إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

(سياحة في الغرب) 2 _تدوين صحيفة الأعمال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • (سياحة في الغرب) 2 _تدوين صحيفة الأعمال

    بسم الله الرحمن الرحيم

    المؤلف :سيد محمد حسن النجفي القوجاني .


    عندما بقيتُ وحدي رحت أُفكر في حالي وفي ما قاله الهادي، فأدركتُ أن حالات الإنسان ومسيرته في العالم المادّي ما هي إلاَّ حلم نراه، ثمّ نستيقظ ونصحو، ونرى تعبيره في الظاهر المرئي. عنإن قول ذي القَرنين في الظلمات: « إنّ مَن يحمل معه مِن هذا الحصى ويصل إلى حيث النور يندم على ما فعل، ومن لم يحمل معه منه يندم أيضاً » كناية عن هذه الحال المزدوجة التي تمرّ بالإنسان في الدنيا والآخرة، إذ إنّ كلّ فرد يشعر بالندم بقدرٍ ما: يَا حَسْرتَى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ (1)، إلاّ أنّ الندم لا ينفع الآن، فقد اُغلق باب التوبة.
    وفيما أنا في هذا الغمّ والهمّ غلبني النعاس، ولم تمضِ فترة طويلة حتّى أحسست أنّ شخصين أحدهما حسن الوجه، والآخر قبيحه، يجلسان على يميني ويساري، ويتشمّمان كلّ عضو من أعضائي على انفراد، من أخمص قدمي حتّى هامة رأسي، ثمّ يكتبان شيئاً في ورقة طويلة بيديهما، ومعهما عُلَب صغيرة وكبيرة يضعان فيها أشياء، ثمّ يختمانها بالشمع الأحمر، وكانا يكرّران اسم بعض الأعضاء مرّات، كالقلب، والمخيلة، والتوهّم، والعينين، واللسان، والاُذن، ويتحادثان ثمّ يعودان إلى التشمّم مرّة ثانية وثالثة، ثمّ يكتبان أشياء، ويضبطانها في تلك العلب. وقد بقيت بلا حَراك حتّى لا أشعرهما بيقظتي، ولكنّي كنت شديد الخوف من دقّتهما في تفتيش صادراتي ووارداتي .
    لقد أدركت إجمالاً أنّهما يكتبان ويضبطان سيّئاتي وحسناتي، وأنّ ذلك الحسن الصورة كان يريد لي الخير، لأنّي عرفت ممّا كان يجري بينهما من حديث أنّه كان يمنع الآخر من تسجيل السيئات التي تُبتُ عنها، أو من إزالة عمل صالح؛ وكان هذا الشخص كالإكسير الذي يحيل النحاس إلى ذهب، فأحببته لذلك.
    وبعد أن انتهى كلّ شيء طَوَيا السجلّ الخاصّ بي وطوّقا به رقبتي، ثمّ جمعا تلك العُلَب في كيس ووضعاه فوق رأسي، ثمّ أتَيا بقفص من الحديد الصلب كأنّه صنع خصّيصاً لجسمي، فوضعاني فيه وراحا يديران ما فيه من مقابض ولَوالِب، فأخذ القفص يضيق ويضيق، وأطبق عليّ إطباقاً أحسست معه أنّ نَفَسي يكاد ينقطع، ولم أستطع حتّى الصراخ، إلاّ أنّهما كانا ماضيَين في إدارة تلك المقابض واللوالب حتّى أصبح القفص الذي وسعني في البداية ضئيلاً صغيراً لا يتجاوز حجم أنبوبة صغيرة، فتحطّمت عظامي جميعاً، واعتُصر كلّ ما فيّ من دهن وخرج كالنفط الأغبر، وفقدت وعيي، ولم أعد أدرك شيئاً بعد ذلك.

