لا يُقتل عمّي وأنا أنظر إليه(1) .
واندفع بلهفة نحو عمّه يطلب منه الإذن ليكون فداءً له ، فاعتنقه عمّه وعيناه تفيضان دموعاً ، وجعل القاسم يُقبّل يديه طالباً منه الإذن ، فسمح له بعد إلحاحه وترجّيه ، وبرز القاسم إلى حومة الحرب وهو بشوق عارم إلى الشهادة ، ولم يضف على جسده لامة الحرب ، وإنّما صحب معه سيفه .
والتحم مع اُولئك القرود , فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه ، وبينما هو يُقاتل إذ انقطع شسع نعله , فأنف سليل النبوّة أن تكون أحد رجليه بلا نعل , فوقف يشدّه متحدّياً الوحوش الكاسرة التي لا تساوي نعله ، واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزدي ، فقال : والله لأشدنَّ عليه .
فأنكر عليه حميد بن مسلم وقال له : سبحان الله ! وما تريد بذلك ؟! يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم . فلم يعن به ، وشدّ الخبيث عليه فعلاه بالسيف على رأسه الشريف ، فهوى الفتى إلى الأرض صريعاً كما تهوي النجوم , ونادى رافعاً صوته : يا عمّاه !
وذاب قلب الإمام (عليه السّلام) وأسرع إليه , فعمد إلى القاتل الأثيم فضربه بالسيف فاتّقاها بساعده فقطعها من المرفق وطرحه أرضاً ، فحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه , إلاّ أنّه هلك تحت حوافرها .
وانعطف الإمام نحو ابن أخيه فجعل يقبّله والفتى يفحص بيديه ورجليه ، وهو يعاني آلام الاحتضار , فخاطبه الإمام (عليه السّلام) : (( بُعداً لقوم قتلوك ، ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدّك ! عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوته . والله هذا يوم كثر واتره ، وقلّ ناصره )) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 255 .
الصفحة (260)
وحمله الإمام والفتى يفحص برجليه كالطير المذبوح(1) , وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر وسائر الشهداء من أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأخذ يطيل النظر إليهم , وجعل يدعو على السفكة المجرمين قائلاً : (( اللّهمّ أحصهم عدداً ، ولا تغادر منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً . صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً )) .
وكلّ هذه المناظر المفجعة التي تميد بالصبر وتعصف كانت بمرأى من عقيلة بني هاشم (عليها السّلام) ، فكانت تستقبل في كلّ لحظة فتى من الاُسرة النبويّة وهو مضرّج بدمائه ، لها الله ولأخيها على هذه الرزايا التي تميد من هولها الجبال .
مصرع عون (عليه السّلام)
وبرز إلى حومة الحرب عون بن عبد الله بن جعفر ، واُمه الصدّيقة الطاهرة زينب بنت أمير المؤمنين (عليها السّلام) ، فجعل يُقاتل على صغر سنه قتال الأبطال وهو يرتجز :
إن تـنكروني فأنا ابنُ جعفرْ شهيدِ صدقٍ في الجنانِ أزهرْ
يـطيرُ فـيها بجناحٍ أخضرْ كـفى بهذا شرفاً من معشرْ
أنت أيّها الشهم حفيد الشهيد الخالد جعفر الطيار الذي قُطعت يداه في سبيل الدعوة الإسلاميّة ، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى .
وجعل الفتى يُقاتل قتال الأبطال , فحمل عليه الوغد الأثيم عبد الله بن قطبة الطائي فقتله , وحُمل إلى المخيّم فاستقبلته اُمّه الصدّيقة الطاهرة ، ونظرت إليه وهو جثة هامدة فاحتسبته عند الله .
وحلّ بعده أبناء الاُسرة الهاشمية فاستشهدوا جميعاً قرابين للإسلام ، وفداءً لريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 256 .
مصرع أبي الفضل (عليه السّلام)
وكان أبو الفضل العباس (عليه السّلام) من أحبّ الناس وأخلصهم للإمام الحسين (عليه السّلام) , فقد ربّاه وغذّاه بمكارم أخلاقه ومحاسن صفاته ، وعلّمه أحكام الدين حتّى صار من أفاضل العلماء . وكان ملازماً لأخيه في حلّه وترحاله ، وواساه في أقسى المحن والخطوب ، وكانت أُخوّته لأبي عبد الله مضرب المثل عند جميع الناس .
وكانت أسارير النور بادية على وجهه الكريم حتّى لُقّب بقمر بني هاشم ، وكان من الأبطال البارزين في الإسلام ، فكان إذا ركب الفرس المطهّم تخطّان رجلاه في الأرض ، وقد أسند إليه الإمام الحسين (عليه السّلام) يوم الطفّ قيادة جيشه ودفع إليه رايته .
وكان أبو الفضل هو المتعهّد لرعاية الصدّيقة سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وقد احتلّ قلبها فكانت تكنّ له أعمق الودّ والولاء . ولمّا رأى قمر بني هاشم وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين قدّموا أرواحهم قرابين للإسلام انبرى يطلب الرخصة من أخيه ليلاقي مصيره المشرق ، فقال له الإمام (عليه السّلام) بصوت خافت : (( أنت صاحب لوائي )) .
لقد كان الإمام يشعر بالقوّة والمنعة ما دام أبو الفضل حيّاً , وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً : لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، واُريد أن آخذ ثأري منهم .
وطلب منه الإمام (عليه السّلام) أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش ، فانعطف فخر بني هاشم نحو اُولئك الأنذال فجعل يعظهم ويطلب منهم أن يرفعوا الحصار عن الماء ؛ فقد أشرفت عائلة آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الموت .
فأجابه الرجس الأثيم شمر بن ذي الجوشن قائلاً :
الصفحة (262)
يابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد .
وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتوّ القوم وإجماعهم على حرمان أهل البيت (عليهم السّلام) من الماء ، وسمع الأبيّ الشهم صراخ الأطفال وهم ينادون : العطش ، العطش ! الماء ، الماء !
وذاب قلب أبي الفضل حينما رأى الأطفال قد ذبلت شفاههم وأشرفوا على الهلاك ، فسرى الألم العاصف في محيّاه , واندفع ببسالة لإغاثتهم ، فركب جواده وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات غير حافل بالقوى المكثفة التي تقدّر بأربعة آلاف جندي مسلّح قد احتلّوا حوض الفرات , فانهزموا من بين يديه ؛ فقد ذكّرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطّم أوثان القرشيّين .
وانتهى إلى الماء وكان قلبه الشريف قد تفتّت من العطش , فاغترف من الماء ليشرب منه إلاّ أنّه تذكّر عطش أخيه ومَنْ معه من النساء والأطفال , فرمى الماء من يده ، فامتنع أن يروي غليله من الماء .
وقد سجّل بذلك شرفاً للعلويّين تردّده الأجيال مقروناً بالإكبار والتعظيم لهذه الأُخوّة النادرة التي لم يحدّث التأريخ بمثلها . لقد رمى أبو الفضل الماء من يده وهو يقول :
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني وبـعدهُ لا كـنتِ أن تكوني
هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ وتـشـربينَ بـاردَ الـمعينِ
تالله مـا هـذا فـعالُ ديـني
إنّ الإنسانيّة بكلّ إجلال وإكبار لتحيّي هذه الروح العظيمة التي تألّقت في دنيا الإسلام وهي تلقي على الأجيال أسمى أمثلة للكرامة الإنسانيّة . أي إيثار أنبل من هذا الإيثار ؟ أيّ اُخوّة أسمى من هذه الاُخوّة ؟
الصفحة (263)
واتّجه فخر هاشم بعد أن ملأ القربة نحو المخيّم والتحم مع الأرجاس ؛ فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) ، وقد أشاع فيهم بطل الإسلام القتل وهو يرتجز :
لا أرهـب الموتَ إذا الموتُ زقا حـتى أوارى في المصاليتِ لقى
نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقى إنّـي أنـا الـعباس أغدوا بالسقا
ولا أخـاف الـشرَّ يـوم الملتقى
لقد أعلن قمر الهاشميّين عن بطولاته النادرة , فهو لا يرهب الموت ، ويسخر من الحياة دفاعاً عن الحقّ , ودفاعاً عن إمام المسلمين وريحانة الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
وانهزمت جيوش الاُمويِّين أمامه ، ولكن الوضر الجبان زيد بن الرقّاد الجهني كمن له من وراء نخلة , ولم يستقبله بوجهه , فضربه على يده فقطعها ، فلم يحفل بها أبو الفضل وراح يرتجز :
واللهِ إن قـطعتمُ يميني إنّي اُحامي أبداً عن ديني
وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ نجلِ النبيّ الطاهرِ الأمينِ
ودلّل بهذا الرجز عن الأهداف العظيمة التي ناضل من أجلها وهي الدفاع عن الدين ، والدفاع عن إمام المسلمين وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يبعد قمر بني هاشم وفخر عدنان حتّى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس المجرمين ، وهو الحكيم بن الطفيل الطائي , فضربه على يساره فبراها ، وحمل الشهم النبيل القربة بأسنانه ، وجعل يركض بالماء إلى عطاشى آل النبي غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وآلام الجروح وشدّة الظمأ .
وهذا منتهى ما وصلت إليه الإنسانيّة في جميع أدوارها من الرحمة والحنان والوفاء ، وبينما هو يركض إذ أصاب القربة سهم غادر فاُريق ماؤها , ووقف البطل حزيناً ؛ فقد كان إراقة الماء أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح .
الصفحة (264)
وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على هامة رأسه ففلق هامته فهوى إلى الأرض ، وهو يؤدي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً : عليك منّي السّلام أبا عبد الله .
وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فمزّقت أحشاءه ، وانطلق وهو خائر القوى ، منهدّ الركن حتّى انتهى إلى أخيه وهو يعاني آلام الاحتضار ، فألقى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلاً قائلاً : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي )) .
وجعل أبو الأحرار يطيل النظر في أخيه وهو شاحب اللون وتمثّلت أمامه مُثل أبي الفضل التي لا ندّ لها في جميع مراحل التأريخ ؛ فليس هناك اُخوّة تضارع اُخوّة أبي الفضل لأخيه أبي الأحرار ؛ فقد أبدى من الوفاء والولاء لأخيه ما يفوق حدّ الوصف . وقام الثاكل الحزين عن أخيه بعد ما فارقته الحياة وهو لا يتمكّن أن يقلّ قدميه من الأسى والحزن , وقد بان عليه الانكسار ، واتّجه صوب المخيّم وهو يكفكف دموعه , فاستقبلته سكينة بلهفة قائلة : أين عمي ؟
فأجابها بنبرات مشفوعة بالبكاء والعبرات بشهادته ، وذعرت حفيدة الرسول سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، فوضعت يدها على قلبها الذي مزّقته كوارث كربلاء ، وصاحت : وا أخاه ! وا عباساه ! وا ضيعتنا بعدك !
وشارك الإمام (عليه السّلام) شقيقته في النياحة على أخيه ، ورفع صوته : (( وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل ! )) . لقد شعر الإمام وشقيقته بالضياع والغربة بعد أن فقد أبا الفضل ، وكانت هذه الكارثة من أفجع الكوارث التي رُزئت بها حفيدة الرسول .
فسلام عليك يا أبا الفضل يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم تبعث حيّاً .
