حديث الاَريكة :
ويذكّرنا قول أبي بكرفي هذا السياق بحديث الاَريكة الذي روي عن رسول الله (ص) بطرق متعدّدة:
حيث جاءفي مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وأبي داود، والدارميّ، والبيهقيّ(1)، وغيرها: «أنّرسول الله قال: يوشك الرجل متّكىَ على أريكته، يحدّث بحديثي، فيقول بيننا وبينكمكتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه».
وجاء في ذيل بعضالنصوص السابقة: «ألاَ وإنيّ قد أُوتيتُ القرآن ومثله»(2).
وفي آخر: «ألاَ إنّيأُوتيت الكتاب ومثله معه»(3).
وفي ثالث: «يأتيه الاَمر ممّا أمرتُ به أو نهيتعنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتّبعناه»(4).
وروى الخطيبالبغداديّ في كتاب «الكفاية» عن جابر بن عبدالله، أنّ رسول الله (ص) قال: «لعلّأحدكم أن يأتيه حديثٌ من حديثي، وهو متّكىَ على أريكته، فيقول: دَعُونا مِن هذا، ماوجدنا في كتاب الله اتّبعناه»(5).
وروى ابن حزم بسنده عن العرباص بن سارية: أنّهحضر رسول الله (ص) يخطب الناس، وهو يقول: «أيحسب أحدكم متّكئاً على أريكته، قد يظنّ
____________
(1) مسند أحمد 4: 132، سنن ابن ماجة 1: 6|12، سنن أبي داود 4: 200|4604، سنن البيهقيّ 9: 331، دلائل النبوّة 1: 25، 6: 549، الاِحكام لابن حزم 2: 161 الكفاية في علم الدراية: 9.
(2) مسند أحمد 4: 131، الكفاية للخطيب: 8 ـ 10.
(3) مسند أحمد 4: 131، سنن أبي داود 4: 200|4604.
(4) سنن ابن ماجة 1: 6|13، المستدرك 1: 108، الكفاية للخطيب:10، الفقيه والمتفقّه 1:88.
(5) الكفاية: 10.
أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وإنّي والله قد أمرتُووعظتُ ونهيتُ عن أشياء، إنّها لمثل القرآن».
قال ابن حزم: صدق النبيّ (ص) هيمثل القرآن، ولا فرق في وجوب كلّ ذلك علينا.
وقد صدّق الله تعالى هذا، إذ يقول: (مَن يُطعِ الرَّسُولَ فَقدْ أطاعَ الله)(1).
وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّذلك وحي من عند الله تعالى، قال الله عزّ وجلّ: (وما يَنْطِقُ عَنِ الْهوى * إنهُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى)(2).
وقبل أن نترك حديث الاَريكة لنقرأ هذاالنصّ.
«فإذا كانت «الاَريكة» كما يقول أهل اللغة: سريراً مُنَجّداً في قُبّة أوبيت(3)أو مطلق «السرير» كما فسّر به الشافعيّ(4) والحازميّ(5).. فإنّ أو الحاكموالخليفة الذي يحكم الناس ويتحكّم بأُمورهم. وإذا لاحظنا الفعل (يُوشك) الوارد فيكلام الرسول (ص) وهو لفظ يستعمل للدلالة على قرب تحقّق العمل، لاَنّه من أفعالالمقاربة، وإذا بحثنا عن ذلك بين الخلفاء لما وجدنا أقرب عهداً إلى زمان رسول الله (ص) من الخليفة الاَوّل الذي قعد على أريكة الحُكم بعد النبيّ مباشرة، وتصدّىللحديث بعين ما أنبأ به النبيّ (ص)، فيما رواه الذهبيّ: أنّ الصدّيق ـ أبابكرـ جمعالناس، بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفونفيها، والناس بعدكم أشدّ
____________
(1) النساء: 80.
(2) الاَحكام،لابن حزم 1: 159، والآيتان من سورة النجم: 3، 4.
(3) النهاية لابن الاَثير 1: 40.
(4) الرسالة للشافعيّ: 89 91، مناقب الشافعيّ للبيهقيّ 1: 330.
(5) الاعتبار: 7.
اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: (بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله، وحَرِّموا حرامه)(1).
إذا علمنا ذلك،اتضح لنا أنّ أبا بكر لم يأبَ أن يكون هو ذلك الرجل الذي أنبأ الرسول (ص) بمجيئه،متّكئاً علىأريكته، مجابهاً الحديث بقوله: (بيننا وبينكم كتاب الله...).
فكانهذا من أعظم دلائل النبوّة وأوضح أعلامها(2).
والغريب أنّ التاريخ لم يحفظ لنامعارضة للحديث من حاكم مقتدر أشدّ وأقرب عهداً من وفاة النبيّ (ص) من أبي بكر ومنعمر بن الخطّاب. ومن هذا نفهم أنّ غيرهما لم يكن مقصوداً بهذه الاَحاديث. وأمّا منجاء بعدهما فإنّما استَنّ بسنّتهما، ولم يمنع الحديث بأشدّ من منعهما.»(3)
أيُّالمنعَين أَسَبقُ :
بعد هذا كلّه نلتقي بمسألة أُخرى، هي: هل كان منع الخليفةللتدوين والتحديث قد حدث في وقت واحد، أم على التعاقب؟
ظاهر الاَمر أنّ الخليفةالاَوّل لاَسباب نذكرها في السبب الاَخير دوّن الحديث، ثمّ حظر التحديث أوّلاً. ولعلّه كان يتوخّى من ذلك الحظر ممارسة التشريع، والمحافظة على السلطة التشريعيّة،إضافة إلى ما له من سلطة سياسيّة، بمعنى أنّه كان يريد توحيد السلطتين الاِداريّةوالتشريعيّة، ممّا يسهّل تثبيت الخلافة الاِسلاميّة(4).
