرة تدل على أنّهم يقومون بقبض الاَرواح وإجراء السوَال، وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم بذلك ووضع الموازين والحساب والسوق إلى الجنّة والنار.
كما أنّهم وسائط في عالم التشريع حيث ينزلون مع الوحي ويدفعون الشياطين عن المداخلة فيه وتسديد النبي وتأييد الموَمنين.
وبالجملة هم ﴿عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون﴾ (4)
فاللّه سبحانه يجري سننه ومشيئته بأيديهم، فيقبض الاَرواح بواسطتهم، وينزل الوحي بتوسيطهم،وليس لواحد منهم في عملهم أي استقلال واستبداد، وفي الحقيقة جنوده سبحانه يقتفون أمره. (5)
قال أمير الموَمنين (عليه السلام) في حقّ الملائكة: فمنهم سجود لا يركعون،وركوع لا ينتصبون، وصافُّون لا يتزايلون، ومسبِّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نومُ العين، ولا سهو العقول، ولا فترة الاَبدان، ولا غفلة النِّسيان، ومنهم أُمناءُ على وحيه، وألسنة إلى رُسُله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظةُلعباده والسَّدنَة لاَبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الاَرضين السُّفلى أقدامُهُم، والمارقةُ من السماء العليا أعناقُهُم، والخارجة من الاَقطار أركانُهم، والمناسبة لقوائم العرش اكتافهم. ناكسة دونه أبصارهم، متلفِّعون تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم و بين من دونهم حُجُب العزَّة وأستار القدرة، لا يتوهَّمون ربَّهم بالتَّصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدُّونه بالاَماكن، ولا يُشيرون إليه بالنَّظائر.(6)
وقد عرفت أنّ المقسم عليه هو كتبعثن، وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، هو ما قدمناه في الفصل السابق وهي انّ الملائكة هم وسائط التدبير وخلق العالم وتدبيره لم يكن سدى ولا عبثاً بل لغاية خاصة وهو عبارة عن بعث الناس ومحاسبتهم وجزائهم بما عملوا.
الهامش
1- النازعات:1 ـ 9.
2- الكشاف:3|308.
3- الميزان:20|181.
4- الاَنبياء:26 ـ 27.
5- الميزان:20|188، نقل بتلخيص.
6- نهج البلاغة:19 ـ 20،الخطبة الاَُولى.
************************************************** *************************************************
(9)- القسم في سورة البروج
حلف سبحانه في سورة البروج بأُمور أربعة:
أ: ﴿السَّماءُ ذات البُرُوج﴾: المنازل.
ب: ﴿اليَوم المَوعُود﴾: القيامة.
ج: شاهد
د: مشهود.
قال سبحانه: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ *وَاليَومِ المَوعُودِ *وشاهدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصحاب ُالاَُخدُودِ * النارِ ذاتِ الوَقُودِ *إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ *وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمْوَمِنينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُوَْمِنُوا بِاللّهِ العَزيزِ الحَمِيد﴾.(1)
فأقسم سبحانه بالعالم العلوي وهو السماء وما فيها من المنازل التي هي أعظم الاَمكنة وأوسعها ثمّ أقسم بأعظم الاَيّام وأجلّها الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه، ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدل.
ثم أقسم بكلّ شاهد ومشهود -إذا كان اللام للجنس- فيكون المراد كلّ مدرِك ومدرَك وراع ومرعي، والمصداق البارز له هو النبي الذي سمّي شاهداً كما سيوافيك، كما أنّ المصداق البارز للمشهود هو يوم القيامة، فلنرجع إلى تفسير الآيات.
تفسير الآيات
أمّا السماء: فكلّ شيء علاك فهو سماء، قال الشاعر في وصف فرسه:
وأحمر كالديباج أمّا سمـاوَه * فريّاً وأمّا أرضـه فمحـول
وقال بعضهم كلّ سماء بالاِضافة إلى ما دونها فسماء، وبالاِضافة إلى ما فوقها فأرض وسمي المطر سماءً لخروجه منها.
وأمّا البروج واحدها برج ويطلق على الاَمر الظاهر وغلب استعماله في القصر العالي لظهوره على الناظرين، ويسمّى البناء المعمول على سور البلد للدفاع برجاً، والمراد هنا مواضع الكواكب من السماء.
وربما يفسر بالمنازل الاثنى عشر للقمر، لاَنّ القمر يصير في كلّبرج يومين وثلث يوم، وذلك ثمانية وعشرون يوماً، ثمّ يستتر ليلتين ثمّ يظهر.
وربما يفسر بمنازل الشمس في الشمال والجنوب، ولكن الاَولى ما ذكرناه منازل النجوم على وجه الإطلاق.
واليوم الموعود عطف على السماء وهو يوم القيامة الذي وعد اللّه سبحانه أن يجمع فيه الناس ويوم الفصل والجزاء الذي وعد اللّه به على ألسنة رسله وفيه يتفرد ربّنا بالملك والحكم.
وقد وعد اللّه سبحانه به في القرآن الكريم غير مرّة وقال:
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين﴾.(2)
وقال: ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلكِنّ أَكْثَرهُمْ لا يََعْلَمُون﴾.(3)
وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقّ﴾.(4)
إلى غير ذلك من الآيات التي سمّى اللّه سبحانه فيها ذلك اليوم بوعد اللّه.
