بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
بحث الخمس عند العلامة العسكري
الخمس في اللغة:
الخمس في اللغة: أخذ واحد من خمسة، وخمست القوم: أخذت خمس أموالهم. اما معناه الشرعي فينبغي لدركه أن نرجع أولا إلى عرف العرب في العصر الجاهلي لمعرفة نظامهم الاجتماعي يومذاك في هذا الخصوص، ثم نعود إلى التشريع الاسلامي لندرس الخمس فيه وندرس أمره بعد ذلك لدى المسلمين بالتفصيل إن شاء الله تعالى. فإلى دراستهما في ما يلي:
أولا: في العصر الجاهلي
كان الرئيس عند العرب يأخذ في الجاهلية ربع الغنيمة ويقال: ربع القوم يربعهم ربعا أي أخذ ربع أموالهم، وربع الجيش أي أخذ منهم ربع الغنيمة، ويقال للربع الذي يأخذه الرئيس: المرباع.
وفي الحديث، قال الرسول لعدي بن حاتم قبل أن يسلم: "انك لتأكل المرباع وهو لا يحل في دينك ".
وقال الشاعر:
لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول
الصفايا ما يصطفيه الرئيس، والنشيطة ما أصاب من الغنيمة قبل ان تصير إلى مجتمع الحي، والفضول ما عجز ان يقسم لقلته فخص به الرئيس.
وفي النهاية: "إن فلانا قد ارتبع أمر القوم، أي انتظر ان يؤمر عليهم، وهو على رباعة قومه أي هو سيدهم".
وفي مادة (خمس) من النهاية: ومنه حديث عدي بن حاتم "ربعت في الجاهلية وخمست في الاسلام" أي قدت الجيش في الحالين، لان الأمير في الجاهلية كان يأخذ ربع الغنيمة وجاء الاسلام فجعله الخمس وجعل له مصاريف، انتهى.
ثانيا: في العصر الإسلامي
هذا ما كان في الجاهلية، أما في الاسلام فقد فرض الخمس في التشريع الاسلامي، وذكر في الكتاب والسنة كما يلي:
أ - الخمس في كتاب الله:
قال الله سبحانه: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شئ قدير" الأنفال / 41.
هذه الآية وإن كانت قد نزلت في مورد خاص، ولكنها أعلنت حكما عاما وهو وجوب أداء الخمس من أي شيء غنموا -أي فازوا به- لأهل الخمس. ولو كانت الآية تقصد وجوب أداء الخمس مما غنموا في الحرب خاصة، لكان ينبغي أن يقول عز اسمه: واعلموا ان ما غنمتم في الحرب، أو ان ما غنمتم من العدى وليس يقول إن ما غنمتم من شيء.
في هذا التشريع: جعل الاسلام سهم الرئاسة الخمس بدل الربع في الجاهلية، وقلل مقداره، وكثر أصحابه فجعله سهما لله، وسهما للرسول، وسهما لذوي قربى الرسول، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل من فقراء أقرباء الرسول، وجعل الخمس لازما لكل ما غنموا من شيء عامة ولم يخصصه بما غنموا في الحرب، وسماه الخمس مقابل المرباع في الجاهلية. ولما كان مفهوم الزكاة مساوقا لحق الله في المال كما أشرنا إليه في ما سبق، فحيث ما ورد في القرآن الكريم حث على أداء الزكاة في ما ينوف على ثلاثين آية، فهو حث على أداء الصدقات الواجبة والخمس المفروض في كل ما غنمه الإنسان، وقد شرح الله حقه في المال في آيتين: آية الصدقة وآية الخمس، كان هذا ما استفدناه من كتاب الله في شأن الخمس.
ب - الخمس في السنة:
أمر الرسول باخراج الخمس من غنائم الحرب ومن غير غنائم الحرب مثل الركاز كما روى ذلك كل من ابن عباس، وأبي هريرة، وجابر وعبادة بن الصامت، وأنس ابن مالك كما يلي: في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأول عن ابن عباس قال: "قضى رسول الله (ص) في الركاز الخمس. "وفي صحيحي مسلم والبخاري، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وموطأ مالك، ومسند أحمد واللفظ للأول: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" وفي بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار.
شرح هذا الحديث: أبو يوسف في كتاب الخراج وقال: كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في قليب جعلوا القليب عقله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتلته معدن جعلوه عقله، فسأل سائل رسول الله (ص) عن ذلك فقال: "العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس" فقيل له: ما الركاز يا رسول الله؟ فقال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت" انتهى.
وفي مسند أحمد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص): "السائمة جبار، والجب جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" قال الشعبي: الركاز الكنز العادي.
وفي مسند أحمد عن عبادة بن الصامت قال: من قضاء رسول الله (ص) ان المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء البهيمة من الانعام وغيرها.
والجبار هو الهدر الذي لا يغرم وقضى في الركاز الخمس.
وفي مسند أحمد عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله (ص) إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا فأخذها فأتى بها النبي (ص) فأخبره بذلك، قال "زنها" فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي "هذا ركاز وفيه الخمس".
وفي مسند أحمد: ان رجلا من مزينة سأل رسول الله مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب والآرام فقال رسول الله ( ص ): "فيه وفي الركاز الخمس".
وفي مادة (سيب) من نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس وفي نهاية الإرب والعقد الفريد وأسد الغابة واللفظ للأول: "وفي كتابه -أي كتاب رسول الله- لوائل بن حجر "وفي السيوب الخمس" السيوب: الركاز". وذكر انهم قالوا: "السيوب عروق الذهب والفضة تسيب في المعدن أي تتكون فيه وتظهر" "والسيوب جمع سيب يريد به -أي يريد النبي بالسيب- المال المدفون في الجاهلية أو المعدن لأنه من فضل الله تعالى وعطائه لمن أصابه". وتفصيل كتاب رسول الله هذا في نهاية الإرب للقلقشندي.
الخمس في كتب الرسول (ص) وعهوده:
أ- في صحيحي البخاري ومسلم وسنن النسائي ومسند أحمد واللفظ للأول: أن وفد عبد القيس لما قالوا لرسول الله (ص): "ان بيننا وبينك المشركين من مضر، وانا لا نصل إليك إلا في أشهر حرم، فمرنا بجمل الامر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه من وراءنا". قال: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان بالله. وهل تدرون ما الايمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله، وأقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم..." الحديث.
