بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين
لقد بلغت الجرأة والوقاحة بالأمويين وأعوانهم إلى الاعتداء على الساحة الإلهية، فصوروا بعض القرآن نازلا وفق آراء عمر ورغباته، ومن هذه الأحاديث الكاذبة: أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل القرآن (1). وأخرج ابن عساكر عن علي قال: إن في القرآن لرأيا من رأي عمر! وأخرج عن ابن عمر مرفوعا: ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر. وذكر أبو عبد الله الشيباني وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعا (2). الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين
وذكروا وقوف الله سبحانه إلى جنب عمر مخطئا النبي (صلى الله عليه وآله): لما أكثر رسول الله عليه الصلاة والسلام من الاستغفار لقوم، قال عمر سواء عليهم، فأنزل الله { سواء عليهم أستغفرت لهم }. ولما استشار عليه الصلاة والسلام الصحابة في الخروج إلى بدر، أشار عمر بالخروج، فنزلت: { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } (3). وقوله تعالى: { من كان عدوا لجبريل } (4) الآية، قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة وأقربها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا لقي عمر، فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا. فقال له عمر: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين، فنزلت على لسان عمر! أي عمر يقول والله ينطق على لسانه والعياذ بالله من سكرة ونشوة وكفر بني أمية وطلقاء مكة واليهود الذين رفعوا بعضا إلى أعلى مما يتصور حقدا على أعدائهم لا حبا بهم. ومن جملة ما أوردوه من موضوعات رثة وبالية في رفع عمر على باقي البشرية ومنهم النبي (صلى الله عليه وآله) أنهم ذكروا موضوع الاستئذان في الدخول، وذلك أنه دخل عليه غلامه، وكان نائما، فقال عمر: اللهم حرم الدخول. فنزلت آية الاستئذان! (5)
إذا لولا رغبة عمر لبقي الأمر مباحا، وعلى هذه الحال يكون الأمر على هذه الشاكلة: عمر يقول ويرى، والله تعالى يدون ويكتب، والنبي (صلى الله عليه وآله) يبلغ! ومن أعاجيب الحديث الكاذب عن ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، قال إختصم رجلان إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فأتينا إليه، فقال الرجل: قضى لي رسول الله عليه الصلاة والسلام على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر، فقال: يا رسول الله، قتل عمر - والله صاحبي، فقال: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن، فأنزل الله { فلا وربك لا يؤمنون } (6) فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله! وفي هذه الرواية أراد المخترع تصوير عمر بكونه القاضي المشهور بين الناس بعدله بحيث يرفض بعض المسلمين أحكام النبي (صلى الله عليه وآله) في الدعاوى، ويطلبون حكم عمر، ولم يعرف عمر بالقضاء؟ والمعروف عنه الصفق في الأسواق مشغولا في البيع والشراء. فتصور واضع الرواية أن عمر حكم بكفر ذلك الرجل وحلية دمه، والنبي (صلى الله عليه وآله) أفتى بكونه مؤمنا وعدم حلية دمه... فخطأ الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله)، وصحح فعل عمر بعدم إيمان ذلك الرجل، وأنزل تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون }! بينما جاء في تفسير الكشاف حول الآية ما يلي: قيل: نزلت في شأن المنافق اليهودي، وقيل: في شأن الزبير وحاطب بن أبي بتلعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شراج من الحرة كانا يسقيان بها النخل، فقال (صلى الله عليه وآله): اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب حاطب وقال: لأنه كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك، فكان (صلى الله عليه وآله) قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ (أغضب) رسول الله (صلى الله عليه وآله) إستوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وأيم الله، لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى، فدعانا إلى التوبة منه، وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا... وروي عن عمر أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك (7). إذن نزلت الآية في قضاء النبي (صلى الله عليه وآله) بين اثنين كما ذكر الكشاف. ومن الذين أيدوا نزول القرآن وفق رغبات عمر هو النووي. إذ ذكر في التهذيب: نزل القرآن بموافقته (عمر) في أسرى بدر وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم، وفي تحريم الخمر، وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تحريمها (8). في حين كانت الحقيقة كالتالي: قال محمد الأبشيهي المحلي المتوفى سنة 850 هجرية قد أنزل الله في الخمر ثلاث آيات: الأولى في قوله: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير ومنافع للناس } فكان من المسلمين من شارب ومن تارك، إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر فنزل قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } (9) فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها، حتى شربها عمر فأخذ بلحي بعير وشج به رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر، وهو يقول:
وكائن بالقليب قليب بدر * من الفتيان والعرب الكرام
أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهام
أيعجز أن يرد الموت عني * وينشرني إذا بليت عظامي
ألا من مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابي * وقل لله يمنعني طعامي
فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرج مغضبا يجر رداءه فرفع شيئا كان في يده فضربه. فقال أعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأنزل الله تعالى: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } فقال عمر: إنتهينا، إنتهينا (10). وذكر محمد بن جرير الطبري: فأنزل الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } (11) فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها فيما زعم رجل (أسقطوا اسم عمر) فجعل ينوح على قتلى بدر: أيعجز أن يرد الموت عني * وينشرني إذا بليت عظامي
ألا من مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابي * وقل لله يمنعني طعامي
تحي بالسلامة أم عمرو * وهل لك بعد رهطك من سلام
ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقب عن هشام
وود بنو المغيرة لو فدوه * بألف من رجال أو سوام
كأني بالطوي طوي بدر * من الشيزي يكلل بالسنام
كأني بالطوي طوي بدر * من الفتيان والحلل الكرام (12)
فغير النووي منزلة عمر من شارب للخمر إلى سائل عنها!!!!
اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله والائمة الميامين من آله وسلم تسليماً كثيرا
ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقب عن هشام
وود بنو المغيرة لو فدوه * بألف من رجال أو سوام
كأني بالطوي طوي بدر * من الشيزي يكلل بالسنام
كأني بالطوي طوي بدر * من الفتيان والحلل الكرام (12)
فغير النووي منزلة عمر من شارب للخمر إلى سائل عنها!!!!
اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله والائمة الميامين من آله وسلم تسليماً كثيرا
المصادر
(1) السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء 122
(2) فضائل الإمامين، أبو عبد الله الشيباني.
(3) الأنفال، 5.
(4) البقرة، 97.
(5) تاريخ الخلفاء للسيوطي 124.
(6) النساء، 65.
(7) تفسير الكشاف، جاد الله الزمخشري 1 / 530.
(8) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 122
(9) النساء، 43.
(10) المستطرف 2 / 260، تاريخ المدينة المنورة لابن شبة 3 / 863.
(11) النساء، 43.
(12) جامع البيان 2 / 211.