مصرع الرضيع (عليه السّلام)
ومن الفجائع التي مُنيت بها سيدة النساء مصرع الرضيع ؛ فقد اُغمي عليه من شدّة الظمأ ، فجاءت به اُمّه إلى السيّدة زينب مستجيرة بها , وعرضته على أخيها فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه من شدّة العطش ، فحمله الإمام (عليه السّلام) إلى الجيش الاُموي لعلّهم يسقونه جرعة من الماء ، فلم ترقَّ قلوب اُولئك الممسوخين ، وانبرى إليه الرجس الخبيث حرملة بن كاهل ، فسدّد له سهماً وجعل يفتخر أمام أصحابه قائلاً : خذ هذا فاسقه .
واخترق السهم ـ يالله ـ رقبة الطفل ، فلمّا أحسَّ بحرارة السهم أخرج يديه من القماط ، وجعل يُرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح ، وانحنى رافعاً رأسه إلى السماء فمات على ذراع أبيه .
أيّ صبر كان صبر أبي عبد الله ! كيف استطاع أن يتحمّل هذه الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال ؟!
والتفت الإمام إلى شقيقته فناولها ولده المذبوح(1) ، ورفع الإمام (عليه السّلام) يديه وكانتا مملوءتين من دم طفله , فرمى به إلى السماء وقال : (( هوّن ما نزل بي إنّه بعين الله )) . ولم تسقط من ذلك الدم الطاهر قطرة واحدة إلى الأرض كما روى ذلك الإمام الباقر (عليه السّلام) .
الفاجعة الكبرى
ووقف أبو الأحرار في الميدان وقد أحاطت به جيوش الاُمويِّين , وهو ثابت الجنان ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) اللهوف / 50 .
الصفحة (266)
لم يوهن عزيمته مصارع أصحابه وأهل بيته , وكان كالطود الشامخ ، وقد روى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) صمود أبيه قال : (( كان كلّما يشتدّ الأمر يشرق لونه ، وتطمئن جوارحه )) .
فقال بعضهم : انظروا كيف لا يُبالي بالموت ! وقال عبد الله بن عمّار : فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل ولده وأصحابه أربط جأشاً منه ، ولا أمضى جناناً منه ! ووالله ما رأيت قبله ولا بعده مثله(1) .
وحمل أبيّ الضيم على أرجاس البشرية فجعل يُقاتلهم أعنف قتال وأشدّه ، وحمل على الميمنة وهو يرتجز :
القتل أولى من ركوبِ العارِ والعارُ أولى من دخولِ النارِ
وحمل على الميسرة وهو يرتجز :
أنـا الحسين بن علي آلـيـت أن لا أنـثني
أحـمي عـيالات أبي أمضي على دين النبي
أجل أنت الحسين (عليه السّلام) ، وأنت ملأت فم الدنيا شرفاً ومجداً ، فلم تُشاهد اُمم العالم وشعوب الأرض مثلك يا مفخرة الإسلام ؛ فقد صمدت أمام الأهوال والكوارث التي لا يطيق حملها أيّ مصلح على وجه الأرض ، وقد مضيت على دين جدّك الرسول مُجدداً له ، ولولاك لما أبقى الاُمويّون والقرشيون أيّ ظلّ لدين الله .
وداعه لعقائل الوحي
ومضى الحسين (عليه السّلام) يودّع عقائل النبوّة ، وسيّدات نساء الدنيا ، ويأمرهنَّ بالخلود إلى الصبر ، ونظر إلى شقيقته زينب وهي غارقة بالدموع فعزّاها وأمرها بالصبر ، وأن
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن كثير 8 / 188 .
الصفحة (267)
تقوم برعاية أطفاله ، ولمّا أراد الخروج أحطنَ به السيدات ليتزوّدن منه ، وهنّ يذرفن أحرّ الدموع ، والتفت الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى عمّته زينب ، فقال لها : (( عليَّ بالعصا والسيف )) .
ـ ما تصنع بهما ؟
ـ (( أمّا العصا فأتوكّأ عليها ، وأمّا السيف فأذبّ به عن ابن رسول الله )) . وكانت الأمراض قد ألّمت به , فنهاه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأمسكته عمّته زينب .
وأمر الإمام (عليه السّلام) حرم الرسالة بلبس الاُزر ، والاستعداد للبلاء ، والتسليم لقضاء الله ، وقال لهن : (( استعدوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم , وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكّوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم )) .
إنّه هذا الإيمان ، وهذا الصبر أجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش عليه . إنّ هذه الرزايا تتصدّع من هولها الجبال ، وتميد بحلم أيّ مصلح كان ، وقد تجرّعها أبيّ الضيم من أجل رفع كلمة التوحيد التي جهدت الاُسر القرشيّة على إطفاء نورها .
مناجاته مع الله
واتّجه الإمام العظيم في تلك اللحظات الحاسمة من حياته إلى الله تعالى ، فأخذ يناجيه ويتضرّع إليه ، ويشكو إليه ما ألمّ به من الخطوب قائلاً : (( صبراً على قضائك يا رب ، لا إله سواك ، يا غياث المستغيثين ما لي ربّ سواك ، ولا معبود غيرك ، صبراً على حكمك . يا غياث مَنْ لا غياث له ، يا دائماً
الصفحة (268)
لا نفاد له ، يا محيي الموتى ، يا قائماً على كلّ نفس ، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين ))(1) .
