إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حياة زينب ع 23

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حياة زينب ع 23

    بالسكوت ، فلمّا سكنت الأنفاس بدأت بحمد الله والثناء عليه ، ثمّ قالت : مه يا أهل الكوفة ، سوءاً لكم ! ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه , وانتهبتم أمواله وورثتموه , وسبيتم نساءه ونكبتموه ؟! فتبّاً لكم وسحقاً !
    ويلكم ! أتدرون أيّ دواه دهتكم , وأيّ وزر على ظهوركم حملتم , وأيّ دماء سفكتموها ؟! قتلتم خير رجالات بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ونُزِعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله هم الغالبون , وحزب الشيطان هم الخاسرون .
    واضطرب الكوفيّون من خطابها , فنشرت النساء شعورهن , ولطمن الخدود ، ولم يرَ أكثر باكٍ ولا باكية مثل ذلك اليوم .
    خطاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام)

    وانبرى إلى الخطاب الإمام زين العابدين (عليه السّلام) , فقال بعد حمد الله والثناء عليه : (( أيّها الناس ، مَنْ عرفني فقد عرفني ، ومَنْ لم يعرفني فأنا أُعَرِّفه بنفسي ؛ أنا علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات(1) ، أنا ابن مَنْ انتُهك حريمه , وسُلب نعيمه , وانتُهب ماله , وسُبي عياله ، أنا ابن مَنْ قُتل صبراً وكفى بذلك فخراً .
    أيّها الناس ، ناشدتكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) الترات : هو مَنْ ظلم حقّه .
    الصفحة (286)

    وخدعتموه ، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه وخذلتموه ؟! فتبّاً لِما قدّمتم لأنفسكم , وسوءاً لرأيكم ! بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم : قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أُمّتي ؟! )) .
    وجرّدهم بهذه الكلمات من الإسلام ، ودلّهم على جرائمهم وآثامهم التي سوّدت وجه التأريخ ، وقد علت أصواتهم بالبكاء ، ونادى مناد منهم : هلكتم وما تعلمون .
    واستمر الإمام في خطابه قائلاً : (( رحم الله امرأً قَبِل نصيحتي وحفظ وصيّتي في الله وفي رسوله وأهل بيته ؛ فإنّ لنا في رسول الله أُسوة حسنة )) .
    فهتفوا قائلين : نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون ، حافظون لذمامك , غير زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ؛ فإنّا حرب لحربك وسلم لسلمك ، نبرأ ممّن ظلمك وظلمنا .
    وردّ الإمام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلاً : (( هيهات هيهات أيّتها الغدرة المكرة ! حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى أبي من قبل ؟ كلا وربّ الراقصات(1) ؛ فإنّ الجرح لمّا يندمل ، قُتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ، ولم يُنس ثكل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وثكل أبي وبني أبي ، ووجده بين لهاتي , ومرارته بين حناجري وحلقي ،
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) الراقصات : هي النجوم .
    الصفحة (287)

    وغصصه تجري في فراش صدري ))(1) .
    وأمسك الإمام (عليه السّلام) عن الكلام ، وتركهم حيارى يندبون حظّهم التعيس .
    في مجلس ابن زياد

    وأُدخلت عقائل الوحي ومخدّرات النبوّة وهنَّ في ذلّ الأسر ، قد شُهرت على رؤوسهنَّ سيوف الكافر ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة ، وهو في قصر الإمارة وقد امتلأ القصر بالسفكة المجرمين من جنوده ، وهم يهنّئونه بالظفر , ويحدّثونه بجرائمهم التي اقترفوها يوم الطفّ , وهو جذلان مسرور يهزّ أعطافه فرحاً وسروراً ، وبين يديه رأس زعيم الاُمّة وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فجعل الخبيث يعبث بالرأس الشريف وينكته بمخصرته ، وهو يقول متشمّتاً : ما رأيت مثل هذا الوجه قطّ .
    إنّه وجه النبوة والإمامة ، ووجه الإسلام بجميع مبادئه وقيمه .
    ولم ينه ابن مرجانة كلامه حتّى سدّد له الصحابي أنس بن مالك سهماً , فقال له : إنّه كان يشبه النبي(2) .
    والتاع الخبيث من كلامه ، ولم يجد أيّ مجال للردّ عليه .
    الطاغية مع عقيلة الوحي (عليها السّلام)

    ولمّا روى المجرم الخبيث ابن مرجانة أحقاده من رأس ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , التفت إلى عائلة الإمام الحسين (عليه السّلام) , فرأى سيدة منحازة في ناحية من مجلسه ، وعليها أرذل
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 342 .
    (2) أنساب الأشراف / 222 .
    الصفحة (288)