    عدت إلى نفسي بعد برهة لأرى رأسي في حجر الهادي مرة اُخرى، فقلت له: «اعذرني على عدم تمكّني من النهوض».
    لقد كانت عظامي محطّمة، وما زالت أنفاسي ثقيلة، وكلماتي متقطعة، وصوتي ضعيفاً، والدموع تجري على وجهي، وكنت كالعاتب على الهادي، إذ إنّ الضغط الأوّل كان في غيابه.
    إلاّ أنّ الهادي أخذ يهوّن عليّ قائلاً: « إنّ ما رأيتَ كان من لوازم المرحلة الاُولى في هذا العالم، ولا يُستثنى منه أحد، لذلك فالبلية إذا عمّت هانت، إلاّ أنّ كلّ شيء قد انتهى، وأرجو أن لا يحدث لك مثل هذا بعد الآن. ثمّ إنّ آلام هذا العالم من مصلحتك، فهذا القفص الذي ظننته من الحديد الصلب إنّما هو خليط الأخلاق الذميمة عند الإنسان، يشتبك بعضها ببعض، وتحيط به في حياته المادّية ، وتتحوّل في هذا العالم إلى هذا القفص الذي يمكن أن يكون مؤلّفاً من آلاف الخصال الذميمة، وإن يكن أصلها ثلاثة: الطمع، والأنانية، والحسد؛ فالأوّل قد أخرج آدم من الجنّة، والثاني هوى بإبليس إلى الحضيض، والثالث ألقى بقابيل في جهنّم، إلاّ أنّ لهذه الثلاثة آلاف الأغصان والأوراق، وهي تختلف من حيث الكمّ والكيف في الأشخاص اختلافاً كبيراً ».
    كان الهادي أثناء حديثه العذب هذا يمرّ بيده على ظهري وجنبي وسائر أعضائي، فتعود العظام المحطّمة سليمة، وتُزايلني الآلام، وتسري فيّ حياة جديدة وقوّة متدفقة.
    لقد تطهّرتْ ملامحي وأعضائي من القَذَر والكدر، وغدت شفافة ساطعة، فأدركتُ أنّ ذلك الضغط كان نوعاً من التطهير لاستخراج ما في الانسان من قاذورات ونفايات وشرور، وهي التي بدت كالنفط الأغبر.

    قال الهادي: « إنّ هذا الكيس كيسك، فافتحه لترى ما فيه ». ففتحته وإذا بعُلَب مختومة وقد كُتب على بعضها « زاد المنزل الفلاني »، وعلى بعضها الآخر « أخطار المنزل الفلاني وعقباته »، وكانت ثمّة أكياس تخصّ منازل معينة، فكان ينبغي فتحها في منازلها الخاصّة.
    فسألت عن العُلب، فقال: « هي ساعات اللّيل والنهار من عمرك الذي صدرتْ فيه منك أعمال سيئة وحسنة، وبعد انتهاء ذلك الوقت ينغلق فمها كما ينغلق شطرا الصَّدَفة، ويبقى ذلك العمل فيها كما تبقى الحبّة في الصدفة، وتحتفظ بها، وتصبح كالعلبة المختومة ».
    قلت: « وما هذا المعلّق برقبتي ؟ ».
    فقال: « هذه صحيفة أعمالك، ففي آخر الأمر ويوم الحساب، لابدّ من تصفية حساب وارداتك ومصروفاتك، وهذا ليس وقته الآن: وكُلَّ إنسانٍ ألْزَمْنَاهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابَاً يَلْقَاهُ مَنْشُورَاً (2).
    ثمّ قال: « أرى أنّ زادك للسفر قليل، فلابدّ من مكوثك هنا بضعة أسابيع، فلعلّ شيئاً يصل إليك من دار الغرور من أصحابك، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: خير الزاد في السفر ما كَثُر. فعليَّ أن أذهب لاُهيّئ لك بطاقة سفر وجواز عبور من سلطان الدين والدنيا. فإذا لم يصل إليك شيء خلال الاُسبوع، فاذهب ليلة الجمعة إلى أهلك، فلعلّهم يتذكّرونك بطلب الرحمة والمغفرة ».