أرأيتم هذا الإيمان الذي تفاعل مع شعور الإمام وعواطفه ؟ فقد صبر على قضائه ، وفوّض إليه جميع ما نزل به من الخطوب . يقول الدكتور الشيح أحمد الوائلي :
يا أبا الطفّ و ازدهى بالضحايا مـن أديمِ الطفوفِ روضخميلُ
نـخبةٌ مـن صـحابةٍ و شقيقٌ و رضـيـعٌ مـطوّقٌ وشـبولُ
والـشبابُ الفتيان جفّ ففاضت طـلعةٌ حـلوةٌ ووجـهٌٍ جـميلُ
و تـوغلتَ تـستبينَ الـضحايا وزواكـي الـدماءِ مـنها تسيلُ
و مـشت في شفاهكَ الغرِّ نجوى نـمَّ عـنها الـتحميدُ والـتهليلُ
لكَ عتبي يا ربّ إن كانَ يرضيـ ـك فهـذا إلــى رضـاكَ قـليلُ
الهجوم عليه
وهجمت على سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللئام ، فحملوا عليه من كلّ جانب ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح .
ويقول بعض المؤرخين : إنّه لم يُضرب أحد في الإسلام كما ضُرب الحسين ؛ فقد وجد به مئة وعشرون جراحة , ما بين ضربة سيف , وطعنة رمح , ورمية سهم(2) .
ومكث أبو الأحرار مدّة من الزمن على وجه الأرض وقد فتكت الجراحات بجسمه ، وقد هابه الجميع ونكصوا من الإجهاز عليه .
يقول السيّد حيدر :
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 288 .
(2) الحدائق الوردية 1 / 126 .
الصفحة (269)
فما أجلت الحربُ عن مثله صـريعاً يُـجبِّن شجعانَها
خروج العقيلة (عليها السّلام)
وخرجت حفيدة الرسول من خبائها وهي تندب أخاها بأشجى ما تكون الندبة ، وتقول بذوب روحها : ليت السماء وقعت على الأرض ! وصاحت بالخبيث الدنس عمر بن سعد قائلة : يا عمر ، أرضيت أن يُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشؤومة(1) .
ولم تعد العقيلة الطاهرة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة , فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال .
الإجهاز على الإمام (عليه السّلام)
أحاط أعداء الله بالإمام من كلّ جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالحجارة ، فصاح بهم : (( أعلى قتلي تجتمعون ؟! أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله . وأيم الله , إنّي لأرجو أن يُكرمني الله بهوانكم ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون )) .
والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي فقال : انزل فجئني برأسه . فامتنع وقال : أنا بايعته ثمّ غدرت به ، ثمّ أنزل فأحتز رأسه ! لا والله لا أفعل ذلك . فأنكر ابن سعد كلامه وقال :
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 290 .
الصفحة (270)
إذاً أكتب إلى ابن زياد . ولم يعتن شبث بذلك ، وقال : اكتب له(1) .
وبادر المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن , وكان من أعدى المجرمين على الإمام (عليه السّلام) , فاحتز رأسه الشريف كما في بعض الروايات(2) .
لقد استشهد الإمام العظيم من أجل أن يرفع كلمة الله في الأرض ويطيح بدولة الظلم والبغي التي أقامتها الأحقاد القرشيّة على الإسلام . لقد قدّم الإمام (عليه السّلام) روحه ثمناً للقرآن ، وثمناً لكلّ ما تسمو به الإنسانيّة من شرف وعزّ وإباء .
لقد رفع الإمام (عليه السّلام) راية الإسلام عالية خفّاقة وهي ملطّخة بدمه ودم الشهداء من أهل بيته وأصحابه الممجّدين ، وهي تضيء في رحاب الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم واُمم الأرض .
العقيلة (عليها السّلام) أمام الجثمان المقدّس
وانبرت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جثمان أخيها ، وقد رأت ـ ويا لهول ما رأت ـ رأت الجثمان المقدّس وقد مزّقته سيوف البغاة ورماحهم ، وقد مُثِّل به كأفظع وأقسى ما يكون التمثيل ، لقد كان منظراً تلجم منه الألسن ، وتجمد منه الدماء ، وتهلع منه القلوب .
لقد وقفت العقيلة أمامه بجلال وحشمة وقد أحاط بها الأعداء ، فرمقت السماء بطرفها وقالت هذه الكلمات التي ارتسمت مع الفلك ثمّ دارت فيه ، وهي تشعّ بروح الإيمان والإخلاص إلى الله تعالى قائلة : اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 291 .
(2) مقتل الخوارزمي 2 / 36 ، وغيره .
الصفحة (271)
لقد رضيت بما عانته حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أهوال هذه الكارثة التي تذوب من هولها الجبال ؛ لأنّها في ذات الله تعالى الذي هامت في الإنابة إليه .
لقد تجلّت معاني الوراثة النبويّة في سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وبرزت في شخصيتها معالم شخصية جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ووصيّة أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
حرق الخيام
وأوعزت القيادة العامة إلى الجند بحرق خيام آل النبي (صلّى الله عليه وآله) , فحملوا أقبسة من النار وهم ينادون : احرقوا بيوت الظالمين(1) .
لقد كان بيت الإمام (عليه السّلام) ـ حسب ما يزعمون ـ بيت الظلم , وبيت ابن مرجانة وسيده يزيد حفيد أبي سفيان بيت العدل ! فيالله أمام هذا الظلم الذي لم يقع نظيره في تأريخ الاُمم والشعوب !
وتنصّ بعض المصادر إلى أنّ عمر بن سعد أمر بحرق الخيام بما فيها من النساء والأطفال ، وقد حاول الشمر ذلك , إلاّ أنّ شبث بن ربعي عذله ومنعه عن ذلك .
وعلى أيّ حال ، فحينما التهبت النار في خيم آل النبي فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء إلى خباء ، أمّا اليتامى فقد علا صراخهم وتعلّق بعضهم بأذيال عمّته الحوراء لتحميه من النار ، وهام بعضهم على وجهه لا يلوي على شيء .
لقد كان ذلك المنظر من أفجع وأقسى ما مرّ على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يغب عن
ـــــــــــــــــــــ
(1) التاريخ المظفري / 228 .