    الثياب , وقد حفّت بها المهابة والجلال ، فانبرى ابن مرجانة سائلاً عنها ، فقال : مَنْ هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها ؟
    فأعرضت عنه احتقاراً واستهانة به ، وكرّر السؤال فلم تجبه , فانبرت إحدى السيّدات فأجابته : هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
    فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له ، واندفع يظهر الشماتة بلسانه الألكن قائلاً : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأبطل اُحدوثتكم .
    فثارت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأجابته بشجاعة أبيها , محتقرة له قائلة : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه ، وطهّرنا من الرجس تطهيراً ، إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا يابن مرجانة(1) .
    وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس هذا الوضر الخبيث ، لقد قالت هذا القول الصارم وهي مع بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيد الأسر , قد نُصبت فوق رؤوسهنَّ حراب الظالمين , وشُهرت عليهن سيوف الشامتين .
    ولم يجد ابن مرجانة كلاماً يُجيب به سوى التشفّي قائلاً : كيف رأيت صنع الله بأخيك ؟
    فأجابته حفيدة الرسول ومفخرة الإسلام بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينكم وبينهم ، فتُحاجّ وتُخاصم ، فانظر لمَنْ الفلج يومئذ ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة !
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) تاريخ الطبري 6 / 263 .
    الصفحة (289)

    وفقد الحقير الدنس إهابه من هذا التبكيت والاحتقار اللاذع ، فهمّ أن يضرب العقيلة , فنهاه عمرو بن حريث وقال له : إنّها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها .
    يالله ! يا للمسلمين ! ابن مرجانة يروم أن يعتدي على عقيلة بني هاشم وحفيدة الرسول ! إنّ المسؤول عن هذا الاعتداء الصارخ على الأُسرة النبويّة وعلى عقائل الوحي مؤتمر السقيفة والشورى ؛ فهم الذين سلّطوا على المسلمين الاُمويِّين , خصوم الإسلام وأعداء البيت العلوي ، وحجبوا آل البيت عن القيادة الروحية لهذه الاُمّة .
    وعلى أيّ حال ، فإنّ ابن مرجانة التفت إلى العقيلة مظهراً لها التشفّي بقتل أخيها قائلاً : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك .
    وغلب الأسى والحزن على العقيلة (عليها السّلام) من هذا التشفّي الآثم ، وتذكّرت حماتها الصفوة من الاُسرة النبويّة ، فأدركتها لوعة الأسى ، وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي , وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت .
    وتهافت غيظ ابن مرجانة ، وراح يقول : هذه سجّاعة ، لعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً . فردّت عليه العقيلة : إنّ لي عن السجاعة لشغلاً ، ما للمرأة والسجاعة(1) !
    ما أخسّ هذه الحياة وما ألأمها التي جعلت حفيدة الرسول أسيرة عند
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 344 .
    الصفحة (290)

    ابن مرجانة ، وهو يبالغ في احتقارها !
    إنقاذ العقيلة للإمام زين العابدين (عليه السّلام)

    وأدار ابن مرجانة بصره في بقية الأسرى من أهل البيت (عليهم السّلام) , فوقع بصره على الإمام زين العابدين (عليه السّلام) ، وقد أنهكته العلّة , فسأله : مَنْ أنت ؟
    ـ (( عليّ بن الحسين )) .
    فصاح به الرجس الخبيث : أوَ لم يقتل الله علي بن الحسين ؟
    فأجابه الإمام (عليه السّلام) بأناة : (( قد كان لي أخ يُسمّى عليّ بن الحسين قتلتموه ، وإنّ له منكم مطالباً يوم القيامة )) .
    فثار ابن مرجانة ، ورفع صوته قائلاً : الله قتله .
    فأجابه الإمام (عليه السّلام) بكلّ شجاعة وثبات : (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) ، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه) .
    ودارت الأرض بابن مرجانة ولم يعرف ما يقول ، وغاظه أن يتكلّم هذا الغلام الأسير بقوّة الحجّة ، والاستشهاد بالقرآن الكريم ، فرفع عقيرته قائلاً : وبك جرأة على ردّ جوابي ! وفيك بقية للردّ عليّ ! والتفت إلى بعض جلاديه فقال له : خذ هذا الغلام واضرب عنقه .
    وطاشت أحلام العقيلة (عليها السّلام) , وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان ، فاحتضنت ابن أخيها وقالت لابن مرجانة :



    حسبك يابن زياد ما سفكت من دمائنا ! إنّك لم تُبقِ منّا أحداً ، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه .
    وبُهر الطاغية وانخذل ، وقال متعجّباً : دعوه لها ، عجباً للرحم ودّت أن تُقتل معه !
    ولولا موقف العقيلة (عليها السّلام) لذهبت البقيّة من نسل أخيها التي هي مصدر الخير والفضيلة في دنيا العرب والإسلام . لقد أنجا الله زين العابدين (عليه السّلام) من القتل المحتّم ببركة العقيلة (عليها السّلام) ؛ فهي التي أنقدته من هذا الطاغية الجبّار(1) .
    حبس عقائل الوحي