____________
(1) تذكرة الحفّاظ 1: 2 3.
(2) انظر دلائل النبوّة للبيهقيّ 1: 24 و6: 549.
(3) انظر تدوين السنّة الشريفة: 356، 357، بتصرف.
(4) سيتّضح هذا المدّعى في السببالاَخير إن شاء الله تعالى .
وبعد أن مُنع التحديث تضاعفت الحاجة لتدوينالآثار النبويّة، بسبب رحيل النبيّ (ص)، أوّلاً، وبسبب حظر التحديث من قبل الخليفةثانياً، وبسبب بروز اتّجاه الرأي وتحرّكه في دائرة الفراغ، ممّا اضطرّ بعض الصحابةإلى أن يدوّنوا مسموعاتهم ويحتفظوا بها للاَجيال القادمة، ولذلك ثنّى الخليفةأبوبكر بمنع التدوين بعد منعه التحديث.. وهذا التسلسل في المنع ليس بذي أهمّيّةبالغة إذا ما قيس بتأثير الحدث تاريخيّاً، لاَنّ المنع بكلا شقّيه ـ التحديثيّوالتدوينيّـ كان في أمد لا يتجاوز الاَربع سنين، وكانت هي البذرة الاَُولى في هذاالسبيل، ثمّ سار على خطاها عمر بن الخطّاب، ومَن بعده من المانعين، واستمرّت ـ إلاّفي خلافة عليّ بن أبي طالبـ حتّى فتح التدوين في زمن متأخّر من العهدالاَمويّ.
والواقع أنّ أبا بكر وعمر وعثمان نجحوا في منع التدوين نجاحاً كبيراً،ولكنّهم لم يلاقوا مثل هذا النجاح في منع التحديث؛ فالصحابة والتابعون وتابعوالتابعين لم يلتزموا بحظر التحديث، وإن كانوا قد تظاهروا بالانصراف عن التدوين، إلىأن فتح عمر بن عبد العزيز باب التدوين.
وحين انفتح التدوين الحكوميّ ـ في زمنالاَمويّينـ صار مقدّمة لشيوع ظاهرة تدوين موضوعات الحديث على مصراعيه، ممّا أتاحللحكّام جمع أكبر عدد من المدوّنين ليدوّنوا لهم ما يروقهم من الاَحاديث بعد أن كانالوضع قد تفشّى منذ أوائل العهد الاَمويّ، وقد فصّلنا الكلام عن هذا في كتابنا «وضوء النبيّ»(1)، وقلنا إنّ معاوية أمر كعب الاَحبار أن يجلس في المسجد ويقصّللناس، كي يضع له ما يريد من أحاديث، ويعارض ما لا يعجبه منها، فكان أنْ وُضِعَ علىلسان الرسول أحاديث كثيرة.
من هنا يمكن أن نقول: إنّ رأي الخليفة أبي بكر هو رأيواحد، بكلا شقّيه. ومفاده الحَجْر على التحديث والتدوين، وإن كان قد علّل منعهللتحديث أوّلاً بتخوّفه من الاختلاف في المرويّات، وأدّاه ذلك إلى دعوته للاَخذبكتاب الله وحده.
____________
(1) وضوء النبيّ: المدخل ص256.
وقداستحكم الشكّ في قلبه ـ بسبب الاختلاف الذي منع على أساسه التحديث ـ فسرى حتّى شملأصحابه العدول المؤتمنين، فغدا يُسقط جميع المرويّات، حتّى التي دوّنها هو بنفسه،ولذلك تشدّد أكثر، وراح يحظر التدوين أيضاً بعد منعه التحديث.
وقد قال الدكتورحسين الحاجّ حسن في كتابه «نقد الحديث» وهو في معرض الكلام عن نشأة الحديث: «أمّاإذا انتقلنا إلى عصر الصحابة وجدناهم غالباً يكرهون تدوين الحديث، بينما يرغبون فيروايته، وهو أمر غريب، يحبّون رواية الحديث ويكرهون تدوينه! سؤال يحتاج إلى بحثوتفسير»(1)!!
هذا هو الظاهر الذي يمكن أن نفهمه من تعلِيلَي أبي بكر، مع أنّواقع المنع يمكن أن يستند إلى أسباب أُخر، غير ما أظهره في هذين التعليلين، إذأوضحنا سقوطهما عن الاعتبار بما مرّ من الاِشكالات.أمّا الاَسباب الواقعيّة للمنع،فسيأتيك وجهها في السبب الاَخير إن شاء الله.
وبذلك عرفنا أنّ تعليل الخليفةلمنع التدوين، تعليل غير مقنع، ولايثبت أمام البحثوالمناقشة.
____________
(1) نقد الحديث 1: 142.
عمر بن الخطاب ومنع تدوين الحديث
ما طرحه الخليفة عمر بنالخطّاب
ويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين:
أ ـ عن عروة بن الزبير: إنّعمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (ص)، فأشارواعليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً، وقد عزم اللهله، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً،فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا أُلبِسُ كتابَ الله بشيءأبداً(1).
وروي عن يحيى بن جعدة: «أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّبدا له أن لا يكتبها. ثمّ كتب في الاَمصار: من كان عنده منها شيء فليمحُه»(2).
