بسم الله الرحمن الرحيم
الهدف من خلق الانسان
إنّ للعَدل الاِلَهي في مجالات التكوين والتشريع والجزاء، مظاهر مختلفة نبيّنها واحداً بعد آخر:
ألف: العَدلُ التكوينيّ: لقد أعطى الله تعالى لكلّ مخلوقٍ خَلَقَه، ما هو لائقٌ به، ولازمٌ له، ولم تَغَبْ عنه القابليّاتُ عند الاِفاضة والاِيجاد أبداً.
يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصدد: (رَبُّنا الّذِي أعطى كلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)(1) .
ب: العدلُ التشريعيّ: لقد هدى اللهُ الاِنسانَ الّذي يمتلكُ قابليّة الرُشد والتكامل، واكتساب الكمالات المعنويّة، بإرسال الاَنبياء، وتشريع القوانين الدينيّة له. كما أنّه لم يُكلّف الاِنسان بما هوَ فوق طاقته، ووُسعه، كما يقول: (إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وإيْتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ وَاْلمُنْكرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(2)
وحيث إنّ العَدل والاِِحسان وإيتاء ذي القربى توجب كمال الاِِنسان وتوجب الاَفعالُ الثلاثة الاَُخرى (الفحشاء والمُنكر والبغي) سقوطَه، أمرَ سبحانه بالاَعمال الثلاثة الاَُولى، ونهى عن الاََفعال الاَخيرة.
ويقول عن ملائمة التكاليف الاِلَهيّة لاستطاعة الاِنسان وقدرته وعدم كونها خارجة عن حدود هذه الاِستطاعة أيضاً: (لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها)(3)
ج: العدل في الجزاء: إنّ الله لا ينظر إلى المؤمن والكافر، والمحسن والمسيء من حيث الجزاء نظرةً سواء قط، بل يجازي كُلاًّ طبقاً لاستحقاقه ووفقاً لِعَمله فيثيبُ المحسنَ، ويعاقبُ المسيء.
وعلى هذا الاَساس لا يعاقبُ مَن لَمْ تبلُغْهُ تكاليفهُ عن طريق الاََنبياء والرسل، ولم تتم عليه الحجةُ كما يقول: (وما كنُّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(4) .
ويقول أيضاً: (وَنَضَعُ المَوازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفْسٌ شَيئاً)(5) .
***
إنّ الله خلق الاِنسان، وكان لخلقه وإيجاده هدفٌ خاصٌ، وهو وُصول الاِنسان إلى الكمالِ الاِنسانِي المطلوبِ الذي يتحقّق في ظلّ عِبادةِ اللهِ، وطاعتهِ.
ولو كان وصولُ الاِنسان إلى الهدف متوقِّفاً على مقدّمات، هَيَّأ سبحانه تلكَ المقدّمات، وسهّل لَه طريق الوُصول إلى الهدف، وإلاّ كان خلقُ الاِنسان عبثاً خالياً عَنِ الهَدَف.
مِن هنا بعث اللهُ أنبياءَه ورسُله وزوّدهم بالبيّنات والمعاجز، كما أنّه ترغيباً لعبادِهِ في الطاعة، وتحذيراً لَهُمْ عن المعصيَةِ ضمَّنَ تلكَ الرِسالات وَعْدَه ووعيده، فبشّروا وأنذروا.
وهذا الّذي قُلناه هو خلاصة ما يسمّى في كلام «العدلية» بـ «قاعدةِ اللُّطف» وهي من فُروع قاعدة الحُسنِ والقبحِ العقليّين، كما أَنّها هي الاَساس والمنطلَق للكثيرِ من قضايا العقيدة ومسائلها.
1- طه | 50.
2- النحل | 90.
3- البقرة | 286.
4- الاِسراء | 15.
5- الاَنبياء | 47.