وشاهد ومشهود، اللفظان معطوفان على السماء والجميع قسم بعد قسم، وأمّا ما هو المقصود؟ فالظاهر انّ الشاهد هو من عاين الاَشياء وحضرها،وأوضحه مصداقاً هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَنّه سبحانه وصفه بكونه شاهداً، قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً﴾.(5)
نعم تفسيره بالنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) من باب الجري والتطبيق على أفضل المصاديق وإلاّ فله معنى أوسع، يقول سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّه عَمَلكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُوَْمِنونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهادةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾(6) فقد عدّ الموَمنين شهوداً على الاَعمال، فإنّ الغاية من الروَية هو الشهود.
وتدل الآيات على أنّ نبي كلّأُمّة شاهد على أُمّته، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْل ِالكِتابِ إِلاّ ليُوَْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَومَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾.(7)
وأمّا المشهود فالمراد منه يوم القيامة، لاَنّه من صفات يومها، قال سبحانه:
﴿ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود﴾(8) والمراد به ﴿ذلك يوم مجموع له الناس﴾ أي يجمع فيه الناس كلّهم الاَوّلون والآخرون منهم للجزاء والحساب والهاء في له راجعة إلى اليوم ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود﴾ أي يشهده الخلائق كلّهم من الجن والاِنس وأهل السماء وأهل الاَرض أي يحضره ولا يوصف بهذه الصفة يوم سواه وفي هذا دلالة على إثبات المعاد وحشر الخلق.(9)
هذا كلّه حول المقسم به، وأمّا المقسم عليه فيحتمل أن يكون أحد أمرين:
أ: ﴿قُتِلَ أَصحابُ الاَُخْدُود﴾ وفسره بقوله: ﴿النّارِ ذات الوقُود﴾ أي أصحاب الاَُخدود هم أصحاب النّار التي لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهيبها، ويكون حريقها عظيماً، ولهيبها متطايراً.
ثمّ أشار إلى وصف آخر لهم ﴿إِذْ هُمْ عَلَيها قُعُود﴾ أي أحرقوا الموَمنين بالنار وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم وهم يعذبون بها ويوضحه قوله في الآية اللاحقة: ﴿وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُوَْمِنينَ شُهُود﴾ أي أُولئك الجبابرة الذين أحرقوا الموَمنين كانوا حضوراً عند تعذيبهم يشاهدون ما يُفعل بهم، وفي هذا إيماء إلى قسوة قلوبهم، كما فيه إيماء إلى قوة اصطبار الموَمنين وشدّة جلدهم ورباطة جأشهم.
وأمّا الصلة بين ما حلف به من السماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود وجواب القسم فهي انّه سبحانه حلف بالسماء ذات البروج والبروج آية الدفاع حيث كان أهل البلد يدافعون من البروج المبنية على سور البلد عن بلدهم، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماء ِبُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظرين*وَحَفِظْناها مِنْ كُلّ شَيطانٍ رَجِيم﴾.(10)
فحلف سبحانه بالسماء ذات البروج في المقام مبيناً بأنّ اللّه الذي كما يدفع بالبروج عن السماء كيد الشياطين كذلك يدفع عن إيمان الموَمنين كيد الشياطين وأوليائهم من الكافرين.
ثمّ أقسم باليوم الموعود الذي يجزي فيها الناس بأعمالهم فهو يجزي أصحاب الاَُخدود بأعمالهم، وأقسم بالشاهد الذي يشاهد أعمال الآخرين، وأقسم بمشهود أي كل ما يشهده الشاهد وهو انّه سبحانه تبارك وتعالى يعاين أعمالهم ويشاهدها.
ويمكن أن يكون جواب القسم، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُوَْمِنينَ وَالْمُوَْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَريق *إِنَّ الَّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ ذلِكَ الْفَوزُ الكَبير﴾.(11)
فاللّه سبحانه يوعد الكفّار ويعد الموَمنين.
وأمّا وجه الصلة فواضح أيضاً بالنسبة إلى ما ذكرنا في الوجه الاَوّل، ويحتمل أن يكون الجواب قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشدِيد *إِنَّهُ هُُوَ يُبْدِىَُ وَيُعِيد﴾ (12)
والمناسبة تلك المناسبة فلا نطيل.
ويحتمل أن يكون الجواب محذوفاً يدل عليه الآيات المتقدمة، والمحذوف كالتالي:
إيعاد الفاتنين ووعد الموَمنين وهكذا.
الهامش
1-البروج: 1 ـ 8.
2-يونس: 48.
3-يونس: 55.
4-الكهف: 21.
5-الاَحزاب: 45.
6-التوبة: 105.
7-النساء: 159.
8-هود: 103.
9-مجمع البيان: 5|191.
10-الحجر: 16ـ 17.
11-البروج: 10ـ 11.
12-البروج: 12ـ 13.
المصدر:
كتاب الأقسام في القرآن الكريم
لسماحة العلامة الشيخ جعفر السبحاني
من موقع هدى القرآن
كتاب الأقسام في القرآن الكريم
لسماحة العلامة الشيخ جعفر السبحاني
من موقع هدى القرآن