    ذهب الهادي وبقيت انتظر، ولكنّي كنت في مكان حسن، فقد كنت في غرفة مفروشة بسجاجيد ملوّنة ذات نقوش جميلة.
    انتظرت حتّى ليلة الجمعة، فلم يحصل شيء، فذهبت حسب وصية الهادي إلى بيتي بهيئة طير، وجثمت على غصن شجرة أنظر إلى ما تفعله زوجتي وأبنائي وأقربائي وأصحابي، الذين كانوا اجتمعوا على حدّ قولهم ليصنعوا لي الخيرات، فطبخوا الحساء والرزّ، وأقاموا مجلس عزاء الحسين عليه السّلام وقرأوا الفواتح. ولكنّي رأيت أنّ أعمالهم لا تنفعني في شيء؛ لأنّ الهدف الحقيقي من أعمالهم كان إعلاء سمعتهم عند الناس، ولذلك فهُم لم يَدْعوا للطعام فقيراً واحداً، ولم يكن هدف المدعوّين سوى تناول الطعام وتصريف شؤونهم الخاصّة، فلا استرحام من أجلي، ولا دمعة على الحسين بن عليّ عليه السّلام، بل كانوا يمتعضون إذا ما حصل تأخير في تقديم الخدمات إليهم، ويشتمون الأموات والأحياء. وإذا ما ظهر شيء من الحزن والألم على أهل البيت والأقرباء، فقد كان على أنفسهم وليس عليّ، لكونهم ظلّوا بغير راعٍ بعدي، وليس لهم مَن يَعُولهم ويدبّر اُمورهم.
    وكانوا غارقين في شؤونهم الدنيوية بحيث إنّهم نَسُوني ونسوا أنّ هناك موتاً وداراً اُخرى تنتظرهم، وكأنّ الموت مصيري وحدي وليس لهم نصيب فيه، وكأنّ الله قد ظلمهم ـ والعياذ بالله ـ بموتي، فراحوا يتذمّرون ويحتجّون.

    عدتُ إلى منزلي في المقابر بحال من اليأس والإحساس بالهوان، وكدت ألعن الأهل والأولاد، ولكنّ معرفة الحقيقة منعتني من ذلك، وقلت: « يكفيهم ما هم فيه ولا حاجة لمزيد ».
    دخلت القبر من الثقب الذي كان فيه فوجدت الهادي جالساً وفي وسط الحجرة طبق من التفّاح، فسألته:
    « من أين هذا ؟ ».
    فقال الهادي: « كان أحد الناس يمرّ بين القبور فوقف على قبرك وقرأ الفاتحة، وهذا ثوابها النقدي ».
    فقلت في نفسي: « رحم الله هذا الإنسان الذي جاء في وقته ».


    ورأيت الهادي مشغولاً بتزيين الحجرة، وترتيب مائدة وكراسي من ذهب وفضة، وقد تدلّى من السقف قنديل يسطع ضوؤه كالشمس.
    فسألته: « ماذا حدث حتّى أراك منهمكاً هكذا في تزيين هذه الحجرة مع أنّنا مسافران عنها ؟ ».
    قال: « سمعت أنّ الأئمّة وأولادهم الذين كنت قد زُرتَ قبورهم، والعلماء الذين ذكرتَ أسماءهم في صلواتك الليلية أو قرأت الفاتحة على قبورهم، قد سمعوا بقصدك السفر إلى الآخرة، فعزموا على زيارتك لأداء حقّك ».
    فقلت: « ما أسعدني بهذا التوفيق ! » وزال عنّي ما قد ران عليّ من حزن وهمّ بسبب زيارتي لأهل بيتي، وانتابني فرح شديد لهذا الخبر السارَ
    قلت للهادي: « إنّ هذه الحجرة صغيرة ».
    فقال: « إنّها صغيرة عليك، ولكنّها سوف تتّسع بقدومهم ».