إن الرسول لما أمر وفد عبد القيس أن يعطوا الخمس من المغنم، لم يطلب إخراج خمس غنائم الحرب من قوم لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم من خوف المشركين من مضر، وإنما قصد من المغنم معناه الحقيقي في لغة العرب وهو الفوز بالشيء بلا مشقة كما سبق تفسيره، أي أن يعطوا خمس ما يربحون، أو لا أقل من أنه قصد معناه الحقيقي في الشرع وهو "ما ظفر به من جهة العدى وغيرهم".
وكذلك الأمر في ما ورد في كتب عهوده للوافدين إليه من القبائل العربية وفي ما كتب لرسله إليهم، وولاته عليهم مثل ما ورد في فتوح البلاذري، قال: "لما بلغ أهل اليمن ظهور رسول الله وعلو حقه، أتته وفودهم، فكتب لهم كتابا بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأراضيهم وركازهم، فأسلموا ووجه إليهم رسله وعماله لتعريفهم شرايع الإسلام وسننه وقبض صدقاتهم وجزى رؤوس من أقام على النصرانية واليهودية والمجوسية". ثم ذكر هو وابن هشام والطبري وابن كثير واللفظ للبلاذري قال: كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:
ب - بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله، وأن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العشر مما سقى الغرب.
البعل: ما سقي بعروقه، والغرب: الدلو العظيمة.
ج - ومثل ما كتب لسعد هذيم من قضاعة، وإلى جذام كتابا واحدا يعلمهم فرائض الصدقة وأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أبي وعنبسة أو من ارسلاه.
ان الرسول حين طلب من قبيلتي سعد وجذام ان يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أو لمن يرسلاه إليه، لم يكن يطلب منهم خمس غنائم حرب خاضوها مع الكفار، وإنما قصد ما استحق عليهما من الصدقة وخمس أرباحهما.
د - وكذلك ما كتب لمالك بن أحمر الجذامي، ولمن تبعه من المسلمين أمانا لهم ما أقاموا الصلاة واتبعوا المسلمين وجانبوا المشركين وأدوا الخمس من المغنم وسهم الغارمين وسهم كذا وكذا، كتاب.
ه - وما كتب للفجيع ومن تبعه: من محمد النبي للفيج ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة [وأطاع] الله ورسوله، وأعطى من المغانم خمس الله، ونصر النبي وأصحابه، وأشهد على إسلامه، وفارق المشركين فإنه آمن بأمان الله وأمان محمد.
و - وما كتب للاسبذيين: من محمد النبي رسول الله لعباد الله لاسبذيين ملوك عمان، من منهم بالبحرين انهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا حق النبي، ونسكوا نسك المسلمين فإنهم آمنون وان لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النار ثنيا لله ولرسوله، وان عشور التمر صدقة ونصف عشور الحب وان للمسلمين نصرهم ونصحهم وان لهم ارحاءهم يطحنون بها ما شاؤوا.
ان المقصود من حق النبي في هذا الكتاب هو الخمس وحده أو الخمس والصفي معا وقد سبق شرح الصفي.
ز - وكذلك المقصود من "حظ الله وحظ الرسول" هو الخمس في ما كتب " لمن أسلم من حدس ولخم" وأقام الصلاة وأعطى الزكاة وأعطى حظ الله وحظ الرسول وفارق المشركين فإنه آمن بذمة الله وذمه محمد، ومن رجع عن دينه فان ذمة الله وذمة رسوله منه بريئة.. الكتاب.
ح - وفي ما كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه: ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا من المغانم خمس الله وسهم النبي وفارقوا المشركين فان لهم ذمة الله وذمة محمد بن عبد الله.
ط - وفي ما كتب لبني معاوية بن جرول الطائيين: لمن أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من المغانم خمس الله وسهم النبي وفارق المشركين وأشهد على اسلامه انه آمن بأمان الله ورسوله وأن لهم ما أسلموا عليه.
وكتاب آخر لبني جوين الطائيين، أو أنه رواية أخرى للكتاب الأول مع اختلاف يسير في اللفظ.
ي - وفي ما كتب لجهينة بن زيد: ان لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدوا الخمس. وفي التيعة والصريمة، شاتان إذا اجتمعتا فان فرقتا فشاة شاة، ليس على أهل المثير صدقة... .
قال ابن الأثير في نهاية اللغة: "التيعة: اسم لأدنى ما يجب فيه الزكاة". و "الصريمة: القطيع من الإبل والغنم". وقال: "المراد بها -أي بالصريمة- في الحديث في مائة وأحد وعشرين شاة إلى المائتين، إذا اجتمعت ففيها شاتان وإن كانت لرجلين وفرق بينهما ففي كل واحدة منهما شاة" انتهى.
وأهل المنير: أهل بقر الحرث الذي يثير الأرض وليس عليهم فيه صدقة.
ك - وقد ورد في بعض كتب الرسول ذكر "الصفي" بعد لفظ سهم النبي مثل ما ورد في كتابه لملوك حمير الآتي: اما بعد فان الله هداكم بهدايته إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة من المغانم خمس الله وسهم النبي وصفية وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة...الكتاب.
ل - وما ورد في كتابه لبنى ثعلبة بن عامر: من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وخمس المغنم وسهم النبي والصفي فهو آمن بأمان الله. الكتاب.
م - وما ورد في كتابه لبني زهير ألعكليين: أنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأقمتم الصلاة ووآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله، الكتاب.
ن - وما ورد في كتابه لبعض افخاذ جهينة: من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس وسهم النبي الصفي.
ان الصفي في هذه الكتب ويجمع على الصفايا، هو كل ما كانت خالصة لرسول الله من أموال وضياع وعقار بالإضافة إلى سهمه من الخمس كما شرحناه سابقا. وعدا ما أوردنا في ما سبق ورد ذكر الخمس أيضا في كتابين آخرين نسبا إلى رسول الله لم نعتمدهما لما ورد في الأول انه كتبه لعبد يغوث من بلحارث.
ولم يكن الرسول يكتب "لعبد يغوث" ويغوث اسم صنم، بل كان يغير أسماء كهذا مثل عبد العزى الذي بدله بعبد الرحمن، وعبد الحجر. وعبد عمرو الأصم الذي بدلهما بعبد الله.
والكتاب الثاني قيل، انه كتبه لنهشل بن مالك الوائلي وقد بدء فيه بلفظ "باسمك اللهم" بدلا من بسم الله الرحمن الرحيم الذي كان الرسول يبدء به كتبه.
في ما مر من كتب وعهود عندما كتب الرسول لسعد هذيم ان يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أو من يرسلاه، لم يكن يطلب منهم ان يدفعوا خمس غنائم حرب اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحق في أموالهم من خمس وصدقة.