بـ عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيديالناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس! إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت فيأيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلايُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّأتاني به، فأرى فيه رأيي.
قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍلا يكون فيه اختلاف، فأتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنار!!
ثمّ قال: أُمنية كأُمنيةأهل الكتاب(3).
وفي الطبقات الكبرى: «مثناة كمثناة أهلالكتاب»(4).
____________
(1) تقييد العلم: 49، حجّيّة السنّة 395 عنالبيهقيّ في المدخل ، وابن عبدالبرّ.
(2) تقييد العلم: 53، حجّيّة السنّة: 395.
(3) حجّيّة السنّة: 395.
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 140.
ويحتمل أن تكون مصحّفة «مشناة» وهي روايات شفويّة دوّنها اليهود ثمّشرحها علماؤهم فسُمّي الشرح جماراً، ثمّ جمعوا بين الكتابين فسمّي مجموعها ـ الاَصلوالشرحـ المشناة(1).
ومن هذين النصّين نفهم أنّ تعليل الخليفة لمنعه تدوينالسنّة الشريفة ينحصر فيما يلي:
1 ـ الخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره.
2 ـ الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن.
أمّا التعليل الاَوّل: فيُرَدُّ عليهبأُمورٌ:
أوّلاً: إنّ هذا التبرير صدر تحت قناعات سابقة ولظروف خاصّة. لقوله: «وإنّي ذكرتُ قوماً...». و«أُمنية كأُمنية أهل الكتاب».
وسنشير إلى تلكالخلفيّات عند عرضنا للسبب الاَخير.
على أنّ هذا التصوّر لا يُستساغ من قبلالخليفة فيما يتّصل بالصحابة الاَوائل، لاَنّ هذه العلّة ممّا لا تشملهم. هذاأوّلاً.
ثانياً: يلاحظ أنّ هذا التعليل ينطوي على غير قليل من الغموض والاِبهام،الاَمر الذي يدعو إلى الشكّ في كونه السبب المباشر لمنع الخليفة، إذ لاينكر أحد منالمسلمين أنّ ترك القرآن والانصراف إلى سواه منهيُّ عنه، وحرام شرعاً، لكنّالادّعاء بأنّ الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى تركه، خلط بَيِّن وكلام غير دقيق؛ إذمن الثابت أنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن هو ما يكون منافياً للقرآن، كالاَخذبالتوراة والاِنجيل، وما فيهما من العقائد والآراء، وأمّا العناية بمفسِّر القرآنومُبيّنه كما قال تعالى للنبيّ (ص): (لتُبَيِّنَ للِنّاسِ)(2) وعدّه موجباً لتركالقرآن وهجرانه فهو إيهام وخلط بين حقّ وباطل.. ذلك أنّ الاِقبال
____________
(1) انظر دلائل النبوّة لاَبي نعيم: 638 ذيل رقم 428، والصحيحمن سيرة النبيّ الاَعظم 1:59، الموسوعة العربيّة الميسّرة: 543 (تلمود)، تدوينالسنّة الشريفة:340، وموسوعة المورد 4: 199 (الجمارة).
(2) النحل : 44 .
على الحديث إقبال على القرآن الكريم في تفسيره والكشف عنمضامينه.
ثالثاً: إنّ تعليل الخليفة هذا يستلزم اتّهام الصحابة بفقدانهم القدرةعلى التمييز بين كلام الله الذي حفظوه وتناقلوه، وبين كلام النبيّ (ص)، الذي صدر فيمقام التفسير والشرح. في حين نعلم أنّ النصّ القرآنيّ بصياغته الخاصّة وبلاغتهالمتميّزة وجذبته الروحيّة ممّا لا يخفى على أحد، وممّا لا يمكن الخلط بينه وبينالحديث. إذ الآيات القرآنية وحدة موضوعيّة مترابطة ونسيج متماسك يستحيل اختلاطهبغيره من الكلام، وإذا أمكن حصول الالتباس في كلمات منه أو آيةٍ مثلاً، وهل هي منالقرآن أم من كلام النبيّ ـ كما أسلفنا حصول ذلك لبعض الصحابةـ فإنّ ذلك أمر جزئيّيمكن علاجه بأن يأمر الخليفة بالتثبّت منه عن طريق سؤال أكثر من صحابيّ، كما فعلذلك أبو بكر عند جمعه القرآن، ولايحتاج علاج هذه القضيّة البسيطة إلى تعميم منعالتحديث والتدوين كما فعل ذلك الخليفة عمر، ولذلك نرى أنّ أبا بكر لم يعلّل منعهللتدوين بالاختلاط لاَنّه حلّ هذا الاحتمال ولم يحوجه إلى اتّخاذ أُسلوب الخليفةعمر.
نعم، يصحّ هذا القول ـ على فرض التنزّل ـ لو اعتبرنا أنّ القرآن والحديث قدكانا بلا تمايز في صحيفة واحدة، ممّا هو مظنّة للخلط وفقدان للتمييز. لكنّ الواقعلم يكن كذلك، ولم يصنع هذا الصنيع المفترض أحد من المسلمين.
وهذه كتب التفسيربالمأثور ماثلة بين أيدي المسلمين، ولم يقع الخلط فيها بين القرآن والاَثر النبويّ،رغم تطاول الاَزمنة وامتداد العصور.