    وأمر ابن مرجانة بحبس مخدّرات الرسالة وعقائل الوحي فاُدخلنّ في سجن يقع إلى جانب المسجد الأعظم ، وقد ضيّق عليهنَّ أشدّ التضييق ، فكان يجري على كلّ واحدة في اليوم رغيفاً واحداً من الخبز ، وكانت العقيلة تؤثر أطفال أخيها برغيفها وتبقى ممسكة حتّى بان عليها الضعف فلم تتمكّن من النهوض , وكانت تُصلّي من جلوس ، وفزع الإمام زين العابدين (عليه السّلام) من حالتها , فأخبرته بالأمر .
    ورفضت عقيلة بني هاشم مقابلة أيّة امرأة من الكوفيات , وقالت : لا يدخلنّ علينا إلاّ أُمّ ولد , أو مملوكة ؛ فإنّهنّ سُبين كما سُبينا .
    واُلقي على بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه : إنّ البريد قد سار بأمركم إلى يزيد , فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالهلاك ، وإن لم تسمعوا بالتكبير فهو الأمان . وحدّدوا لمجيء الكتاب وقتاً ، وفزعت العلويات وذُعرن ، وقبل قدوم البريد بيومين اُلقي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه : أوصوا واعهدوا فقد قارب
    ــــــــــــــــ
    (1)
    الصفحة (292)

    وصول البريد . وبعد انتهاء المدّة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى إلى دمشق(1) .

    وصرّح بعض المؤرّخين أنّ يزيد كان عازماً على استئصال نسل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) , إلاّ أنّه بعد ذلك عدل عن نيّته .
    وبقيت العائلة النبويّة في السجن ، فلمّا جاءت أوامر يزيد بحملهم إلى دمشق لتعرض على أهل الشام كما عرضت على أهل الكوفة فقد حُملت السبايا ، وأمّا رؤوس العترة الطاهرة الذين أرادوا أن يقيموا في هذا الشرق حكومة الإسلام والقرآن فقد حُملت ليراها أهل الشام , ويتلذّذ بمنظرها يزيد .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) تاريخ ابن الأثير 3 / 37 .
    الصفحة (293)
    سبايا آل النبي (عليهم السّلام) في دمشق

    وعانت عقائل الوحي ومخدّرات النبوّة والإمامة جميع ضروب المحن والبلاء أيام مكثهنَّ في الكوفة ؛ فقد عانينَ مرارة السجن , وشماتة الأعداء ، وذلّ الأسر . وبعدما صدرت الأوامر من دمشق بحملهن إلى يزيد أمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس أبناء النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابهم إلى الشام لتُعرض على الشاميّين كما عرضت على الكوفيّين ؛ حتّى تمتلأ قلوب الناس فزعاً وخوفاً , وتظهر مقدرة الاُمويِّين وغلبتهم على آل الرسول .
    وقد سُيّرت رؤوس العترة الطاهرة مع الأثيم زهير بن قيس الجعفي ، كما سُيّرت العائلة النبويّة مع محفر بن ثعلبة من عائدة قريش ، وشمر بن ذي الجوشن ، وقد أوثقت بالحبال , وأُركبت على أقتاب الجمال , وهنَّ بحالة تقشعر منها ومن ذكرها الأبدان ، وترتعد لها فرائص كلّ إنسان(1) .
    وسارت قافلة الأسرى لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى القرب من دمشق ، فاُقيمت هناك حتّى تتزيّن البلد بمظهر الزهو والأفراح .

    ومن الجدير بالذكر أنّ مخدّرات النبوّة وباقي الأسرى قد التزموا جانب الصمت , فلم يطلبوا أيّ شيء من اُولئك الأنذال الموكّلين بهم ؛ وذلك لعلم العلويات بعدم الاستجابة لأيّ شيء من مطالبهنَّ .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) تحفة الأنام في مختصر الإسلام / 84 .وأمرت حكومة دمشق الدوائر الرسمية وشبه الرسمية بإظهار الزينة والفرح للنصر الذي أحرزته بقتل أبناء النبي (صلّى الله عليه وآله) .

    ووصف بعض المؤرّخين تلك الزينة بقوله : ولمّا بلغوا ـ أي أُسارى أهل البيت (عليهم السّلام) ـ ما دون دمشق بأربعة فراسخ استقبلهم أهل الشام وهم ينثرون النثار فرحاً وسروراً حتّى بلغوا بهم قريب البلد ، فوقفوهم عن الدخول ثلاثة أيام وحبسوهم هناك حتّى تتوفّر زينة الشام وتزويقها بالحليّ والحلل , والحرير والديباج , والفضة والذهب وأنواع الجواهر ، على صفة لم يرَ الراؤون مثلها لا قبل ذلك اليوم ولا بعده .