وكذلك في ما كتب لجهينة أن يشربوا ماء الأرض، ويرعوا اكلاءها على أن يؤدوا الخمس والصدقة لم يشترط للخوض في الحرب واكتساب الغنائم دفع الخمس، بل جعل دفع الخمس والصدقة شرطا للانتفاع من مرافق الأرض اي علمهم الحكم الاسلامي في ما يكسبون.
وكذلك عندما علم وفد عبد القيس ان يدفعوا الخمس من المغنم ضمن تعليمهم جملا من الامر ان عملوا بها دخلوا الجنة لم يطلب منهم وهو لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم من خوف المشركين ان يدفعوا إليه خمس غنائم حرب يخوضونها ضد المشركين وينتصرون فيها، بل طلب منهم دفع خمس أرباحهم.
وكذلك في ما كتب من عهد لعامله عمرو بن حزم أن يأخذ الصدقات والخمس من قبائل اليمن، لم يعهد إليه أن يأخذ خمس غنائم حرب اشتركت القبائل فيها. وكذلك في ما كتب لتلك القبائل أو غيرها ان يدفعوا الخمس، وما كتب لغير عمرو بن حزم من عماله ان يأخذوا الخمس من القبائل، ان شأن الخمس في كل تلك الكتب والعهود شأن الصدقة فها وهما حق الله في أموالهم حسبما فرضه الله في أموالهم. ويؤكد ما ذكرناه من أن الخمس فيها ليس خمس غنائم الحرب ويوضحه ان حكم الحرب في الاسلام يخالف ما كان عليه لدى القبائل العربية قبل الاسلام في أن يكون لكل مجموعة أو فرد الاختيار في الإغارة على غير أفراد القبيلة وغير حلفائها لنهب أموالهم كيف ما اتفق، وأنه عند ذاك يملك كل فرد ما نهب وسلب وحرب، وما عليه سوى دفع المرباع للرئيس، ليس الامر هكذا في الاسلام ليصح للنبي أن يطالبهم بالخمس بدل الربع في ما يثيرون من حرب على غيرهم، لا. ليس لفرد مسلم في الاسلام ولا لجماعة اسلامية فيه أن يعلن الحرب على غير المسلم من تلقاء نفسه ويسلب وينهب كما يشاء ويقدر! وإنما الحاكم الاسلامي هو الذي يقدر ذلك ويقرر وفق قوانين الشرع الاسلامي، والفرد المسلم ينفذ قراره، ثم أن الحاكم الاسلامي بعد ذلك، أو نائبه هما اللذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب، ولا يملك أحد الغزاة عدا سلب القتيل شيئا مما سلب، وإنما يأتي كل غاز بما سلب إليهما، والا عد من الغلول العار على أهله وشنار ونار يوم القيامة، والحاكم الاسلامي هو الذي يعين بعد اخراج الخمس للراجل سهمه وللفارس سهمه، ويرضخ للمرأة، وقد يشرك الغائب عن الحرب في الغنيمة ويعطى للمؤلفة قلوبهم اضعاف سهم المؤمن المجاهد. وإذا كان اعلان الحرب واخراج خمس غنائم الحرب على عهد النبي من شؤون النبي في هذه الأمة فماذا يعنى طلبه الخمس من الناس وتأكيده ذلك في كتاب بعد كتاب وعهد بعد عهد إن لم يكن الخمس في تلك الكتب والعهود مثل الصدقة مما يجب في أموال المخاطبين وليس خاصا بغنائم الحرب. وعلى هذا فلابد إذا من حمل لفظ الغنائم والمغنم في تلك الكتب والعهود على معناهم اللغوي: "الفوز بالشيء بلا مشقة"، أو معناهما الشرعي: "ما ظفر به من جهة العدى وغيره". أضف إلى هذا ما ذكرناه بتفسير الغنيمة في أول البحث من أن الغنيمة أصبحت حقيقة في غنائم الحرب في المجتمع الاسلامي بعد تدوين اللغة لا قبله.
ولا يصح مع هذا، حمل ما ورد في حديث الرسول على ما تعارف عليه الناس قرابة قرنين بعده، وأما ما ورد في بعض تلك الكتب والعهود بلفظ "حظ الله وحظ الرسول"، أو "حق النبي"، أو "سهم النبي" وما شابهها، فان تفسيرها في الآية الكريمة "واعلموا ان ما غنمتم من شيء فان الله خمسه وللرسول..." وفي السنة النبوية التي تبين هذه الآية وتشرحها حيث تعينان سهم الله وسهم النبي في "المغنم" وهو الخمس وهو أيضا حقهما وحظهما.
وبعد ما ثبت مما أوردناه في ما سبق ان النبي كان يأخذ الخمس من غنائم الحرب ومن غير غنائم الحرب، ويطلب ممن أسلم ان يؤدى الخمس من كل ما غنم عدا ما فرض فيهن الصدقة، بعد هذا نبحث في ما يلي عن مواضع الخمس.
مواضع الخمس في الكتاب والسنة: في القرآن الكريم:
نصت آية الخمس أن الخمس لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فمن هم ذو القربى؟ ومن هم من ذكروا بعده؟
أ - ذو القربى:
ان شأن ذي القربى، والقربى، وأولى القربى، في كلام شأن الوالدين فيه فكما أن (الوالدين) أين ما ورد في الكلام قصد منه والدا المذكورين قبله ظاهرا أو مضمرا أو مقدرا، كذلك القربى وأولوه وذووه ومثال المذكور منها ظاهرا قبله في القرآن الكريم قوله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى" التوبة / 113.
فالمراد من "أولى قربى" هنا أولو قربى النبي والمؤمنين المذكورين ظاهرا قبل "أولى القربى".
ومثال المذكور مضمرا قوله تعالى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" الانعام / 152، والمراد من ذي القربى هنا قربى مرجع الضمير في "قلتم" و "اعدلوا".
ومثال المذكور مقدرا قوله تعالى: "وإذا حضر القسمة أولوا القربى" النساء / 8. والمراد قربى الميت المقدر ذكره في ما سبق من الآية، وكذلك شأن سائر ما ورد فيه ذكر ذي القربى وأولي القربى في القرآن الكريم.
وقد جمع الله في الذكر بين الوالدين وذي القربى في مكانين منهما، قال سبحانه: "وبالوالدين إحسانا وذي القربى" البقرة 83، والنساء / 36.
في الآية الأولى قصد والدا بني إسرائيل وذوو قرباهم والمذكور ظاهرا قبلهما، وفي الآية الثانية قصد والدا مرجع الضمير وذووه في "واعبدوا" و "ولا تشركوا" وهم المؤمنون من هذه الأمة.
