
كتب بهاء الدين الترمذي في كتاب تنبيه الغافلين :
كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في أحد الأيام في المسجد ، وفجأة هبط عليه جبريل الأمين وقال له : السلام عليك
يا رسول الله : انقل أقدامك الشريفة إلى المقبرة ، لكي تتبرك القبور بتراب أقدامك ولكي يشم حبيسي هذه القبور الضيعه المظلمة نسيم
رحمتك الذي سهيب عليهم بقدومك عليهم .
فقام رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) مع طائفة من أصحابه ويمموا وجوههم نحو المقبرة ، وكان أصحابه يحيطون به عن
يمينه وعن شماله ، وفي الأثناء وصل أمير المؤمنين إلى هناك وسأل الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) عن نيتهم في هذا المسير .
فقال له : نريد أن نذهب إلى مقبرة البقيع . وعندما وصلوا إلى هناك ، تداعى إلى أسماع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) صوت
شخص يستغيث ويقول : الأمان يا رسول الله ، فانتبه سيد الرسل إلى هذا الصوت وقال :
يا صاحب القبر أخبرني عن سبب عذابك ؟
فأجابه : يا شفيع المذنبين وقدوة المؤمنين ، إن سخط والدتي علي سبب لي هذا العذاب لأنني آذيتها في حياتي ، الأمان ، الأمان يا
رسول الله !!
فأمر الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بلالاً أن ينادي في المدينة على الناس بأن يجتمعوا ، فنادى بلال بصوت جهوري يا أيها
الناس اجتمعوا على قبور الآباء والأمهات والأقرباء بأمر من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ، وعندما سمع الناس نداء بلال
هبوا مسرعين إلى المقبرة فغضت المقبرة بالناس ، ومن بين الحضور كانت عجوزاً محدودبة الظهر تتوكأ على عصاها جاءت ووقفت
بالقرب من رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فسلمت عليه وقبلت التراب بين يديه وقالت : يا رسول الله ما الخبر؟
فقال : أيتها العجوز هذا ولدك .
فأجابت : بلى يا رسول الله .
فقال لها (صلى الله عليه واله وسلم) : إن ولدك الآن في محنة وعذاب اغفري له وارض عنه .
فقالت العجوز : يا رسول الله لا أغفر له ولا أرضى عنه أبداً .
فقال لها : لماذا ؟
قالت : لقد غذيته من لبني وعاش في كتفي وتحملت من أجله الصعاب ، فلما كبر واشتد عوده فبدلاً من أن يحسن لي أخذ يتلذذ
بأذيتي وعذابي .
فقال لها رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : اعطفي عليه وارحميه لينجو من عذابه ، ورفع رسول الله يديه بالدعاء وقال :
إلهي بحق الخمسة من آل الكساء أسمع هذه الأم صوت استغاثة ولدها كي يرق قلبها عليه وتعطف عليه وتغفر له ، عندها أمر العجوز
بأن تضع أذنها على قبر ولدها وتسمع صوت أنينه واستغاثته ، وعندما وضعت أذنها على قبره ، سمعت صوت ولدها يئن بألم
وحسرة فلم تتمالك عن البكاء وقالت : يا سيد المرسلين وشفيع المذنبين إنه يستغيث ويقول فوقي نار وتحتي نار وعن يميني نار وعن
شمالي نار ومن بيني نار ، الأمان الأمان ، الأمان !!!
إنه يقول أيتها الوالدة أقسم عليك بأن تغفري لي وتعفو عني ، وإلا فإني سأبقى في هذا العذاب إلى يوم القيامة وسأخلد في نار جهنم ،
عندها رق قلب العجوز بسبب سماعها استغاثة ولدها وقالت : إلهي لقد عفوت عن تقصير ولدي . فألبسه الله سبحانه وتعالى لباس
رحمته وعفا عنه فوراً ، فنادى الولد : أيتها الوالدة عفا الله عنك كما عفوت عني .
****************
