بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
تدوين أحاديث الامامية
عند الخاصّة شيعة أهل البيت(، فإنّ «من الثابت المتواتر أنّ أهل البيت قد أباحوا التدوين؛ إذ كتب الإمام عليّ صحيفةً عن رسول الله، طولُها سبعون ذراعاً، بخطّه وإملاء رسول الله»(1).
«وقد كانت الصحيفة عند الأئمّة من وُلد عليّ، يتوارثونها، ويحرصون عليها غاية الحرص، فعن الحسن بن عليّ: «وإنّ العلم فينا، ونحن أهله، وهو عندنا مجموعٌ كلُّه بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيءٌ إلى يوم القيامة، حتّى أرش الخدش، إلاّ وهو عندنا مكتوبٌ، بإملاء رسول الله- وبخطّ عليّ% بيده»(2)»(3).
وفي فترة منع التحدث والتدوين كان أئمّة أهل البيت( يتابعون مسيرة رسول الله ، في إرشاد الناس إلى العقيدة الحقّة، وتعليمِهم أحكام دينهم.وكان أصحابُهم، الذين لم يُبالُوا بأمر المنع، يكتبون ما يُلقونه إليهم من حديثٍ.
وكانوا يعتقدون بأنّ ما يخرج منهم( هو عين ما خرج من رسول الله إلى عليّ%، وورثه الأئمّة كابراً عن كابرٍ(4).
وبعبارة أخرى: إنّ شيعة أهل البيت( خرقوا قرار حظر التدوين، فمارسوا كتابة الحديث النبويّ، كما كتبوا حديث أئمّة أهل البيت)، الذين كانوا ينقلون علم رسول الله ـ وهم ورثته ـ إلى الناس.
وعلى أيّ حال «فنهج التدوين والمحافظة على المدوَّنات كان ديدن أهل البيت وأتباعهم، مقابل الإحراق والإتلاف ومنع التحديث والتدوين الذي دأب عليه أصحاب مدرسة الاجتهاد والرأي»(5).
«واستمرّ أمر الشيعة على إباحة التدوين حتّى جاء عصر الإمام الصادق%، فقد ألقت إليه الأمّة المسلمة بأفذاذ أكبادها؛ ليرتووا من معين علمه، وبلغ عدد طلاّب مدرسته أكثر من أربعة آلاف شخص، …وكتبوا من حديث جدّه رسول الله- أربعمائة كتاب، عُرفت عند الشيعة بالأصول الأربعمائة، وقد تضمَّنتها الموسوعات الحديثيّة المؤلَّفة بعد هذه الفترة، وبقيت جملةٌ منها إلى هذا الزمان.
وفي عصر الإمام الكاظم% كان جماعة من أصحابه وشيعته يحضرون مجلسه وفي أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن الكاظم% بكلمةٍ، أو أفتى في نازلة، دوَّنوها.
وقد بلغ ما دوَّنته الشيعة من الحديث الشريف منذ عهد أمير المؤمنين% إلى عهد الحسن العسكريّ% ستّة آلاف كتاب»(6)
في عصر الغيبة بدأ علماء الشيعة المدوَّنات الحديثِيّة الجامِعة، التي حَوَت تلك الكتب بأجمعها.
ولم يُطلِق علماءُ الشيعة على كتبهم اسم «الصحاح» كما فعل العامّة(6)، فهُم لا يرَوْن صحّة جميع ما جاء فيها، بل يعتبرون أنّ غايةَ ما فَعَلَوه هو أنّهم جَمَعوا الحديث المنسوب إلى النبِيّ$، والأئمّة(، فحفظوه بذلك من الضياع والاندثار، وأمّا هل هذه النسبةُ صحيحةٌ أو لا؟ فهذا أمرٌ يختلف فيه العلماء باختلاف مبانيهم.
ومن أبرز هذه الموسوعات الحديثِيّة ـ عند الشيعة ـ ما عُرِف بالكتب الأربعة، وهي:
1ـ «الكافي»، للشيخ محمّد بن يعقوب الكُلَيْنيّ(328 أو 329هـ).
