بسم الله الرحمن الرحيم
لقد تناولت أقلام العلماء والمفكّرين واقعة الطفّ واستشهاد أبي عبداللَّه الحسين عليه السّلام بالبحث والتحقيق من مختلف الجوانب وشتّى الأبعاد، إلّاأنّ هناك حقائق ما زالت خافية بفعل الظالمين أو تغافل الروّاة والمؤرّخين.
إنّ قضيّة استشهاد سيّد الشهداء وسبط رسول اللَّه أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام بكربلاء لها جذور وأسباب وسوابق، ولها آثار وتوابع ولواحق... وكلّ ذلك بحاجة إلى دراسات عميقة في ضوء المصادر الموثوقة، وقد تناولتها- منذ القرون الأُولى- أقلام المصنّفين بين منصفين وغير منصفين، وإلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين.
فمنهم من ألّف في شرح الواقعة وضبط جزئياتها، ومنهم من كتب في تحليل أسبابها والتحقيق عن جذورها، ومنهم من درس آثارها في الدين وواقع المسلمين...
إنّ ممّا لا شكّ فيه هو تولية معاوية بن أبي سفيان ولدَه يزيد من بعده، وبذله غاية الجهد في تهيئة الأسباب وتصفية الأجواء له، فيكون شريكاً معه في كلّ ما أتى به...
ولكنْ هل كان لمعاوية دورٌ في خصوص قتل الحسين عليه السلام في العراق، بأنْ يكون هو المخطّط للواقعة ويكون ولده المنفّذ لها؟
وإنّ ممّا لا شكّ فيه وجود الأنصار لبني أُميّة في كلّ زمانٍ وفي كلّ لباسٍ... فلمّا رأى هؤلاء أنّ القضية قد انتهت بفضيحة آل أبي سفيان، وأنّه قد لحق العار والشنار للخطّ المناوئ لأهل البيت عليهم السلام إلى يوم القيامة، جعلوا يحاولون تبرئة يزيد وأبيه معاوية واتّهام شيعة الكوفة بأنّهم هم الّذين قتلوا الإمام الحسين عليه السلام، فلماذا يقيمون المآتم عليه ويجدّدون ذكرى الواقعة في كلّ عام؟!
لقد وضعنا هذا البحث لكي نثبت أنْ قتل الإمام الحسين عليه السلام كان بخطّةٍ مدبّرة مدروسة من معاوية بالذات، ثمّ نُفّذت بواسطة يزيد وبأمرٍ منه وإشرافٍ مستمرّ، على يد أنصار بني أُميّة في الكوفة، وساعدهم على ذلك الخوارج... هذا أوّلًا.
وثانياً: إنّ رجالات الشيعة في الكوفة، الّذين كتبوا إلى الإمام عليه السلام واستعدّوا لنصرته، قد شتّتتهم الأيدي الظالمة، بين قتيل مع مسلم ابن عقيل، أو سجينٍ، أو مطارَد لم يتمكّن من الحضور بكربلاء، ومن تمكّن منهم استُشهد.
وثالثاً: إنّ الغرض من الدفاع عن يزيد وتبرير جرائمه، ثمّ الإشكال على الشيعة في إقامة المآتم على السبط الشهيد وأصحابه، إنّما هو التحامي عن اللعن والطعن في معاوية والأعلى فالأعلى.
إنّ البحث سيكون في ثلاث حلقات على طبق الموضوع، فإنّها تتكوّن من حلقة تتعلّق بما قبل الواقعة، وفيها دور معاوية؛ وأُخرى تتعلّق بما بعد الواقعة، وهو دور علماء السوء النواصب؛ وحلقة في الوسط، في دور يزيد، والتحقيق عمّن باشر قتل الإمام عليه السلام ودفع تهمة مشاركة الشيعة في ذلك.
المقدّمة الأُولى: في تأسيس معاوية الدولة الأُموية
إنّ من الأخبار المشتهرة قولة أبي سفيان لمّا تمّت البيعة لعثمان بن عفّان:
«تلقّفوها يا بني أُميّة تلقّف الكرة، فما الأمر على ما يقولون» . «يا بني أُميّة! تلقّفوها تلقّف الكرة»
«قد صارت إليك بعد تيم وعديّ، فأدِرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أُميّة، فإنّما هو الملك، ولا أدري ما جَنّة ولا نار» .
«يا بني عبد مناف! تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جَنّة ولا نار» .
كما رووا أنّه قال حين قُبض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم:
«تلقّفوها الآن تلقّف الكرة، فما من جَنّة ولا نار»
قال المسعودي: «وقد كان عمّار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان، عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أُميّة، فقال أبو سفيان: أفيكم أحد من غيركم...
ونُمِيَ هذا القول إلى المهاجرين والأنصار وغير ذلك الكلام، فقام عمّار في المسجد فقال: يا معشر قريش! أمَا إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ها هنا مرّة وها هنا مرّة! فما أنا بآمن من أن ينزعه اللَّه منكم فيضعه في غيركم، كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله!
وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أُوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم!
فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟!
فقال: إنّي واللَّه لأُحبّهم لحبّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم إيّاهم، وإنّ الحقّ معهم وفيهم.
يا عبد الرحمن! أعجبُ من قريش، وإنّما تطوُّلُهم على الناس بفضل أهل هذا البيت، قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بعده من أيديهم!
أمَا وأَيْمُ اللَّه يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إيّاهم مع النبيّ يوم بدر!
وأضافت بعض الروايات أنّ أبا سفيان قال في كلامه: «فوالذي يحلف به أبو سفيان، ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرَنّ إلى صبيانكم وراثةً» .
قالوا: «وقد مرّ بقبر حمزة رضي اللَّه عنه، وضربه برجله وقال: يا أبا عُمارة، إنّ الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غِلماننا اليوم يتلعّبون به» .
وهذا ما صرّح به معاوية أيضاً في مناسبات مختلفة، ومن ذلك: إنّه لمّا قال له مسلم بن عقبة- مقترحاً عليه أن يعهد بالأمر ليزيد- فقال:
«صدقت يا مسلم! إنّه لم يزل رأيي من يزيد، وهل تستقيم الناس لغير يزيد؟! ليتها في وُلدي وذرّيّتي إلى يوم الدين، وأن لا تعلو ذرّيّة أبي تراب على ذرّيّة آل أبي سفيان» .
وعن زرارة بن أوفى، «أنّ معاوية خطب الناس فقال: يا أيّها الناس! إنّا نحن أحقّ بهذا الأمر، نحن شجرة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وبيضته التي انفلقت عنه، ونحن ونحن. فقال صعصعة: فأين بنو هاشم منكم؟! قال: نحن أسوسُ منهم، وهم خيرٌ منّا».