وإذا ثبت هذا فنقول: لما قال الله سبحانه في آية الخمس "واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى.." فلابد أن يكون المراد من "ذي القربى" هنا ذا قربى الرسول المذكور قبله بلا فاصلة بينهما، وإن لم يكن هذا فذا قربى من قصد الله في هذا المكان!؟ وكذلك المقصود من ذي القربى في قوله تعالى "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى..." هم قربى الرسول وهو الاسم الظاهر المذكور قبله.
وكذلك المقصود من القربى في قوله تعالى "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" هم قربى ضمير فاعل "أسألكم" وهو الرسول.
ب – اليتيم.
اليتيم هو الذي مات أبوه وهو صغير قبل البلوغ.
ج – المسكين.
المسكين هو المحتاج الذي تسكنه الحاجة عما ينهض به الغني.
د - ابن السبيل.وهوالمسافر المنقطع به في سفره.
ويدل سياق آية الخمس على أن المقصود يتامى أقرباء الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم. وأن شأن هذه الألفاظ في الآية، شأن "ذي القربى" المذكور قبلها.
مواضع الخمس في السنة ولدى المسلمين:
كان يقسم، الخمس على ستة: لله وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض.
وعن أبي العالية الرياحي: كان رسول الله يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة هو سهم الله.
تصرح هاتان الروايتان ان الخمس كان يقسم ستة أسهم وهذا هو الصواب لموافقته لنص آية الخمس. وما في رواية أبي العالية بان الرسول كان يجعل سهم الله للكعبة، لعله وقع ذلك مرة واحدة، وأرى الصواب في ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح قال: "خمس الله وخمس رسوله واحد وكان رسول الله يحمل منه ويعطى منه ويضعه حيث شاء ويضع به ما شاء".
ومثلها ما رواه ابن جريج قال: "... أربعة أخماس لمن حضر البأس والخمس الباقي لله ولرسوله خمسه يضعه حيث شاء وخمس لذوي القربى - الحديث ".
الصواب في رواية أبي العالية وابن جريج ما ورد فيهما أن أمر سهم الله وسهم رسوله من الخمس كان إلى رسول الله يحمل منهما ويعطى منهما ويضعهما حيث شاء ويصنع بهما ما شاء.
اما ما يفهم من الروايتين أن "سهم الله وسهم الرسول واحد" فإنه يخالف ظاهر آية الخمس حيث قسم الله فيها الخمس إلى ستة أسهم، إلا إذا قصدوا أن أمر السهمين واحد ولم يقصدوا أن السهمين سهم واحد.
وكذلك لا يستقيم ما رواه قتادة قال: كان نبي الله إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا فكان خمس لله ولرسوله ويقسم المسلمون ما بقي وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله، لرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فكان هذا الخمس خمسة أخماس، خمس لله ولرسوله. الحديث.
ويظهر من رواية ابن عباس في تفسير الطبري أن جعل السهمين سهما واحدا كان بعد النبي قال: "جعل سهم الله وسهم الرسول واحدا، ولذي القربى فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح."
وروى الطبري -أيضا- عن مجاهد أنه قال: كان آل محمد (ص) لا تحل هم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس.
وقال: قد علم الله أن في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.
وقال: هؤلاء قرابة رسول الله (ص) الذين لا تحل لهم الصدقة. وقال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأنفال: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى" الآية. قال نعم، قال فإنكم لأنتم هم؟ قال نعم.
كان هذا تفسير لفظ "ذي القربى" الوارد في آية الخمس وغيرها.
أما اليتامى والمساكين، فقد قال النيسابوري في تفسير الآية: روي عن علي بن الحسين (ع) أنه قيل له: أن الله تعالى قال: "واليتامى والمساكين". فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وروى الطبري عن منهال بن عمر وقال سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا. فقلت لعلي: ان الله يقول: "واليتامى والمساكين وابن السبيل". فقالا: يتامانا ومساكيننا.
إلى هنا اعتمدنا كتب الحديث والسيرة والتفسير لدى مدرسة الخلفاء في ما أوردناه من أمر الخمس، وفي ما يلي مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.
مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت:
تواترت الروايات عن أئمة أهل البيت أن الخمس يقسم على ستة أسهم: سهم منه لله، وسهم منه لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم ذي القربى في عصر الرسول لأهل البيت خاصة ومن بعده لهم، ثم لسائر الأئمة الإثني عشر من أهل البيت وأن السهام الثلاثة لله ولرسوله ولذي القربى للعنوان، وأن سهم الله لرسوله يضعه حيث يشاء وما كان للنبي من سهمه وسهم الله يكون من بعده للإمام القائم مقامه، فنصف الخمس في هذه العصور كملا لإمام العصر، سهمان له بالوراثة وسهم مقسوم له من الله تعالى وهو سهم ذي القربى، وأن هذه الأسهم الثلاثة لإمام العصر من حيث إمامته، والأسهم الثلاثة الأخرى سهم لأيتام بني هاشم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، وهؤلاء هم قربة النبي الذين ذكرهم الله في قوله "وانذر عشيرتك الأقربين". وهو بنو عبد المطلب، الذكر منهم والأنثى، وهم غير أهل بيت النبي.
وملاك الاستحقاق في الطوائف الثلاث أمران:
أ - قرابتهم من رسول الله.
ب - افتقارهم إلى الخمس في مؤنتهم، خلافا لأصحاب السهام الثلاثة الأول الذين كانوا يستحقونها بالعنوان.
ويقسم نصف الخمس على الطوائف الثلاث من بني هاشم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شيء فللوالي وأن عجز أو نقص عن استغنائهم فان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه ان يمولهم لان له ما فضل عنهم.
ويعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى عبد المطلب بالأبوة، فلو انتسبوا بالأم خاصة لم يعطوا من الخمس شيئا وتحل لهم الصدقات لان الله يقول "ادعوهم لآبائهم".
وروي عن الإمام الصادق: أن المطلبي يشارك الهاشمي في سهام الخمس ففي الحديث المروي عنه: "لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، أن الله عز وجل جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثم قال: إن الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة، والصدقة لا تحل لأحد منهم إلا ألا يجد شيئا ويكون ممن حلت له الميتة.
وان ما قبضه واحد من أفراد الطوائف الثلاث من باب الخمس وتملكه، يصبح بعد وفاته كغيره مما تركه ينتقل إلى وارثه، وكذلك ما كان قد قبضه النبي أو الإمام الماضي من الأسهم الثلاثة وتملكه ينتقل بعد وفاته إلى وارثه على حسب ما تقتضيه آية المواريث لا آية الخمس.