    ثمّ خرج الرجال والنساء ، والأصاغر والأكابر ، والوزراء والأمراء ، واليهود والمجوس والنصارى وسائر الملل إلى التفرّج , ومعهم الطبول والدفوف , والبوقات والمزامير ، وسائر آلات اللهو والطرب ، وقد كحّلوا العيون وخضّبوا الأيدي ، ولبسوا أفخر الملابس , وتزيّنوا أحسن الزينة ، ولم يرَ الراؤون أشدّ احتفالاً ولا أكثر اجتماعاً منه ، حتّى كأن الناس كلّهم حشروا جميعاً في صعيد دمشق(1) .
    لقد أبدى ذلك المجتمع الذي تربّى على بغض أهل البيت (عليهم السّلام) جميع ألوان الفرح والسرور بإبادة العترة الطاهرة وسبي حرائر النبوّة .
    وروى سهل بن سعد الساعدي ما رآه من استبشار الناس بقتل الحسين (عليه السّلام) ، يقول : خرجت إلى بيت المقدس حتّى توسّطت الشام ، فإذا أنا بمدينة مطّردة الأنهار , كثيرة الأشجار ، قد علّقت عليها الحجب والديباج , والناس فرحون مستبشرون ، وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول ، فقلت في نفسي : إنّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه ؟!

    فرأيت قوماً يتحدّثون , فقلت لهم : ألكم بالشام عيد لا نعرفه ؟
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 369 .
    الصفحة (295)

    ـ نراك يا شيخ غريباً ؟
    ـ أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
    ـ يا سهل ، ما أعجبك أن السماء لا تمطر دماً ، والأرض لا تنخسف بأهلها !
    ـ وما ذاك ؟
    ـ هذا رأس الحسين يُهدى من أرض العراق .
    ـ وا عجباً ! يُهدى رأس الحسين والناس يفرحون ! من أيّ باب يدخل ؟

    وأشاروا إلى باب الساعات ، فأسرع سهل إليها ، وبينما هو واقف وإذا بالرايات يتبع بعضها بعضاً ، وإذا بفارس بيده لواء منزوع السنان وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وهو رأس أبي الأحرار ، وخلفه السبايا محمولة على جمال بغير وطاء .

    وبادر سهل إلى إحدى السيّدات فسألها : مَنْ أنتِ ؟
    ـ أنا سكينة بنت الحسين .
    ـ ألك حاجة ؛ فأنا سهل صاحب جدّك رسول الله ؟
    ـ قل لصاحب هذا الرأس أن يقدّمه أمامنا حتّى يشتغل الناس بالنظر إليه , ولا ينظرون إلى حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
    وأسرع سهل إلى حامل الرأس فأعطاه أربعمئة درهم فباعد الرأس عن النساء(1) .
    الشامي مع زين العابدين (عليه السّلام)

    وانبرى شيخ هرم يتوكّأ على عصاه ليمتّع نظره بالسبايا ، فدنا من الإمام زين العابدين (عليه السّلام) , فرفع عقيرته قائلاً :
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 370 .
    الصفحة (296)

    الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم .
    وبصر به الإمام (عليه السّلام) فرآه مخدوعاً قد ضلّلته الدعاية الاُمويّة , فقال له : (( يا شيخ ، أقرأت القرآن ؟ )) .
    فبُهت الشيخ من أسير مكبول ، فقال له بدهشة : بلى !
    ـ (( أقرأت قوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، وقوله تعالى : ( وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) ، وقوله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ؟ )) .
    وبُهر الشيخ وتهافت فقال : نعم ، قرأت ذلك !
    فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( نحن والله القربى في هذه الآيات . يا شيخ ، أقرأت قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟ )) .
    ـ بلى .
    ـ (( نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير )) .
    ولمّا سمع الشيخ ذلك من الإمام (عليه السّلام) ذهبت نفسه حسرات على ما فرّط في أمر نفسه ، وتلجلج وقال للإمام (عليه السّلام) بنبرات مرتعشة : بالله عليكم أنتم هم ؟!
    ـ (( وحقّ جدّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّا لنحن هم من غير شكّ )) .
    وودّ الشيخ أنّ الأرض قد وارته ولم يجابه الإمام بتلك الكلمات القاسية ، وألقى بنفسه على الإمام وهو يوسع يديه تقبيلاً ، ودموعه تجري على سحنات وجهه قائلاً : أبرأ إلى الله ممّن قتكلم .
يعمل...
X