واندفع بلهفة نحو عمّه يطلب منه الإذن ليكون فداءً له ، فاعتنقه عمّه وعيناه تفيضان دموعاً ، وجعل القاسم يُقبّل يديه طالباً منه الإذن ، فسمح له بعد إلحاحه وترجّيه ، وبرز القاسم إلى حومة الحرب وهو بشوق عارم إلى الشهادة ، ولم يضف على جسده لامة الحرب ، وإنّما صحب معه سيفه .
والتحم مع اُولئك القرود , فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه ، وبينما هو يُقاتل إذ انقطع شسع نعله , فأنف سليل النبوّة أن تكون أحد رجليه بلا نعل , فوقف يشدّه متحدّياً الوحوش الكاسرة التي لا تساوي نعله ، واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزدي ، فقال : والله لأشدنَّ عليه .
فأنكر عليه حميد بن مسلم وقال له : سبحان الله ! وما تريد بذلك ؟! يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم . فلم يعن به ، وشدّ الخبيث عليه فعلاه بالسيف على رأسه الشريف ، فهوى الفتى إلى الأرض صريعاً كما تهوي النجوم , ونادى رافعاً صوته : يا عمّاه !
وذاب قلب الإمام (عليه السّلام) وأسرع إليه , فعمد إلى القاتل الأثيم فضربه بالسيف فاتّقاها بساعده فقطعها من المرفق وطرحه أرضاً ، فحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه , إلاّ أنّه هلك تحت حوافرها .
وانعطف الإمام نحو ابن أخيه فجعل يقبّله والفتى يفحص بيديه ورجليه ، وهو يعاني آلام الاحتضار , فخاطبه الإمام (عليه السّلام) : (( بُعداً لقوم قتلوك ، ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدّك ! عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوته . والله هذا يوم كثر واتره ، وقلّ ناصره )) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 255 .
الصفحة (260)
وحمله الإمام والفتى يفحص برجليه كالطير المذبوح(1) , وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر وسائر الشهداء من أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأخذ يطيل النظر إليهم , وجعل يدعو على السفكة المجرمين قائلاً : (( اللّهمّ أحصهم عدداً ، ولا تغادر منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً . صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً )) .
وكلّ هذه المناظر المفجعة التي تميد بالصبر وتعصف كانت بمرأى من عقيلة بني هاشم (عليها السّلام) ، فكانت تستقبل في كلّ لحظة فتى من الاُسرة النبويّة وهو مضرّج بدمائه ، لها الله ولأخيها على هذه الرزايا التي تميد من هولها الجبال .
مصرع عون (عليه السّلام)
وبرز إلى حومة الحرب عون بن عبد الله بن جعفر ، واُمه الصدّيقة الطاهرة زينب بنت أمير المؤمنين (عليها السّلام) ، فجعل يُقاتل على صغر سنه قتال الأبطال وهو يرتجز :
إن تـنكروني فأنا ابنُ جعفرْ شهيدِ صدقٍ في الجنانِ أزهرْ
يـطيرُ فـيها بجناحٍ أخضرْ كـفى بهذا شرفاً من معشرْ
أنت أيّها الشهم حفيد الشهيد الخالد جعفر الطيار الذي قُطعت يداه في سبيل الدعوة الإسلاميّة ، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى .
وجعل الفتى يُقاتل قتال الأبطال , فحمل عليه الوغد الأثيم عبد الله بن قطبة الطائي فقتله , وحُمل إلى المخيّم فاستقبلته اُمّه الصدّيقة الطاهرة ، ونظرت إليه وهو جثة هامدة فاحتسبته عند الله .
وحلّ بعده أبناء الاُسرة الهاشمية فاستشهدوا جميعاً قرابين للإسلام ، وفداءً لريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 256 .
مصرع أبي الفضل (عليه السّلام)
وكان أبو الفضل العباس (عليه السّلام) من أحبّ الناس وأخلصهم للإمام الحسين (عليه السّلام) , فقد ربّاه وغذّاه بمكارم أخلاقه ومحاسن صفاته ، وعلّمه أحكام الدين حتّى صار من أفاضل العلماء . وكان ملازماً لأخيه في حلّه وترحاله ، وواساه في أقسى المحن والخطوب ، وكانت أُخوّته لأبي عبد الله مضرب المثل عند جميع الناس .
وكانت أسارير النور بادية على وجهه الكريم حتّى لُقّب بقمر بني هاشم ، وكان من الأبطال البارزين في الإسلام ، فكان إذا ركب الفرس المطهّم تخطّان رجلاه في الأرض ، وقد أسند إليه الإمام الحسين (عليه السّلام) يوم الطفّ قيادة جيشه ودفع إليه رايته .
وكان أبو الفضل هو المتعهّد لرعاية الصدّيقة سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وقد احتلّ قلبها فكانت تكنّ له أعمق الودّ والولاء . ولمّا رأى قمر بني هاشم وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين قدّموا أرواحهم قرابين للإسلام انبرى يطلب الرخصة من أخيه ليلاقي مصيره المشرق ، فقال له الإمام (عليه السّلام) بصوت خافت : (( أنت صاحب لوائي )) .
لقد كان الإمام يشعر بالقوّة والمنعة ما دام أبو الفضل حيّاً , وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً : لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، واُريد أن آخذ ثأري منهم .
وطلب منه الإمام (عليه السّلام) أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش ، فانعطف فخر بني هاشم نحو اُولئك الأنذال فجعل يعظهم ويطلب منهم أن يرفعوا الحصار عن الماء ؛ فقد أشرفت عائلة آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الموت .
فأجابه الرجس الأثيم شمر بن ذي الجوشن قائلاً :
الصفحة (262)
يابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد .
وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتوّ القوم وإجماعهم على حرمان أهل البيت (عليهم السّلام) من الماء ، وسمع الأبيّ الشهم صراخ الأطفال وهم ينادون : العطش ، العطش ! الماء ، الماء !