الحمد لله رب العالمين
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
بحث الخمس عند العلامة العسكري
الخمس في اللغة:
الخمس في اللغة: أخذ واحد من خمسة، وخمست القوم: أخذت خمس أموالهم. اما معناه الشرعي فينبغي لدركه أن نرجع أولا إلى عرف العرب في العصر الجاهلي لمعرفة نظامهم الاجتماعي يومذاك في هذا الخصوص، ثم نعود إلى التشريع الاسلامي لندرس الخمس فيه وندرس أمره بعد ذلك لدى المسلمين بالتفصيل إن شاء الله تعالى. فإلى دراستهما في ما يلي:
أولا: في العصر الجاهلي
كان الرئيس عند العرب يأخذ في الجاهلية ربع الغنيمة ويقال: ربع القوم يربعهم ربعا أي أخذ ربع أموالهم، وربع الجيش أي أخذ منهم ربع الغنيمة، ويقال للربع الذي يأخذه الرئيس: المرباع.
وفي الحديث، قال الرسول لعدي بن حاتم قبل أن يسلم: "انك لتأكل المرباع وهو لا يحل في دينك ".
وقال الشاعر:
لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول
الصفايا ما يصطفيه الرئيس، والنشيطة ما أصاب من الغنيمة قبل ان تصير إلى مجتمع الحي، والفضول ما عجز ان يقسم لقلته فخص به الرئيس.
وفي النهاية: "إن فلانا قد ارتبع أمر القوم، أي انتظر ان يؤمر عليهم، وهو على رباعة قومه أي هو سيدهم".
وفي مادة (خمس) من النهاية: ومنه حديث عدي بن حاتم "ربعت في الجاهلية وخمست في الاسلام" أي قدت الجيش في الحالين، لان الأمير في الجاهلية كان يأخذ ربع الغنيمة وجاء الاسلام فجعله الخمس وجعل له مصاريف، انتهى.
ثانيا: في العصر الإسلامي
هذا ما كان في الجاهلية، أما في الاسلام فقد فرض الخمس في التشريع الاسلامي، وذكر في الكتاب والسنة كما يلي:
أ - الخمس في كتاب الله:
قال الله سبحانه: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شئ قدير" الأنفال / 41.
هذه الآية وإن كانت قد نزلت في مورد خاص، ولكنها أعلنت حكما عاما وهو وجوب أداء الخمس من أي شيء غنموا -أي فازوا به- لأهل الخمس. ولو كانت الآية تقصد وجوب أداء الخمس مما غنموا في الحرب خاصة، لكان ينبغي أن يقول عز اسمه: واعلموا ان ما غنمتم في الحرب، أو ان ما غنمتم من العدى وليس يقول إن ما غنمتم من شيء.
في هذا التشريع: جعل الاسلام سهم الرئاسة الخمس بدل الربع في الجاهلية، وقلل مقداره، وكثر أصحابه فجعله سهما لله، وسهما للرسول، وسهما لذوي قربى الرسول، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل من فقراء أقرباء الرسول، وجعل الخمس لازما لكل ما غنموا من شيء عامة ولم يخصصه بما غنموا في الحرب، وسماه الخمس مقابل المرباع في الجاهلية. ولما كان مفهوم الزكاة مساوقا لحق الله في المال كما أشرنا إليه في ما سبق، فحيث ما ورد في القرآن الكريم حث على أداء الزكاة في ما ينوف على ثلاثين آية، فهو حث على أداء الصدقات الواجبة والخمس المفروض في كل ما غنمه الإنسان، وقد شرح الله حقه في المال في آيتين: آية الصدقة وآية الخمس، كان هذا ما استفدناه من كتاب الله في شأن الخمس.
ب - الخمس في السنة:
أمر الرسول باخراج الخمس من غنائم الحرب ومن غير غنائم الحرب مثل الركاز كما روى ذلك كل من ابن عباس، وأبي هريرة، وجابر وعبادة بن الصامت، وأنس ابن مالك كما يلي: في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأول عن ابن عباس قال: "قضى رسول الله (ص) في الركاز الخمس. "وفي صحيحي مسلم والبخاري، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وموطأ مالك، ومسند أحمد واللفظ للأول: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): "العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" وفي بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار.
شرح هذا الحديث: أبو يوسف في كتاب الخراج وقال: كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في قليب جعلوا القليب عقله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتلته معدن جعلوه عقله، فسأل سائل رسول الله (ص) عن ذلك فقال: "العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس" فقيل له: ما الركاز يا رسول الله؟ فقال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت" انتهى.
وفي مسند أحمد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص): "السائمة جبار، والجب جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" قال الشعبي: الركاز الكنز العادي.
وفي مسند أحمد عن عبادة بن الصامت قال: من قضاء رسول الله (ص) ان المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء البهيمة من الانعام وغيرها.
والجبار هو الهدر الذي لا يغرم وقضى في الركاز الخمس.
وفي مسند أحمد عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله (ص) إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا فأخذها فأتى بها النبي (ص) فأخبره بذلك، قال "زنها" فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي "هذا ركاز وفيه الخمس".
وفي مسند أحمد: ان رجلا من مزينة سأل رسول الله مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب والآرام فقال رسول الله ( ص ): "فيه وفي الركاز الخمس".
وفي مادة (سيب) من نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس وفي نهاية الإرب والعقد الفريد وأسد الغابة واللفظ للأول: "وفي كتابه -أي كتاب رسول الله- لوائل بن حجر "وفي السيوب الخمس" السيوب: الركاز". وذكر انهم قالوا: "السيوب عروق الذهب والفضة تسيب في المعدن أي تتكون فيه وتظهر" "والسيوب جمع سيب يريد به -أي يريد النبي بالسيب- المال المدفون في الجاهلية أو المعدن لأنه من فضل الله تعالى وعطائه لمن أصابه". وتفصيل كتاب رسول الله هذا في نهاية الإرب للقلقشندي.
الخمس في كتب الرسول (ص) وعهوده:
أ- في صحيحي البخاري ومسلم وسنن النسائي ومسند أحمد واللفظ للأول: أن وفد عبد القيس لما قالوا لرسول الله (ص): "ان بيننا وبينك المشركين من مضر، وانا لا نصل إليك إلا في أشهر حرم، فمرنا بجمل الامر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه من وراءنا". قال: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالايمان بالله. وهل تدرون ما الايمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله، وأقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم..." الحديث.