وأمّا التعليل الثاني: وهو الخوف مناختلاط الحديث بالقرآن؛ لقوله: «لا أُلبس كتاب الله بشيء». فيردُّ عليه بأُمورأُخرى، هي:
أوّلاً: إنّ النصّ القرآنيّ يمتاز عن النصّ الروائيّ من حيثالاَُسلوب والبلاغة بمزايا ثابتة، إذ إنّ الاَوّل قد صدر على نحو الاِعجاز، فتحدّىمشركي العرب ـ وهم أهل البراعة في البيانـ أن يأتوا بمثله. وقد تكرّرت هذه الدعوةفي القرآن بأساليب مختلفة وألفاظ قارعة كقوله (قُلْ فَأْتُوا بكتابٍ مِن عِند اللهِ
هُو أهدى مِنْهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادقِيِنَ)(1).
أو: (قُل لَئناجْتَمَعَتِ الاِنْسُ والجِنُّ على أن يَأتُوا بمِثْلِ هذا القُرآنِ لايَأتُونَبِمِثْلِهِ ولو كانَ بَعْضُهُم لبعضٍ ظَهيرا)(2).
وفي آخر: (أمْ يقولونافتْرَاهُ، قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِاسْتَطَعْتُم مِن دونِ اللهِ إنْ كُنتمِ صادقِينَ)(3).
وقوله: (وإنْ كُنتم فيريبٍ ممّا نَزَّلْنا على عبدِنا فاْتُوا بسورةٍ من مثلهِ وادعُوا شُهداءكم من دونِاللهِ إنْ كُنتم صادقين * فإن لَمْ تَفعلوا ولن تَفْعَلوا فاتّقُوا النّارَ التيوَقودُها الناسُ والحجارةُ أُعِدَّت للكافرين)(4).
وقد أدهشهم القرآن في بلاغتهوفصاحته وقوّة تأثيره حتّى قالوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرّ)(5) ، بخلاف حديث رسول اللهالذي لم يكن في مقام التحدّي والاِعجاز.
ثانياً: إنّ كلام النبيّ (ص) جاء علىسبيل تبيين الاَحكام، ولميكن يُعْنَى بالصياغة البلاغيّة كما عني بتبيين الاَحكام،مع الاَخذ بنظر الاعتبار كون بعض الروايات التي صدرت عنه (ص) كانت تُنْقَلبالمعنى.
في حين نعلم أنّ المسلمين كانوا قد عرفوا القرآن وميّزوه وحفظوه،وكانوا يقدّرون منزلته الخاصّة في نفوسهم؛ لما جعل له من منزلة للمتعامل معه،فلايمسّونه بدون طهارة لقوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرون)(6) وكانوايتهادون آياته ويرتّلونها آناء الليل وأطراف النهار.
وإذا كانت عنايتهم بالقرآنإلى هذا الحدّ، وأكثر من هذا الحدّ، فهل يتخوّف بعد ذلك من اختلاطهبالحديث؟!
____________
(1) القصص: 49.
(2) الاِسراء: 88.
(3) هود: 13.
(4) البقرة: 23 24.
(5) القمر : 2 .
(6) الواقعة : 79 .
وكيفيخفى على الصحابة ما جاء على نحو الاِعجاز من القول وبين ما لميكن في مقامالاِعجاز، حتّى يلزمنا القول بأنّ الصحابيّ لا يميّز بينهما؟!
نعم، قد يقال إنّكلام النبيّ (ص) ليس مثل كلام سائر الناس، بل إنّه كلام سيّد البلغاء وأفصح العرب،وإنّه ليضاهي القرآن فصاحة وعمقاً ولذلك لايتيسّر لجميع الناس التمييز بينه وبينالقرآن، ومن أجله يُخشى من حصول الخلط بينه وبين القرآن!
والواقع أنّ هذهالمقارنة فيها كثير من التجوّز، وذلك لاَنّ السنّة النبويّة هي «قول وفعل وتقرير». ولو جرينا مع أصحاب هذا القول لما صحّ أن ينطبق إلاّ على السنّة القوليّة أو بعضالسنّة القوليّة، لاَنّ بين تلك الاَقوال الصادرة عنه (ص) ما يجري مجرى الكلامالمألوف من كلام الآدميّين مضافاً إلى أنّ الكثير من المرويّات عن الرسول كانت تنقلبالمعنى لا باللفظ.
ثالثاً: لو سلّمنا بالقول السابق، فإنّه لا يستلزم القولبلزوم ترك الحديث صيانة للقرآن؛ لاَنّ الحديث مفسِّر القرآن، وأنّ كتابته وتدوينهوكثرة مُدارسته ممّا يخدم المسلم في فهمه للقرآن، ولا تعارض بينه وبينالقرآن.
بلى، إنّ التثبّت في النقل عن رسول الله (ص) هو ما يجب أن يُصار إليهويؤكّد عليه، وهو ما أكّده (ص) بقوله: من كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده منالنار. والمتأمّل في هذه الجملة يراها تقرِّر إمكان مجاراة السنّة النبويّة والكذبعليها، بعكس القرآن الذي لا يمكن لاَحد أن يضاهيه.
بعد هذا نتساءل: كيف ينسب إلىالخليفة عمر بن الخطّاب جهله بهذه الحقائق الواضحة، حتّى يدّعي ما لازِمُه عدمالفرق بين بلاغة القرآن المعجزة وبين بلاغة النصّ النبويّ الشريف؟!
ومن هذا كلّهنخلص إلى أنّ المبرَّرَينِ المطروحَينِ من قبل الخليفة عمربن الخطّاب لمنع حديثرسول الله لا يكفيان في التعليل، فلنبحث عن مبرّر آخر قد نجد فيه الجوابالمقنع.