وذاب قلب أبي الفضل حينما رأى الأطفال قد ذبلت شفاههم وأشرفوا على الهلاك ، فسرى الألم العاصف في محيّاه , واندفع ببسالة لإغاثتهم ، فركب جواده وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات غير حافل بالقوى المكثفة التي تقدّر بأربعة آلاف جندي مسلّح قد احتلّوا حوض الفرات , فانهزموا من بين يديه ؛ فقد ذكّرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطّم أوثان القرشيّين .
وانتهى إلى الماء وكان قلبه الشريف قد تفتّت من العطش , فاغترف من الماء ليشرب منه إلاّ أنّه تذكّر عطش أخيه ومَنْ معه من النساء والأطفال , فرمى الماء من يده ، فامتنع أن يروي غليله من الماء .
وقد سجّل بذلك شرفاً للعلويّين تردّده الأجيال مقروناً بالإكبار والتعظيم لهذه الأُخوّة النادرة التي لم يحدّث التأريخ بمثلها . لقد رمى أبو الفضل الماء من يده وهو يقول :
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني وبـعدهُ لا كـنتِ أن تكوني
هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ وتـشـربينَ بـاردَ الـمعينِ
تالله مـا هـذا فـعالُ ديـني
إنّ الإنسانيّة بكلّ إجلال وإكبار لتحيّي هذه الروح العظيمة التي تألّقت في دنيا الإسلام وهي تلقي على الأجيال أسمى أمثلة للكرامة الإنسانيّة . أي إيثار أنبل من هذا الإيثار ؟ أيّ اُخوّة أسمى من هذه الاُخوّة ؟
الصفحة (263)
واتّجه فخر هاشم بعد أن ملأ القربة نحو المخيّم والتحم مع الأرجاس ؛ فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) ، وقد أشاع فيهم بطل الإسلام القتل وهو يرتجز :
لا أرهـب الموتَ إذا الموتُ زقا حـتى أوارى في المصاليتِ لقى
نفسي لسبطِ المصطفى الطهرِ وقى إنّـي أنـا الـعباس أغدوا بالسقا
ولا أخـاف الـشرَّ يـوم الملتقى
لقد أعلن قمر الهاشميّين عن بطولاته النادرة , فهو لا يرهب الموت ، ويسخر من الحياة دفاعاً عن الحقّ , ودفاعاً عن إمام المسلمين وريحانة الرسول (صلّى الله عليه وآله) .
وانهزمت جيوش الاُمويِّين أمامه ، ولكن الوضر الجبان زيد بن الرقّاد الجهني كمن له من وراء نخلة , ولم يستقبله بوجهه , فضربه على يده فقطعها ، فلم يحفل بها أبو الفضل وراح يرتجز :
واللهِ إن قـطعتمُ يميني إنّي اُحامي أبداً عن ديني
وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ نجلِ النبيّ الطاهرِ الأمينِ
ودلّل بهذا الرجز عن الأهداف العظيمة التي ناضل من أجلها وهي الدفاع عن الدين ، والدفاع عن إمام المسلمين وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يبعد قمر بني هاشم وفخر عدنان حتّى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس المجرمين ، وهو الحكيم بن الطفيل الطائي , فضربه على يساره فبراها ، وحمل الشهم النبيل القربة بأسنانه ، وجعل يركض بالماء إلى عطاشى آل النبي غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وآلام الجروح وشدّة الظمأ .
وهذا منتهى ما وصلت إليه الإنسانيّة في جميع أدوارها من الرحمة والحنان والوفاء ، وبينما هو يركض إذ أصاب القربة سهم غادر فاُريق ماؤها , ووقف البطل حزيناً ؛ فقد كان إراقة الماء أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح .
الصفحة (264)
وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على هامة رأسه ففلق هامته فهوى إلى الأرض ، وهو يؤدي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً : عليك منّي السّلام أبا عبد الله .
وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فمزّقت أحشاءه ، وانطلق وهو خائر القوى ، منهدّ الركن حتّى انتهى إلى أخيه وهو يعاني آلام الاحتضار ، فألقى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلاً قائلاً : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي )) .
وجعل أبو الأحرار يطيل النظر في أخيه وهو شاحب اللون وتمثّلت أمامه مُثل أبي الفضل التي لا ندّ لها في جميع مراحل التأريخ ؛ فليس هناك اُخوّة تضارع اُخوّة أبي الفضل لأخيه أبي الأحرار ؛ فقد أبدى من الوفاء والولاء لأخيه ما يفوق حدّ الوصف . وقام الثاكل الحزين عن أخيه بعد ما فارقته الحياة وهو لا يتمكّن أن يقلّ قدميه من الأسى والحزن , وقد بان عليه الانكسار ، واتّجه صوب المخيّم وهو يكفكف دموعه , فاستقبلته سكينة بلهفة قائلة : أين عمي ؟
فأجابها بنبرات مشفوعة بالبكاء والعبرات بشهادته ، وذعرت حفيدة الرسول سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، فوضعت يدها على قلبها الذي مزّقته كوارث كربلاء ، وصاحت : وا أخاه ! وا عباساه ! وا ضيعتنا بعدك !
وشارك الإمام (عليه السّلام) شقيقته في النياحة على أخيه ، ورفع صوته : (( وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل ! )) . لقد شعر الإمام وشقيقته بالضياع والغربة بعد أن فقد أبا الفضل ، وكانت هذه الكارثة من أفجع الكوارث التي رُزئت بها حفيدة الرسول .
فسلام عليك يا أبا الفضل يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم تبعث حيّاً .