إن الرسول لما أمر وفد عبد القيس أن يعطوا الخمس من المغنم، لم يطلب إخراج خمس غنائم الحرب من قوم لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم من خوف المشركين من مضر، وإنما قصد من المغنم معناه الحقيقي في لغة العرب وهو الفوز بالشيء بلا مشقة كما سبق تفسيره، أي أن يعطوا خمس ما يربحون، أو لا أقل من أنه قصد معناه الحقيقي في الشرع وهو "ما ظفر به من جهة العدى وغيرهم".
وكذلك الأمر في ما ورد في كتب عهوده للوافدين إليه من القبائل العربية وفي ما كتب لرسله إليهم، وولاته عليهم مثل ما ورد في فتوح البلاذري، قال: "لما بلغ أهل اليمن ظهور رسول الله وعلو حقه، أتته وفودهم، فكتب لهم كتابا بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأراضيهم وركازهم، فأسلموا ووجه إليهم رسله وعماله لتعريفهم شرايع الإسلام وسننه وقبض صدقاتهم وجزى رؤوس من أقام على النصرانية واليهودية والمجوسية". ثم ذكر هو وابن هشام والطبري وابن كثير واللفظ للبلاذري قال: كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:
ب - بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله، وأن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العشر مما سقى الغرب.
البعل: ما سقي بعروقه، والغرب: الدلو العظيمة.
ج - ومثل ما كتب لسعد هذيم من قضاعة، وإلى جذام كتابا واحدا يعلمهم فرائض الصدقة وأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أبي وعنبسة أو من ارسلاه.
ان الرسول حين طلب من قبيلتي سعد وجذام ان يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أو لمن يرسلاه إليه، لم يكن يطلب منهم خمس غنائم حرب خاضوها مع الكفار، وإنما قصد ما استحق عليهما من الصدقة وخمس أرباحهما.
د - وكذلك ما كتب لمالك بن أحمر الجذامي، ولمن تبعه من المسلمين أمانا لهم ما أقاموا الصلاة واتبعوا المسلمين وجانبوا المشركين وأدوا الخمس من المغنم وسهم الغارمين وسهم كذا وكذا، كتاب.
ه - وما كتب للفجيع ومن تبعه: من محمد النبي للفيج ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة [وأطاع] الله ورسوله، وأعطى من المغانم خمس الله، ونصر النبي وأصحابه، وأشهد على إسلامه، وفارق المشركين فإنه آمن بأمان الله وأمان محمد.
و - وما كتب للاسبذيين: من محمد النبي رسول الله لعباد الله لاسبذيين ملوك عمان، من منهم بالبحرين انهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا حق النبي، ونسكوا نسك المسلمين فإنهم آمنون وان لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النار ثنيا لله ولرسوله، وان عشور التمر صدقة ونصف عشور الحب وان للمسلمين نصرهم ونصحهم وان لهم ارحاءهم يطحنون بها ما شاؤوا.
ان المقصود من حق النبي في هذا الكتاب هو الخمس وحده أو الخمس والصفي معا وقد سبق شرح الصفي.
ز - وكذلك المقصود من "حظ الله وحظ الرسول" هو الخمس في ما كتب " لمن أسلم من حدس ولخم" وأقام الصلاة وأعطى الزكاة وأعطى حظ الله وحظ الرسول وفارق المشركين فإنه آمن بذمة الله وذمه محمد، ومن رجع عن دينه فان ذمة الله وذمة رسوله منه بريئة.. الكتاب.
ح - وفي ما كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه: ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا من المغانم خمس الله وسهم النبي وفارقوا المشركين فان لهم ذمة الله وذمة محمد بن عبد الله.
ط - وفي ما كتب لبني معاوية بن جرول الطائيين: لمن أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من المغانم خمس الله وسهم النبي وفارق المشركين وأشهد على اسلامه انه آمن بأمان الله ورسوله وأن لهم ما أسلموا عليه.
وكتاب آخر لبني جوين الطائيين، أو أنه رواية أخرى للكتاب الأول مع اختلاف يسير في اللفظ.
ي - وفي ما كتب لجهينة بن زيد: ان لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدوا الخمس. وفي التيعة والصريمة، شاتان إذا اجتمعتا فان فرقتا فشاة شاة، ليس على أهل المثير صدقة... .
قال ابن الأثير في نهاية اللغة: "التيعة: اسم لأدنى ما يجب فيه الزكاة". و "الصريمة: القطيع من الإبل والغنم". وقال: "المراد بها -أي بالصريمة- في الحديث في مائة وأحد وعشرين شاة إلى المائتين، إذا اجتمعت ففيها شاتان وإن كانت لرجلين وفرق بينهما ففي كل واحدة منهما شاة" انتهى.
وأهل المنير: أهل بقر الحرث الذي يثير الأرض وليس عليهم فيه صدقة.
ك - وقد ورد في بعض كتب الرسول ذكر "الصفي" بعد لفظ سهم النبي مثل ما ورد في كتابه لملوك حمير الآتي: اما بعد فان الله هداكم بهدايته إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة من المغانم خمس الله وسهم النبي وصفية وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة...الكتاب.
ل - وما ورد في كتابه لبنى ثعلبة بن عامر: من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وخمس المغنم وسهم النبي والصفي فهو آمن بأمان الله. الكتاب.
م - وما ورد في كتابه لبني زهير ألعكليين: أنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأقمتم الصلاة ووآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم النبي وسهم الصفي أنتم آمنون بأمان الله، الكتاب.
ن - وما ورد في كتابه لبعض افخاذ جهينة: من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس وسهم النبي الصفي.
ان الصفي في هذه الكتب ويجمع على الصفايا، هو كل ما كانت خالصة لرسول الله من أموال وضياع وعقار بالإضافة إلى سهمه من الخمس كما شرحناه سابقا. وعدا ما أوردنا في ما سبق ورد ذكر الخمس أيضا في كتابين آخرين نسبا إلى رسول الله لم نعتمدهما لما ورد في الأول انه كتبه لعبد يغوث من بلحارث.
ولم يكن الرسول يكتب "لعبد يغوث" ويغوث اسم صنم، بل كان يغير أسماء كهذا مثل عبد العزى الذي بدله بعبد الرحمن، وعبد الحجر. وعبد عمرو الأصم الذي بدلهما بعبد الله.
والكتاب الثاني قيل، انه كتبه لنهشل بن مالك الوائلي وقد بدء فيه بلفظ "باسمك اللهم" بدلا من بسم الله الرحمن الرحيم الذي كان الرسول يبدء به كتبه.
في ما مر من كتب وعهود عندما كتب الرسول لسعد هذيم ان يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أو من يرسلاه، لم يكن يطلب منهم ان يدفعوا خمس غنائم حرب اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحق في أموالهم من خمس وصدقة.