    وفجأة حضروا بوجوه نيّرة وبكلّ عظمة وجلال. وجلس كلّ في مكانه بحسب منزلته، وكان المقدم عليهم جميعاً أبا الفضل العبّاس عليه السّلام وعليّاً الأكبر عليه السّلام فجلسا على منصّة كبيرة، ولكنّهما كانا يلبسان لأمة الحرب، فعجبتُ من ارتدائهما لأمة الحرب في عالم ليس فيه تزاحم ولا تعاند مطلقاً.
    كنت أنا والهادي وبعض الحاضرين واقفين، وقد بهرني جمالهما وجلالهما، ولم تعد عيني تطيق التحول عنهما.
    التفتَ أبو الفضل عليه السّلام إلى الهادي وسأله إن كان قد تسلّم تذكرة العبور من أبيه، فأجاب بالإيجاب؛ ثمّ تلا:
    يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إنْ اسْتَطَعْتُم أنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقْطَارِ السَّماواتِ والأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ (3).
    ثمّ التفت إليّ وقال: « اُبشّرك بالفلاح، فإنّ سلطان ولاية أبي هي تذكرة نجاتك ». فقبّلت الأرض بين يديه امتناناً، ووقفت أبكي من شدّة فرحي بحصول هذه اللقيا.
    وسمعتُ حبيب بن مظاهر ـ الذي كان يقف إلى جواري ـ يخاطبني قائلاً: « لا تخشَ شيئاً في رحلتك المحفوفة بالمخاطر هذه، ولا تيأس من خلاصك؛ لأنّ هؤلاء العظام وآباءهم المعصومين لن ينسوك، فإنّ قدومهم كان بأمر من آبائهم، فهم يُدركون شيعتهم ومحبّيهم في اللحظة الأخيرة، وأمّا هذا اللقاء فهدفه تطمينك وتهدئة روعك، كما أنّ السيدة زينب عليها السّلام تبلّغك سلامها وتقول: إنّها لا تنسى مسيراتك راجلاً للذهاب لزيارة أخيها الحسين عليه السّلام وما كنتَ تلاقيه خلال الطريق من صعوبات ومشاق وجوع وعطش وبكاء »، فقلت: « عليك وعليها السّلام منّي ورحمة الله وبركاته ».

    وسألته لماذا يلبس هذان السيّدان لامة الحرب من بين جميع الحاضرين، مع أنّه لا حرب عندنا هنا ؟
    فتغيّر لون حبيب وامتلأت عيناه بالدموع، وقال: « إنّ عزمهما وإرادتهما في كربلاء على أن يبيدا وحدهما ذلك الجيش الجرّار، لم يتحقّق لهما بسبب المقادير الإلهية التي شاءت أن يحصل ما حصل فلم يستطيعا أن يحققا إرادتهما الحديدية، فبقي ذلك عزيمةً وهمّةً في صدريهما حتّى الآن، وهما ينتظران زمان الرجعة ليُطلقا همتيهما من صدريهما، فتلك العزيمة هي التي تبدو لك في صورة لأمة الحرب ».
    ثمّ ذهب الجميع وبقيت وحدي مع الهادي. عادت الحجرة إلى حجمها الصغير السابق، وزالت عنها معالم الفخامة والزينة. وقلت للهادي: « إنّني لن أذهب مرّةً اُخرى إلى عائلتي، لأنّني يائس من إحسانهم، على الرغم من أنهم يعملون أشياء باسمي، ولكنّها أعمال ظاهريّة فقط، ولا هدف لها سوى دنياهم، ولا حاصل لها سوى زيادة حزني وتعاستي، لذلك سوف أقنع بما عندي، وأصبّر نفسي في المخاطر معتمداً على رحمة الله بفضل هؤلاء العظام ».

    فقال الهادي: « إنّك الآن لست محتاجاً إلى شيء، ففي المنازل الأوّلية الثلاثة التي تبدأ من السنة الخامسة عشرة، وهي سنة التكليف، حتّى السنة الثامنة عشرة، وهي سنة الرشد واستحكام القوة العقلية، لا توجد عقوبات مهمّة على مخالفة الواجبات والمحرّمات، بسبب ضعف العقل وقوّة الشهوات والأهواء. وقد خلق الله العقل أوّلاً، وقال: بك اُعاقب، وبك اُثيب. أي إنّ العقل هو الذي يدور حوله العقاب والثواب، وعليه فإنّ المنازل الثلاثة الاُولى من الرحلة في هذا العالم تكون في الأرض المسموحة، كالمسامحة في أوائل التكليف. وليس فيها مخاطر كبيرة، وإذا كان فيها بعض المخاطر فإنّها سرعان ما تنتهي وتزول. وعليه فلا حاجة لك في مرافقتي، بل سأذهب لأنتظرك في المنزل الرابع. فعليك أن تحمل غداً جرابك على ظهرك، وتسير في هذا الطريق اللاحب المتوجّه إلى القبلة إلى أن تصل إليّ »........... بتبع في (سياحة في الغرب)3_الفراق صعب



    1.سورة الزمر الآية 57
    2.سورة الاسراء الآية 14
    3.سورة الرحمن الآية 33
    التعديل الأخير تم بواسطة الامل الموعود ; الساعة 25-06-2015, 11:43 AM. سبب آخر:
يعمل...
X