مصرع الرضيع (عليه السّلام)
ومن الفجائع التي مُنيت بها سيدة النساء مصرع الرضيع ؛ فقد اُغمي عليه من شدّة الظمأ ، فجاءت به اُمّه إلى السيّدة زينب مستجيرة بها , وعرضته على أخيها فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه من شدّة العطش ، فحمله الإمام (عليه السّلام) إلى الجيش الاُموي لعلّهم يسقونه جرعة من الماء ، فلم ترقَّ قلوب اُولئك الممسوخين ، وانبرى إليه الرجس الخبيث حرملة بن كاهل ، فسدّد له سهماً وجعل يفتخر أمام أصحابه قائلاً : خذ هذا فاسقه .
واخترق السهم ـ يالله ـ رقبة الطفل ، فلمّا أحسَّ بحرارة السهم أخرج يديه من القماط ، وجعل يُرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح ، وانحنى رافعاً رأسه إلى السماء فمات على ذراع أبيه .
أيّ صبر كان صبر أبي عبد الله ! كيف استطاع أن يتحمّل هذه الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال ؟!
والتفت الإمام إلى شقيقته فناولها ولده المذبوح(1) ، ورفع الإمام (عليه السّلام) يديه وكانتا مملوءتين من دم طفله , فرمى به إلى السماء وقال : (( هوّن ما نزل بي إنّه بعين الله )) . ولم تسقط من ذلك الدم الطاهر قطرة واحدة إلى الأرض كما روى ذلك الإمام الباقر (عليه السّلام) .
الفاجعة الكبرى
ووقف أبو الأحرار في الميدان وقد أحاطت به جيوش الاُمويِّين , وهو ثابت الجنان ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) اللهوف / 50 .
الصفحة (266)
لم يوهن عزيمته مصارع أصحابه وأهل بيته , وكان كالطود الشامخ ، وقد روى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) صمود أبيه قال : (( كان كلّما يشتدّ الأمر يشرق لونه ، وتطمئن جوارحه )) .
فقال بعضهم : انظروا كيف لا يُبالي بالموت ! وقال عبد الله بن عمّار : فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل ولده وأصحابه أربط جأشاً منه ، ولا أمضى جناناً منه ! ووالله ما رأيت قبله ولا بعده مثله(1) .
وحمل أبيّ الضيم على أرجاس البشرية فجعل يُقاتلهم أعنف قتال وأشدّه ، وحمل على الميمنة وهو يرتجز :
القتل أولى من ركوبِ العارِ والعارُ أولى من دخولِ النارِ
وحمل على الميسرة وهو يرتجز :
أنـا الحسين بن علي آلـيـت أن لا أنـثني
أحـمي عـيالات أبي أمضي على دين النبي
أجل أنت الحسين (عليه السّلام) ، وأنت ملأت فم الدنيا شرفاً ومجداً ، فلم تُشاهد اُمم العالم وشعوب الأرض مثلك يا مفخرة الإسلام ؛ فقد صمدت أمام الأهوال والكوارث التي لا يطيق حملها أيّ مصلح على وجه الأرض ، وقد مضيت على دين جدّك الرسول مُجدداً له ، ولولاك لما أبقى الاُمويّون والقرشيون أيّ ظلّ لدين الله .
وداعه لعقائل الوحي
ومضى الحسين (عليه السّلام) يودّع عقائل النبوّة ، وسيّدات نساء الدنيا ، ويأمرهنَّ بالخلود إلى الصبر ، ونظر إلى شقيقته زينب وهي غارقة بالدموع فعزّاها وأمرها بالصبر ، وأن
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن كثير 8 / 188 .
الصفحة (267)
تقوم برعاية أطفاله ، ولمّا أراد الخروج أحطنَ به السيدات ليتزوّدن منه ، وهنّ يذرفن أحرّ الدموع ، والتفت الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى عمّته زينب ، فقال لها : (( عليَّ بالعصا والسيف )) .
ـ ما تصنع بهما ؟
ـ (( أمّا العصا فأتوكّأ عليها ، وأمّا السيف فأذبّ به عن ابن رسول الله )) . وكانت الأمراض قد ألّمت به , فنهاه الإمام الحسين (عليه السّلام) وأمسكته عمّته زينب .
وأمر الإمام (عليه السّلام) حرم الرسالة بلبس الاُزر ، والاستعداد للبلاء ، والتسليم لقضاء الله ، وقال لهن : (( استعدوا للبلاء ، واعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم , وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوّكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكّوا ، ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم )) .
إنّه هذا الإيمان ، وهذا الصبر أجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش عليه . إنّ هذه الرزايا تتصدّع من هولها الجبال ، وتميد بحلم أيّ مصلح كان ، وقد تجرّعها أبيّ الضيم من أجل رفع كلمة التوحيد التي جهدت الاُسر القرشيّة على إطفاء نورها .
مناجاته مع الله
واتّجه الإمام العظيم في تلك اللحظات الحاسمة من حياته إلى الله تعالى ، فأخذ يناجيه ويتضرّع إليه ، ويشكو إليه ما ألمّ به من الخطوب قائلاً : (( صبراً على قضائك يا رب ، لا إله سواك ، يا غياث المستغيثين ما لي ربّ سواك ، ولا معبود غيرك ، صبراً على حكمك . يا غياث مَنْ لا غياث له ، يا دائماً
الصفحة (268)
لا نفاد له ، يا محيي الموتى ، يا قائماً على كلّ نفس ، احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين ))(1) .