ويذكّرنا قول أبي بكرفي هذا السياق بحديث الاَريكة الذي روي عن رسول الله (ص) بطرق متعدّدة:
حيث جاءفي مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وأبي داود، والدارميّ، والبيهقيّ(1)، وغيرها: «أنّرسول الله قال: يوشك الرجل متّكىَ على أريكته، يحدّث بحديثي، فيقول بيننا وبينكمكتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه».
وجاء في ذيل بعضالنصوص السابقة: «ألاَ وإنيّ قد أُوتيتُ القرآن ومثله»(2).
وفي آخر: «ألاَ إنّيأُوتيت الكتاب ومثله معه»(3).
وفي ثالث: «يأتيه الاَمر ممّا أمرتُ به أو نهيتعنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتّبعناه»(4).
وروى الخطيبالبغداديّ في كتاب «الكفاية» عن جابر بن عبدالله، أنّ رسول الله (ص) قال: «لعلّأحدكم أن يأتيه حديثٌ من حديثي، وهو متّكىَ على أريكته، فيقول: دَعُونا مِن هذا، ماوجدنا في كتاب الله اتّبعناه»(5).
وروى ابن حزم بسنده عن العرباص بن سارية: أنّهحضر رسول الله (ص) يخطب الناس، وهو يقول: «أيحسب أحدكم متّكئاً على أريكته، قد يظنّ
____________
(1) مسند أحمد 4: 132، سنن ابن ماجة 1: 6|12، سنن أبي داود 4: 200|4604، سنن البيهقيّ 9: 331، دلائل النبوّة 1: 25، 6: 549، الاِحكام لابن حزم 2: 161 الكفاية في علم الدراية: 9.
(2) مسند أحمد 4: 131، الكفاية للخطيب: 8 ـ 10.
(3) مسند أحمد 4: 131، سنن أبي داود 4: 200|4604.
(4) سنن ابن ماجة 1: 6|13، المستدرك 1: 108، الكفاية للخطيب:10، الفقيه والمتفقّه 1:88.
(5) الكفاية: 10.
أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وإنّي والله قد أمرتُووعظتُ ونهيتُ عن أشياء، إنّها لمثل القرآن».
قال ابن حزم: صدق النبيّ (ص) هيمثل القرآن، ولا فرق في وجوب كلّ ذلك علينا.
وقد صدّق الله تعالى هذا، إذ يقول: (مَن يُطعِ الرَّسُولَ فَقدْ أطاعَ الله)(1).
وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّذلك وحي من عند الله تعالى، قال الله عزّ وجلّ: (وما يَنْطِقُ عَنِ الْهوى * إنهُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى)(2).
وقبل أن نترك حديث الاَريكة لنقرأ هذاالنصّ.
«فإذا كانت «الاَريكة» كما يقول أهل اللغة: سريراً مُنَجّداً في قُبّة أوبيت(3)أو مطلق «السرير» كما فسّر به الشافعيّ(4) والحازميّ(5).. فإنّ أو الحاكموالخليفة الذي يحكم الناس ويتحكّم بأُمورهم. وإذا لاحظنا الفعل (يُوشك) الوارد فيكلام الرسول (ص) وهو لفظ يستعمل للدلالة على قرب تحقّق العمل، لاَنّه من أفعالالمقاربة، وإذا بحثنا عن ذلك بين الخلفاء لما وجدنا أقرب عهداً إلى زمان رسول الله (ص) من الخليفة الاَوّل الذي قعد على أريكة الحُكم بعد النبيّ مباشرة، وتصدّىللحديث بعين ما أنبأ به النبيّ (ص)، فيما رواه الذهبيّ: أنّ الصدّيق ـ أبابكرـ جمعالناس، بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفونفيها، والناس بعدكم أشدّ
____________
(1) النساء: 80.
(2) الاَحكام،لابن حزم 1: 159، والآيتان من سورة النجم: 3، 4.
(3) النهاية لابن الاَثير 1: 40.
(4) الرسالة للشافعيّ: 89 91، مناقب الشافعيّ للبيهقيّ 1: 330.
(5) الاعتبار: 7.
اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: (بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله، وحَرِّموا حرامه)(1).
إذا علمنا ذلك،اتضح لنا أنّ أبا بكر لم يأبَ أن يكون هو ذلك الرجل الذي أنبأ الرسول (ص) بمجيئه،متّكئاً علىأريكته، مجابهاً الحديث بقوله: (بيننا وبينكم كتاب الله...).
فكانهذا من أعظم دلائل النبوّة وأوضح أعلامها(2).
والغريب أنّ التاريخ لم يحفظ لنامعارضة للحديث من حاكم مقتدر أشدّ وأقرب عهداً من وفاة النبيّ (ص) من أبي بكر ومنعمر بن الخطّاب. ومن هذا نفهم أنّ غيرهما لم يكن مقصوداً بهذه الاَحاديث. وأمّا منجاء بعدهما فإنّما استَنّ بسنّتهما، ولم يمنع الحديث بأشدّ من منعهما.»(3)
أيُّالمنعَين أَسَبقُ :
بعد هذا كلّه نلتقي بمسألة أُخرى، هي: هل كان منع الخليفةللتدوين والتحديث قد حدث في وقت واحد، أم على التعاقب؟
ظاهر الاَمر أنّ الخليفةالاَوّل لاَسباب نذكرها في السبب الاَخير دوّن الحديث، ثمّ حظر التحديث أوّلاً. ولعلّه كان يتوخّى من ذلك الحظر ممارسة التشريع، والمحافظة على السلطة التشريعيّة،إضافة إلى ما له من سلطة سياسيّة، بمعنى أنّه كان يريد توحيد السلطتين الاِداريّةوالتشريعيّة، ممّا يسهّل تثبيت الخلافة الاِسلاميّة(4).