وكذلك في ما كتب لجهينة أن يشربوا ماء الأرض، ويرعوا اكلاءها على أن يؤدوا الخمس والصدقة لم يشترط للخوض في الحرب واكتساب الغنائم دفع الخمس، بل جعل دفع الخمس والصدقة شرطا للانتفاع من مرافق الأرض اي علمهم الحكم الاسلامي في ما يكسبون.
وكذلك عندما علم وفد عبد القيس ان يدفعوا الخمس من المغنم ضمن تعليمهم جملا من الامر ان عملوا بها دخلوا الجنة لم يطلب منهم وهو لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم من خوف المشركين ان يدفعوا إليه خمس غنائم حرب يخوضونها ضد المشركين وينتصرون فيها، بل طلب منهم دفع خمس أرباحهم.
وكذلك في ما كتب من عهد لعامله عمرو بن حزم أن يأخذ الصدقات والخمس من قبائل اليمن، لم يعهد إليه أن يأخذ خمس غنائم حرب اشتركت القبائل فيها. وكذلك في ما كتب لتلك القبائل أو غيرها ان يدفعوا الخمس، وما كتب لغير عمرو بن حزم من عماله ان يأخذوا الخمس من القبائل، ان شأن الخمس في كل تلك الكتب والعهود شأن الصدقة فها وهما حق الله في أموالهم حسبما فرضه الله في أموالهم. ويؤكد ما ذكرناه من أن الخمس فيها ليس خمس غنائم الحرب ويوضحه ان حكم الحرب في الاسلام يخالف ما كان عليه لدى القبائل العربية قبل الاسلام في أن يكون لكل مجموعة أو فرد الاختيار في الإغارة على غير أفراد القبيلة وغير حلفائها لنهب أموالهم كيف ما اتفق، وأنه عند ذاك يملك كل فرد ما نهب وسلب وحرب، وما عليه سوى دفع المرباع للرئيس، ليس الامر هكذا في الاسلام ليصح للنبي أن يطالبهم بالخمس بدل الربع في ما يثيرون من حرب على غيرهم، لا. ليس لفرد مسلم في الاسلام ولا لجماعة اسلامية فيه أن يعلن الحرب على غير المسلم من تلقاء نفسه ويسلب وينهب كما يشاء ويقدر! وإنما الحاكم الاسلامي هو الذي يقدر ذلك ويقرر وفق قوانين الشرع الاسلامي، والفرد المسلم ينفذ قراره، ثم أن الحاكم الاسلامي بعد ذلك، أو نائبه هما اللذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب، ولا يملك أحد الغزاة عدا سلب القتيل شيئا مما سلب، وإنما يأتي كل غاز بما سلب إليهما، والا عد من الغلول العار على أهله وشنار ونار يوم القيامة، والحاكم الاسلامي هو الذي يعين بعد اخراج الخمس للراجل سهمه وللفارس سهمه، ويرضخ للمرأة، وقد يشرك الغائب عن الحرب في الغنيمة ويعطى للمؤلفة قلوبهم اضعاف سهم المؤمن المجاهد. وإذا كان اعلان الحرب واخراج خمس غنائم الحرب على عهد النبي من شؤون النبي في هذه الأمة فماذا يعنى طلبه الخمس من الناس وتأكيده ذلك في كتاب بعد كتاب وعهد بعد عهد إن لم يكن الخمس في تلك الكتب والعهود مثل الصدقة مما يجب في أموال المخاطبين وليس خاصا بغنائم الحرب. وعلى هذا فلابد إذا من حمل لفظ الغنائم والمغنم في تلك الكتب والعهود على معناهم اللغوي: "الفوز بالشيء بلا مشقة"، أو معناهما الشرعي: "ما ظفر به من جهة العدى وغيره". أضف إلى هذا ما ذكرناه بتفسير الغنيمة في أول البحث من أن الغنيمة أصبحت حقيقة في غنائم الحرب في المجتمع الاسلامي بعد تدوين اللغة لا قبله.
ولا يصح مع هذا، حمل ما ورد في حديث الرسول على ما تعارف عليه الناس قرابة قرنين بعده، وأما ما ورد في بعض تلك الكتب والعهود بلفظ "حظ الله وحظ الرسول"، أو "حق النبي"، أو "سهم النبي" وما شابهها، فان تفسيرها في الآية الكريمة "واعلموا ان ما غنمتم من شيء فان الله خمسه وللرسول..." وفي السنة النبوية التي تبين هذه الآية وتشرحها حيث تعينان سهم الله وسهم النبي في "المغنم" وهو الخمس وهو أيضا حقهما وحظهما.
وبعد ما ثبت مما أوردناه في ما سبق ان النبي كان يأخذ الخمس من غنائم الحرب ومن غير غنائم الحرب، ويطلب ممن أسلم ان يؤدى الخمس من كل ما غنم عدا ما فرض فيهن الصدقة، بعد هذا نبحث في ما يلي عن مواضع الخمس.
مواضع الخمس في الكتاب والسنة: في القرآن الكريم:
نصت آية الخمس أن الخمس لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فمن هم ذو القربى؟ ومن هم من ذكروا بعده؟
أ - ذو القربى:
ان شأن ذي القربى، والقربى، وأولى القربى، في كلام شأن الوالدين فيه فكما أن (الوالدين) أين ما ورد في الكلام قصد منه والدا المذكورين قبله ظاهرا أو مضمرا أو مقدرا، كذلك القربى وأولوه وذووه ومثال المذكور منها ظاهرا قبله في القرآن الكريم قوله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى" التوبة / 113.
فالمراد من "أولى قربى" هنا أولو قربى النبي والمؤمنين المذكورين ظاهرا قبل "أولى القربى".
ومثال المذكور مضمرا قوله تعالى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" الانعام / 152، والمراد من ذي القربى هنا قربى مرجع الضمير في "قلتم" و "اعدلوا".
ومثال المذكور مقدرا قوله تعالى: "وإذا حضر القسمة أولوا القربى" النساء / 8. والمراد قربى الميت المقدر ذكره في ما سبق من الآية، وكذلك شأن سائر ما ورد فيه ذكر ذي القربى وأولي القربى في القرآن الكريم.
وقد جمع الله في الذكر بين الوالدين وذي القربى في مكانين منهما، قال سبحانه: "وبالوالدين إحسانا وذي القربى" البقرة 83، والنساء / 36.
في الآية الأولى قصد والدا بني إسرائيل وذوو قرباهم والمذكور ظاهرا قبلهما، وفي الآية الثانية قصد والدا مرجع الضمير وذووه في "واعبدوا" و "ولا تشركوا" وهم المؤمنون من هذه الأمة.