أرأيتم هذا الإيمان الذي تفاعل مع شعور الإمام وعواطفه ؟ فقد صبر على قضائه ، وفوّض إليه جميع ما نزل به من الخطوب . يقول الدكتور الشيح أحمد الوائلي :
يا أبا الطفّ و ازدهى بالضحايا مـن أديمِ الطفوفِ روضخميلُ
نـخبةٌ مـن صـحابةٍ و شقيقٌ و رضـيـعٌ مـطوّقٌ وشـبولُ
والـشبابُ الفتيان جفّ ففاضت طـلعةٌ حـلوةٌ ووجـهٌٍ جـميلُ
و تـوغلتَ تـستبينَ الـضحايا وزواكـي الـدماءِ مـنها تسيلُ
و مـشت في شفاهكَ الغرِّ نجوى نـمَّ عـنها الـتحميدُ والـتهليلُ
لكَ عتبي يا ربّ إن كانَ يرضيـ ـك فهـذا إلــى رضـاكَ قـليلُ
الهجوم عليه
وهجمت على سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللئام ، فحملوا عليه من كلّ جانب ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح .
ويقول بعض المؤرخين : إنّه لم يُضرب أحد في الإسلام كما ضُرب الحسين ؛ فقد وجد به مئة وعشرون جراحة , ما بين ضربة سيف , وطعنة رمح , ورمية سهم(2) .
ومكث أبو الأحرار مدّة من الزمن على وجه الأرض وقد فتكت الجراحات بجسمه ، وقد هابه الجميع ونكصوا من الإجهاز عليه .
يقول السيّد حيدر :
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 288 .
(2) الحدائق الوردية 1 / 126 .
الصفحة (269)
فما أجلت الحربُ عن مثله صـريعاً يُـجبِّن شجعانَها
خروج العقيلة (عليها السّلام)
وخرجت حفيدة الرسول من خبائها وهي تندب أخاها بأشجى ما تكون الندبة ، وتقول بذوب روحها : ليت السماء وقعت على الأرض ! وصاحت بالخبيث الدنس عمر بن سعد قائلة : يا عمر ، أرضيت أن يُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشؤومة(1) .
ولم تعد العقيلة الطاهرة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة , فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال .
الإجهاز على الإمام (عليه السّلام)
أحاط أعداء الله بالإمام من كلّ جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالحجارة ، فصاح بهم : (( أعلى قتلي تجتمعون ؟! أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله . وأيم الله , إنّي لأرجو أن يُكرمني الله بهوانكم ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون )) .
والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي فقال : انزل فجئني برأسه . فامتنع وقال : أنا بايعته ثمّ غدرت به ، ثمّ أنزل فأحتز رأسه ! لا والله لا أفعل ذلك . فأنكر ابن سعد كلامه وقال :
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 290 .
الصفحة (270)
إذاً أكتب إلى ابن زياد . ولم يعتن شبث بذلك ، وقال : اكتب له(1) .
وبادر المجرم الخبيث شمر بن ذي الجوشن , وكان من أعدى المجرمين على الإمام (عليه السّلام) , فاحتز رأسه الشريف كما في بعض الروايات(2) .
لقد استشهد الإمام العظيم من أجل أن يرفع كلمة الله في الأرض ويطيح بدولة الظلم والبغي التي أقامتها الأحقاد القرشيّة على الإسلام . لقد قدّم الإمام (عليه السّلام) روحه ثمناً للقرآن ، وثمناً لكلّ ما تسمو به الإنسانيّة من شرف وعزّ وإباء .
لقد رفع الإمام (عليه السّلام) راية الإسلام عالية خفّاقة وهي ملطّخة بدمه ودم الشهداء من أهل بيته وأصحابه الممجّدين ، وهي تضيء في رحاب الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم واُمم الأرض .
العقيلة (عليها السّلام) أمام الجثمان المقدّس
وانبرت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جثمان أخيها ، وقد رأت ـ ويا لهول ما رأت ـ رأت الجثمان المقدّس وقد مزّقته سيوف البغاة ورماحهم ، وقد مُثِّل به كأفظع وأقسى ما يكون التمثيل ، لقد كان منظراً تلجم منه الألسن ، وتجمد منه الدماء ، وتهلع منه القلوب .
لقد وقفت العقيلة أمامه بجلال وحشمة وقد أحاط بها الأعداء ، فرمقت السماء بطرفها وقالت هذه الكلمات التي ارتسمت مع الفلك ثمّ دارت فيه ، وهي تشعّ بروح الإيمان والإخلاص إلى الله تعالى قائلة : اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 291 .
(2) مقتل الخوارزمي 2 / 36 ، وغيره .
الصفحة (271)
لقد رضيت بما عانته حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أهوال هذه الكارثة التي تذوب من هولها الجبال ؛ لأنّها في ذات الله تعالى الذي هامت في الإنابة إليه .
لقد تجلّت معاني الوراثة النبويّة في سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وبرزت في شخصيتها معالم شخصية جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) , ووصيّة أبيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
حرق الخيام
وأوعزت القيادة العامة إلى الجند بحرق خيام آل النبي (صلّى الله عليه وآله) , فحملوا أقبسة من النار وهم ينادون : احرقوا بيوت الظالمين(1) .
لقد كان بيت الإمام (عليه السّلام) ـ حسب ما يزعمون ـ بيت الظلم , وبيت ابن مرجانة وسيده يزيد حفيد أبي سفيان بيت العدل ! فيالله أمام هذا الظلم الذي لم يقع نظيره في تأريخ الاُمم والشعوب !
وتنصّ بعض المصادر إلى أنّ عمر بن سعد أمر بحرق الخيام بما فيها من النساء والأطفال ، وقد حاول الشمر ذلك , إلاّ أنّ شبث بن ربعي عذله ومنعه عن ذلك .
وعلى أيّ حال ، فحينما التهبت النار في خيم آل النبي فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء إلى خباء ، أمّا اليتامى فقد علا صراخهم وتعلّق بعضهم بأذيال عمّته الحوراء لتحميه من النار ، وهام بعضهم على وجهه لا يلوي على شيء .
لقد كان ذلك المنظر من أفجع وأقسى ما مرّ على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يغب عن
ـــــــــــــــــــــ
(1) التاريخ المظفري / 228 .