____________
(1) تذكرة الحفّاظ 1: 2 3.
(2) انظر دلائل النبوّة للبيهقيّ 1: 24 و6: 549.
(3) انظر تدوين السنّة الشريفة: 356، 357، بتصرف.
(4) سيتّضح هذا المدّعى في السببالاَخير إن شاء الله تعالى .
وبعد أن مُنع التحديث تضاعفت الحاجة لتدوينالآثار النبويّة، بسبب رحيل النبيّ (ص)، أوّلاً، وبسبب حظر التحديث من قبل الخليفةثانياً، وبسبب بروز اتّجاه الرأي وتحرّكه في دائرة الفراغ، ممّا اضطرّ بعض الصحابةإلى أن يدوّنوا مسموعاتهم ويحتفظوا بها للاَجيال القادمة، ولذلك ثنّى الخليفةأبوبكر بمنع التدوين بعد منعه التحديث.. وهذا التسلسل في المنع ليس بذي أهمّيّةبالغة إذا ما قيس بتأثير الحدث تاريخيّاً، لاَنّ المنع بكلا شقّيه ـ التحديثيّوالتدوينيّـ كان في أمد لا يتجاوز الاَربع سنين، وكانت هي البذرة الاَُولى في هذاالسبيل، ثمّ سار على خطاها عمر بن الخطّاب، ومَن بعده من المانعين، واستمرّت ـ إلاّفي خلافة عليّ بن أبي طالبـ حتّى فتح التدوين في زمن متأخّر من العهدالاَمويّ.
والواقع أنّ أبا بكر وعمر وعثمان نجحوا في منع التدوين نجاحاً كبيراً،ولكنّهم لم يلاقوا مثل هذا النجاح في منع التحديث؛ فالصحابة والتابعون وتابعوالتابعين لم يلتزموا بحظر التحديث، وإن كانوا قد تظاهروا بالانصراف عن التدوين، إلىأن فتح عمر بن عبد العزيز باب التدوين.
وحين انفتح التدوين الحكوميّ ـ في زمنالاَمويّينـ صار مقدّمة لشيوع ظاهرة تدوين موضوعات الحديث على مصراعيه، ممّا أتاحللحكّام جمع أكبر عدد من المدوّنين ليدوّنوا لهم ما يروقهم من الاَحاديث بعد أن كانالوضع قد تفشّى منذ أوائل العهد الاَمويّ، وقد فصّلنا الكلام عن هذا في كتابنا «وضوء النبيّ»(1)، وقلنا إنّ معاوية أمر كعب الاَحبار أن يجلس في المسجد ويقصّللناس، كي يضع له ما يريد من أحاديث، ويعارض ما لا يعجبه منها، فكان أنْ وُضِعَ علىلسان الرسول أحاديث كثيرة.
من هنا يمكن أن نقول: إنّ رأي الخليفة أبي بكر هو رأيواحد، بكلا شقّيه. ومفاده الحَجْر على التحديث والتدوين، وإن كان قد علّل منعهللتحديث أوّلاً بتخوّفه من الاختلاف في المرويّات، وأدّاه ذلك إلى دعوته للاَخذبكتاب الله وحده.
____________
(1) وضوء النبيّ: المدخل ص256.
وقداستحكم الشكّ في قلبه ـ بسبب الاختلاف الذي منع على أساسه التحديث ـ فسرى حتّى شملأصحابه العدول المؤتمنين، فغدا يُسقط جميع المرويّات، حتّى التي دوّنها هو بنفسه،ولذلك تشدّد أكثر، وراح يحظر التدوين أيضاً بعد منعه التحديث.
وقد قال الدكتورحسين الحاجّ حسن في كتابه «نقد الحديث» وهو في معرض الكلام عن نشأة الحديث: «أمّاإذا انتقلنا إلى عصر الصحابة وجدناهم غالباً يكرهون تدوين الحديث، بينما يرغبون فيروايته، وهو أمر غريب، يحبّون رواية الحديث ويكرهون تدوينه! سؤال يحتاج إلى بحثوتفسير»(1)!!
هذا هو الظاهر الذي يمكن أن نفهمه من تعلِيلَي أبي بكر، مع أنّواقع المنع يمكن أن يستند إلى أسباب أُخر، غير ما أظهره في هذين التعليلين، إذأوضحنا سقوطهما عن الاعتبار بما مرّ من الاِشكالات.أمّا الاَسباب الواقعيّة للمنع،فسيأتيك وجهها في السبب الاَخير إن شاء الله.
وبذلك عرفنا أنّ تعليل الخليفةلمنع التدوين، تعليل غير مقنع، ولايثبت أمام البحثوالمناقشة.
____________
(1) نقد الحديث 1: 142.
عمر بن الخطاب ومنع تدوين الحديث
ما طرحه الخليفة عمر بنالخطّاب
ويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين:
أ ـ عن عروة بن الزبير: إنّعمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (ص)، فأشارواعليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً، وقد عزم اللهله، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً،فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا أُلبِسُ كتابَ الله بشيءأبداً(1).
وروي عن يحيى بن جعدة: «أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّبدا له أن لا يكتبها. ثمّ كتب في الاَمصار: من كان عنده منها شيء فليمحُه»(2).