وإذا ثبت هذا فنقول: لما قال الله سبحانه في آية الخمس "واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى.." فلابد أن يكون المراد من "ذي القربى" هنا ذا قربى الرسول المذكور قبله بلا فاصلة بينهما، وإن لم يكن هذا فذا قربى من قصد الله في هذا المكان!؟ وكذلك المقصود من ذي القربى في قوله تعالى "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى..." هم قربى الرسول وهو الاسم الظاهر المذكور قبله.
وكذلك المقصود من القربى في قوله تعالى "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" هم قربى ضمير فاعل "أسألكم" وهو الرسول.
ب – اليتيم.
اليتيم هو الذي مات أبوه وهو صغير قبل البلوغ.
ج – المسكين.
المسكين هو المحتاج الذي تسكنه الحاجة عما ينهض به الغني.
د - ابن السبيل.وهوالمسافر المنقطع به في سفره.
ويدل سياق آية الخمس على أن المقصود يتامى أقرباء الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم. وأن شأن هذه الألفاظ في الآية، شأن "ذي القربى" المذكور قبلها.
مواضع الخمس في السنة ولدى المسلمين:
كان يقسم، الخمس على ستة: لله وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض.
وعن أبي العالية الرياحي: كان رسول الله يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة هو سهم الله.
تصرح هاتان الروايتان ان الخمس كان يقسم ستة أسهم وهذا هو الصواب لموافقته لنص آية الخمس. وما في رواية أبي العالية بان الرسول كان يجعل سهم الله للكعبة، لعله وقع ذلك مرة واحدة، وأرى الصواب في ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح قال: "خمس الله وخمس رسوله واحد وكان رسول الله يحمل منه ويعطى منه ويضعه حيث شاء ويضع به ما شاء".
ومثلها ما رواه ابن جريج قال: "... أربعة أخماس لمن حضر البأس والخمس الباقي لله ولرسوله خمسه يضعه حيث شاء وخمس لذوي القربى - الحديث ".
الصواب في رواية أبي العالية وابن جريج ما ورد فيهما أن أمر سهم الله وسهم رسوله من الخمس كان إلى رسول الله يحمل منهما ويعطى منهما ويضعهما حيث شاء ويصنع بهما ما شاء.
اما ما يفهم من الروايتين أن "سهم الله وسهم الرسول واحد" فإنه يخالف ظاهر آية الخمس حيث قسم الله فيها الخمس إلى ستة أسهم، إلا إذا قصدوا أن أمر السهمين واحد ولم يقصدوا أن السهمين سهم واحد.
وكذلك لا يستقيم ما رواه قتادة قال: كان نبي الله إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا فكان خمس لله ولرسوله ويقسم المسلمون ما بقي وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله، لرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فكان هذا الخمس خمسة أخماس، خمس لله ولرسوله. الحديث.
ويظهر من رواية ابن عباس في تفسير الطبري أن جعل السهمين سهما واحدا كان بعد النبي قال: "جعل سهم الله وسهم الرسول واحدا، ولذي القربى فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح."
وروى الطبري -أيضا- عن مجاهد أنه قال: كان آل محمد (ص) لا تحل هم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس.
وقال: قد علم الله أن في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.
وقال: هؤلاء قرابة رسول الله (ص) الذين لا تحل لهم الصدقة. وقال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الأنفال: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى" الآية. قال نعم، قال فإنكم لأنتم هم؟ قال نعم.
كان هذا تفسير لفظ "ذي القربى" الوارد في آية الخمس وغيرها.
أما اليتامى والمساكين، فقد قال النيسابوري في تفسير الآية: روي عن علي بن الحسين (ع) أنه قيل له: أن الله تعالى قال: "واليتامى والمساكين". فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وروى الطبري عن منهال بن عمر وقال سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا. فقلت لعلي: ان الله يقول: "واليتامى والمساكين وابن السبيل". فقالا: يتامانا ومساكيننا.
إلى هنا اعتمدنا كتب الحديث والسيرة والتفسير لدى مدرسة الخلفاء في ما أوردناه من أمر الخمس، وفي ما يلي مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.
مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت:
تواترت الروايات عن أئمة أهل البيت أن الخمس يقسم على ستة أسهم: سهم منه لله، وسهم منه لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم ذي القربى في عصر الرسول لأهل البيت خاصة ومن بعده لهم، ثم لسائر الأئمة الإثني عشر من أهل البيت وأن السهام الثلاثة لله ولرسوله ولذي القربى للعنوان، وأن سهم الله لرسوله يضعه حيث يشاء وما كان للنبي من سهمه وسهم الله يكون من بعده للإمام القائم مقامه، فنصف الخمس في هذه العصور كملا لإمام العصر، سهمان له بالوراثة وسهم مقسوم له من الله تعالى وهو سهم ذي القربى، وأن هذه الأسهم الثلاثة لإمام العصر من حيث إمامته، والأسهم الثلاثة الأخرى سهم لأيتام بني هاشم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، وهؤلاء هم قربة النبي الذين ذكرهم الله في قوله "وانذر عشيرتك الأقربين". وهو بنو عبد المطلب، الذكر منهم والأنثى، وهم غير أهل بيت النبي.
وملاك الاستحقاق في الطوائف الثلاث أمران:
أ - قرابتهم من رسول الله.
ب - افتقارهم إلى الخمس في مؤنتهم، خلافا لأصحاب السهام الثلاثة الأول الذين كانوا يستحقونها بالعنوان.
ويقسم نصف الخمس على الطوائف الثلاث من بني هاشم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شيء فللوالي وأن عجز أو نقص عن استغنائهم فان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنما صار عليه ان يمولهم لان له ما فضل عنهم.
ويعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى عبد المطلب بالأبوة، فلو انتسبوا بالأم خاصة لم يعطوا من الخمس شيئا وتحل لهم الصدقات لان الله يقول "ادعوهم لآبائهم".
وروي عن الإمام الصادق: أن المطلبي يشارك الهاشمي في سهام الخمس ففي الحديث المروي عنه: "لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، أن الله عز وجل جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثم قال: إن الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة، والصدقة لا تحل لأحد منهم إلا ألا يجد شيئا ويكون ممن حلت له الميتة.
وان ما قبضه واحد من أفراد الطوائف الثلاث من باب الخمس وتملكه، يصبح بعد وفاته كغيره مما تركه ينتقل إلى وارثه، وكذلك ما كان قد قبضه النبي أو الإمام الماضي من الأسهم الثلاثة وتملكه ينتقل بعد وفاته إلى وارثه على حسب ما تقتضيه آية المواريث لا آية الخمس.