2ـ «مَنْ لا يحضره الفقيه»، للشيخ محمّد بن عليّ الصدوق(381هـ).
3ـ «تهذيب الأحكام»، للشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ(460هـ).
4ـ «الاستبصار في ما اختَلَف من الأخبار»، للشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ(460هـ)»(7).
«وهؤلاء المشايخ الثلاثة ينقلون مرويّاتهم عن الأصول الأربعمائة، وأولئك قد دوّنوا أصولهم عن أئمّة أهل البيت، والأئمّةُ نقلوا الأخبار عن كتاب عليّ، وكتاب عليّ هو إملاء رسول الله ونهج عليّ.
إذن نهج التدوين والتحديث مترابطٌ عند الشيعة لا خدش فيه، وهذا ما يؤكِّد أصالته»(8).
ولا تزال هذه الكتب الأربعة هي العُمدة في الحديث عند الشيعة، غير أنّ هذه الكتب خاصّةٌ بالأحكام الشرعيّة عموماً، كما أنّ أصحابها لم يدوِّنوا فيها إلاّ ما صحّ عندهم من أحاديث الأصول وغيرها، وهكذا كانت الحاجة للمجاميع الحديثيّة التي تحوي أغلب أحاديث أهل البيت(9).
«وفي القرن الحادي عشر برزت مجاميعُ حديثِيّةٌ ضخمةٌ، لها أهمّيّتُها الخاصّة، ومكانُها المتميِّز، وهي:
1ـ «الوافي»، للمولى محمّد بن مرتضى القاسانِيّ، المدعُوّ بالمحسن، والمشتهِر بالفيض الكاشانيّ(1091هـ).
2ـ «بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار»، للعلاّمة محمّد باقر المجلِسِيّ(1111هـ).
3ـ «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، للشيخ محمّد بن الحسن الحُرّ العامِلِيّ(1104هـ)»(10).
وقد نال هذا الكتاب من الشهرة بين العلماء، والمرجعيّة في البحوث الفقهيّة، ما لم ينَلْه غيرُه من الكتب الحديثيّة الأخرى.
(1) محسن الأمين(1371هـ)، أعيان الشيعة 1: 131، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط5، 1418هـ ـ 1998م.
وراجِعْ: الكليني، الكافي 1: 239.
(2) أحمد بن عليّ الطبرسي(560هـ)، الاحتجاج 2: 6 ـ 7، دار النعمان، 1386هـ ـ 1966م.
(3) الشهرستاني، منع تدوين الحديث، أسبابٌ ونتائج: 397.
(4) راجِعْ: رجال النجاشي: 360. وفيه: «عن عذافر الصيرفيّ، قال: كنتُ مع الحَكَم بن عتيبة عند أبي جعفر% فجعل يسأله، وكان أبو جعفر[%] له مُكرِماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر[%]: يا بنيّ، قُمْ، فأخرجْ كتاب عليّ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، وفتحه (ففتحه)، وجعل ينظر، حتّى أخرج المسألة، فقال له أبو جعفر[%]: هذا خطّ عليّ% وإملاء رسول الله-، وأقبل على الحَكَم، وقال: يا أبا محمّد، اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل%».
(5) الشهرستاني، منع تدوين الحديث، أسبابٌ ونتائج: 399.
(6) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، مقدّمة التحقيق 1: 63 ـ 64 (بقلم: جواد الشهرستاني).
(7) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، مقدّمة التحقيق 1: 64 (بقلم: جواد الشهرستاني)(بتصرُّف).
(8) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، مقدّمة التحقيق 1: 64 ـ 67 (بقلم: جواد الشهرستاني)(بتصرُّف).
(9) الشهرستاني، منع تدوين الحديث، أسبابٌ ونتائج: 458.
(10) الحُرّ العاملي، وسائل الشيعة، مقدّمة التحقيق 1: 68 ـ 72 (بقلم: جواد الشهرستاني)(بتصرُّف).
مراحل تدوين الحديث عرض التاريخ.