بـ عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيديالناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس! إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت فيأيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلايُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّأتاني به، فأرى فيه رأيي.
قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍلا يكون فيه اختلاف، فأتَوْه بكتبهم، فأحرقها بالنار!!
ثمّ قال: أُمنية كأُمنيةأهل الكتاب(3).
وفي الطبقات الكبرى: «مثناة كمثناة أهلالكتاب»(4).
____________
(1) تقييد العلم: 49، حجّيّة السنّة 395 عنالبيهقيّ في المدخل ، وابن عبدالبرّ.
(2) تقييد العلم: 53، حجّيّة السنّة: 395.
(3) حجّيّة السنّة: 395.
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 140.
ويحتمل أن تكون مصحّفة «مشناة» وهي روايات شفويّة دوّنها اليهود ثمّشرحها علماؤهم فسُمّي الشرح جماراً، ثمّ جمعوا بين الكتابين فسمّي مجموعها ـ الاَصلوالشرحـ المشناة(1).
ومن هذين النصّين نفهم أنّ تعليل الخليفة لمنعه تدوينالسنّة الشريفة ينحصر فيما يلي:
1 ـ الخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره.
2 ـ الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن.
أمّا التعليل الاَوّل: فيُرَدُّ عليهبأُمورٌ:
أوّلاً: إنّ هذا التبرير صدر تحت قناعات سابقة ولظروف خاصّة. لقوله: «وإنّي ذكرتُ قوماً...». و«أُمنية كأُمنية أهل الكتاب».
وسنشير إلى تلكالخلفيّات عند عرضنا للسبب الاَخير.
على أنّ هذا التصوّر لا يُستساغ من قبلالخليفة فيما يتّصل بالصحابة الاَوائل، لاَنّ هذه العلّة ممّا لا تشملهم. هذاأوّلاً.
ثانياً: يلاحظ أنّ هذا التعليل ينطوي على غير قليل من الغموض والاِبهام،الاَمر الذي يدعو إلى الشكّ في كونه السبب المباشر لمنع الخليفة، إذ لاينكر أحد منالمسلمين أنّ ترك القرآن والانصراف إلى سواه منهيُّ عنه، وحرام شرعاً، لكنّالادّعاء بأنّ الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى تركه، خلط بَيِّن وكلام غير دقيق؛ إذمن الثابت أنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن هو ما يكون منافياً للقرآن، كالاَخذبالتوراة والاِنجيل، وما فيهما من العقائد والآراء، وأمّا العناية بمفسِّر القرآنومُبيّنه كما قال تعالى للنبيّ (ص): (لتُبَيِّنَ للِنّاسِ)(2) وعدّه موجباً لتركالقرآن وهجرانه فهو إيهام وخلط بين حقّ وباطل.. ذلك أنّ الاِقبال
____________
(1) انظر دلائل النبوّة لاَبي نعيم: 638 ذيل رقم 428، والصحيحمن سيرة النبيّ الاَعظم 1:59، الموسوعة العربيّة الميسّرة: 543 (تلمود)، تدوينالسنّة الشريفة:340، وموسوعة المورد 4: 199 (الجمارة).
(2) النحل : 44 .
على الحديث إقبال على القرآن الكريم في تفسيره والكشف عنمضامينه.
ثالثاً: إنّ تعليل الخليفة هذا يستلزم اتّهام الصحابة بفقدانهم القدرةعلى التمييز بين كلام الله الذي حفظوه وتناقلوه، وبين كلام النبيّ (ص)، الذي صدر فيمقام التفسير والشرح. في حين نعلم أنّ النصّ القرآنيّ بصياغته الخاصّة وبلاغتهالمتميّزة وجذبته الروحيّة ممّا لا يخفى على أحد، وممّا لا يمكن الخلط بينه وبينالحديث. إذ الآيات القرآنية وحدة موضوعيّة مترابطة ونسيج متماسك يستحيل اختلاطهبغيره من الكلام، وإذا أمكن حصول الالتباس في كلمات منه أو آيةٍ مثلاً، وهل هي منالقرآن أم من كلام النبيّ ـ كما أسلفنا حصول ذلك لبعض الصحابةـ فإنّ ذلك أمر جزئيّيمكن علاجه بأن يأمر الخليفة بالتثبّت منه عن طريق سؤال أكثر من صحابيّ، كما فعلذلك أبو بكر عند جمعه القرآن، ولايحتاج علاج هذه القضيّة البسيطة إلى تعميم منعالتحديث والتدوين كما فعل ذلك الخليفة عمر، ولذلك نرى أنّ أبا بكر لم يعلّل منعهللتدوين بالاختلاط لاَنّه حلّ هذا الاحتمال ولم يحوجه إلى اتّخاذ أُسلوب الخليفةعمر.
نعم، يصحّ هذا القول ـ على فرض التنزّل ـ لو اعتبرنا أنّ القرآن والحديث قدكانا بلا تمايز في صحيفة واحدة، ممّا هو مظنّة للخلط وفقدان للتمييز. لكنّ الواقعلم يكن كذلك، ولم يصنع هذا الصنيع المفترض أحد من المسلمين.
وهذه كتب التفسيربالمأثور ماثلة بين أيدي المسلمين، ولم يقع الخلط فيها بين القرآن والاَثر النبويّ،رغم تطاول الاَزمنة وامتداد العصور.
