بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
هذا وقد دلت الشواهد التاريخية والحديثية على أن عليا عليه السلام ومن معه من الصحابة الذين تخلفوا عن البيعة قد تعرضوا لأساليب متعددة من العنف والقوة والتهديد ، اخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن زيد بن اسلم عن أبيه أسلم ، قال : ( حِينَ بُويِعَ لأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ( كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلاَنِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ( فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ ، فَقَالَ : يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ( , وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَبِيك , وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إلَيْنَا بَعْدَ أَبِيك مِنْك , وَأَيْمُ اللهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِيَّ إنْ اجْتَمَعَ هَؤُلاَءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ ، قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا ، فَقَالَتْ : تَعْلَمُونَ ، أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمْ الْبَيْتَ وَأَيْمُ اللهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ , فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ , فَرَوْا رَأْيَكُمْ ، وَلاَ تَرْجِعُوا إلَيَّ , فَانْصَرَفُوا ، عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لأَبِي بَكْرٍ )
وروى البلاذري في انساب الأشراف عن ابن عباس ، قال : (بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ حِينَ قَعَدَ عَنْ بَيْعَتِهِ وَقَالَ: ائْتِنِي بِهِ بِأَعْنَفِ الْعُنْفِ. فَلَمَّا أَتَاهُ، جَرَى بَيْنَهُمَا كَلامٌ. فقال: احْلُبْ حَلَبًا لَكَ شَطْرُهُ. واللَّه مَا حِرْصُكَ على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا... ثُمَّ أَتَاهُ فَبَايَعَهُ ) ففي ظل هذه الأجواء والظروف التي ينذر تطورها وانفلاتها بأخطار كبيرة تهدد السلام برمته بايع أمير المؤمنين عليه السلام مكرها مجبرا ومعه عدد من المهاجرين والأنصار ، فليس من الصحيح القول بأن عليا عليه السلام قد بادر إلى البيعة راضيا فأنه بايع مكرها مجبرا فلا يدل ذلك على عدم وجود النص عليه بالإمامة والخلافة .
1- الحديث الدال على أن عليا عليه السلام لم يبايع إلا بعد ستة أشهر
لقد وردت في كتب أهل السنة بعض الروايات التي تثبت أن عليا عليه السلام لم يبايع من أول الأمر وإنما حصلت البيعة بعد مرور ستة أشهر من تسنّم أبي بكر الخلافة وبعد وفاة فاطمة الزهراء عليها السلام ، فقد اخرج البخاري ومسلم وابن حبان في صحاحهم بسندهم عن الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة : (أَنَّ فَاطِمَةَ - عَلَيْهَا السَّلاَمُ - بِنْتَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِى بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكَ ، وَمَا بَقِىَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، ... فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ فِى ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ ، دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِىٌّ لَيْلاً ، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا ، وَكَانَ لِعَلِىٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِىٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِى بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ...)
وروى عبد الرزاق الصنعاني في المصنف عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة : ( أَنَّ فَاطِمَةَ، وَالْعَبَّاسَ، أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكَ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرٍ - فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْمَالِ» وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ، إِلَّا صَنَعْتُهُ قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ حَظْوَةٌ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْهُ، فَمَكَثَتْ فَاطِمَةُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى بَايَعَهُ عَلِيٌّ، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ انْصِرَافَ وُجُوهِ النَّاسِ عَنْهُ ، أَسْرَعَ إِلَى مُصَالَحَةِ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا تَأْتِنَا مَعَكَ بِأَحَدٍ - وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُ عُمَرُ .... ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ. فَقَالَتْ: فَكَانُوا قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ وَالْمَعْرُوفَ )
فقد كان غضب الزهراء عليها السلام على أبي بكر وهجرانها له حتى وفاتها وتأخر علي عليه السلام وخروجه عن زمرة المبايعين يشكلان ضربة قوية لشرعية الخلافة وقانونيتها .
ولقد ادعي أن الروايات التي أفادت تأخر علي عليه السلام عن البيعة مدة ستة أشهر والتي جاءت على لسان عائشة أنها منقطعة وإنها من كلام الزهري ، وأول من أثار هذا الإشكال البيهقي المتوفي سنة ( 48 ه ) حيث قال في السنن الكبرى : ( وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي قُعُودِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مُنْقَطِعٌ , وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مُبَايَعَتِهِ إِيَّاهُ حِينَ بُويِعَ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ السَّقِيفَةِ أَصَحُّ )
وقال في الاعتقاد أيضا : (وَالَّذِي رَوَى أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُبَايِعْ أَبَا بَكْرٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَحَفِظَهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فَرَوَاهُ مُفَصَّلًا وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ مُنْقَطِعًا مِنَ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الْموْصولِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّ عَلِيًّا بَايَعهُ فِي بَيْعَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي جَرَتْ فِي السَّقِيفَةِ ) وللإجابة عما ادعاه البيهقي نقول : يتبع