وأمّا التعليل الثاني: وهو الخوف مناختلاط الحديث بالقرآن؛ لقوله: «لا أُلبس كتاب الله بشيء». فيردُّ عليه بأُمورأُخرى، هي:
أوّلاً: إنّ النصّ القرآنيّ يمتاز عن النصّ الروائيّ من حيثالاَُسلوب والبلاغة بمزايا ثابتة، إذ إنّ الاَوّل قد صدر على نحو الاِعجاز، فتحدّىمشركي العرب ـ وهم أهل البراعة في البيانـ أن يأتوا بمثله. وقد تكرّرت هذه الدعوةفي القرآن بأساليب مختلفة وألفاظ قارعة كقوله (قُلْ فَأْتُوا بكتابٍ مِن عِند اللهِ
هُو أهدى مِنْهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادقِيِنَ)(1).
أو: (قُل لَئناجْتَمَعَتِ الاِنْسُ والجِنُّ على أن يَأتُوا بمِثْلِ هذا القُرآنِ لايَأتُونَبِمِثْلِهِ ولو كانَ بَعْضُهُم لبعضٍ ظَهيرا)(2).
وفي آخر: (أمْ يقولونافتْرَاهُ، قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِاسْتَطَعْتُم مِن دونِ اللهِ إنْ كُنتمِ صادقِينَ)(3).
وقوله: (وإنْ كُنتم فيريبٍ ممّا نَزَّلْنا على عبدِنا فاْتُوا بسورةٍ من مثلهِ وادعُوا شُهداءكم من دونِاللهِ إنْ كُنتم صادقين * فإن لَمْ تَفعلوا ولن تَفْعَلوا فاتّقُوا النّارَ التيوَقودُها الناسُ والحجارةُ أُعِدَّت للكافرين)(4).
وقد أدهشهم القرآن في بلاغتهوفصاحته وقوّة تأثيره حتّى قالوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرّ)(5) ، بخلاف حديث رسول اللهالذي لم يكن في مقام التحدّي والاِعجاز.
ثانياً: إنّ كلام النبيّ (ص) جاء علىسبيل تبيين الاَحكام، ولميكن يُعْنَى بالصياغة البلاغيّة كما عني بتبيين الاَحكام،مع الاَخذ بنظر الاعتبار كون بعض الروايات التي صدرت عنه (ص) كانت تُنْقَلبالمعنى.
في حين نعلم أنّ المسلمين كانوا قد عرفوا القرآن وميّزوه وحفظوه،وكانوا يقدّرون منزلته الخاصّة في نفوسهم؛ لما جعل له من منزلة للمتعامل معه،فلايمسّونه بدون طهارة لقوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرون)(6) وكانوايتهادون آياته ويرتّلونها آناء الليل وأطراف النهار.
وإذا كانت عنايتهم بالقرآنإلى هذا الحدّ، وأكثر من هذا الحدّ، فهل يتخوّف بعد ذلك من اختلاطهبالحديث؟!
____________
(1) القصص: 49.
(2) الاِسراء: 88.
(3) هود: 13.
(4) البقرة: 23 24.
(5) القمر : 2 .
(6) الواقعة : 79 .
وكيفيخفى على الصحابة ما جاء على نحو الاِعجاز من القول وبين ما لميكن في مقامالاِعجاز، حتّى يلزمنا القول بأنّ الصحابيّ لا يميّز بينهما؟!
نعم، قد يقال إنّكلام النبيّ (ص) ليس مثل كلام سائر الناس، بل إنّه كلام سيّد البلغاء وأفصح العرب،وإنّه ليضاهي القرآن فصاحة وعمقاً ولذلك لايتيسّر لجميع الناس التمييز بينه وبينالقرآن، ومن أجله يُخشى من حصول الخلط بينه وبين القرآن!
والواقع أنّ هذهالمقارنة فيها كثير من التجوّز، وذلك لاَنّ السنّة النبويّة هي «قول وفعل وتقرير». ولو جرينا مع أصحاب هذا القول لما صحّ أن ينطبق إلاّ على السنّة القوليّة أو بعضالسنّة القوليّة، لاَنّ بين تلك الاَقوال الصادرة عنه (ص) ما يجري مجرى الكلامالمألوف من كلام الآدميّين مضافاً إلى أنّ الكثير من المرويّات عن الرسول كانت تنقلبالمعنى لا باللفظ.
ثالثاً: لو سلّمنا بالقول السابق، فإنّه لا يستلزم القولبلزوم ترك الحديث صيانة للقرآن؛ لاَنّ الحديث مفسِّر القرآن، وأنّ كتابته وتدوينهوكثرة مُدارسته ممّا يخدم المسلم في فهمه للقرآن، ولا تعارض بينه وبينالقرآن.
بلى، إنّ التثبّت في النقل عن رسول الله (ص) هو ما يجب أن يُصار إليهويؤكّد عليه، وهو ما أكّده (ص) بقوله: من كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده منالنار. والمتأمّل في هذه الجملة يراها تقرِّر إمكان مجاراة السنّة النبويّة والكذبعليها، بعكس القرآن الذي لا يمكن لاَحد أن يضاهيه.
بعد هذا نتساءل: كيف ينسب إلىالخليفة عمر بن الخطّاب جهله بهذه الحقائق الواضحة، حتّى يدّعي ما لازِمُه عدمالفرق بين بلاغة القرآن المعجزة وبين بلاغة النصّ النبويّ الشريف؟!
ومن هذا كلّهنخلص إلى أنّ المبرَّرَينِ المطروحَينِ من قبل الخليفة عمربن الخطّاب لمنع حديثرسول الله لا يكفيان في التعليل، فلنبحث عن مبرّر آخر قد نجد فيه الجوابالمقنع.
