بسم الله الرحمن الرحيم
التوحيد عند أهل البيت (عليهم السلام)
أهمية التوحيد : يمثّل التوحيد في العقيدة الاسلامية رأسها ودعامتها، ومن دون توحيد سليم قائم على معرفة صحيحة، لا يكون البناء العقائدي قوياً وثابتاً لدى الفرد المسلم، لذلك حث المولى سبحانه وتعالى مخلوقاته العاقلة على الأخذ باسباب العلم لبلوغ الغاية من المعرفة في التوحيد، وفي سائر العقائد الاسلامية الأخرى. فقال في محكم تنزيله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ)(1) وقال ايضاً: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(2) فالآيتين تشيران إلى أن العلم هو الطريق الوحيد، والمسلك الرشيد لبلوغ اركان العقيدة، وأعلى مراتب التوحيد، لذلك لم يجز على كل مسلم أن يكون مقلّداً في التوحيد وفي سائر العقائد، ووجب عليه أن يسلك من أجل تحصيل العلم بذلك سبيل البحث والتأمل، تثبيتاً لدعائم الايمان وتزكية للفطرة التي فطر الخالق سبحانه وتعالى الناس عليها.
ان المتأمل في امهات كتب الامامية الاثنى عشرية، يلاحظ اهتماماً بالغاً ما انفك يوليه ائمة أهل البيت (عليهم السلام) لكل ما يتعلق بالدين عقيدة وشريعة. ولقد جاء من آثارهم ما اظهر تصديهم لكل دخيلة عن الدين أو مارقة منه، حتى إنهم كانوا يتحسسون مواضع الداء قبل استفحاله، ففي يوم الجمل مثلا وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) يرد على رجل من جنده عندما سأله قائلا: "اتقول ان الله واحد؟ فحمل الناس عليه وقالوا يا اعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسيم القلب؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه فان الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم. قال: يا اعرابي ان القول ان الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منهما لا يجوزان على الله عزوجلّ ووجهان يثبتان فيه.
فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاعداد، أماترى انه كفر من قال ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس الوجهان فهذا ما لا يجوز عليه، لانه تشبيه وجل ربنا وتعالى عن ذلك، اما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الاشياء شبيه كذلك ربنا عزوجل، وقول القائل إنه ربنا عزوجل، احدي المعنى، يعني انه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزوجل"(3).
ومن هذا النص نستشف أن أمير المؤمنين سلام الله عليه لم يكن في حروبه الثلاثة التي الجيء إليها، مدافعاً عن مركزه كإمام المسلمين أو عن سلطته كولي امورهم. وانما خرج ليدفع عن الدين ما بدا يعتريه من دخيل عليه وغريب عنه. فقوله (عليه السلام): "دعوه فان الذي يريده الاعرابي هو الذي نريده من القوم" دليل على ان وقائع الجمل وصفين والنهروان كانت كلها حروب تصحيحية. مصداقاً لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. فقيل مَنْ يا رسول الله؟ فقال: خاصف النعل في الحجرة وكان علي بن أبي طالب يخصف نعل رسول الله في حجرته(4).
ومثلما سلك الإمام (عليه السلام) في الاستدلال على الخالق والتعريف به، بحيث لا يتطرق إلى أقواله تحريف أو تأويل. سلك الأئمة الهداة من بنيه (عليهم السلام) في الذب عن أركان الدين كلما سنحت لهم بذلك. فرصة: فكانوا على مرّ العصور حماة الدين.
ورعاة آثار وتراث الرسول (صلى الله عليه وآله)، المبلغ عن رب العالمين، بما استودعوه من علوم صحيحة وأفكار متطابقة صريحة، سأقتصر منها على قلة المراجع التي بحوزتي ما طالته يدي من مأثور أقوالهم ومستصفى آرائهم التي هي امتداد من مركز النبوة، وهدى من نور الامامة، فهذا أبو عبدالله الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام) يقول في دعاءه الشهير في عرفة الذي أرهفت له آذان السامعين وتحيرت له عقول الحاضرين، وهزّ نياط قلوب المؤمنين بما حواه من سبحات القدس ولواعج الأنس: "كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً.."(5).
قوله (عليه السلام) عميت عين لا تراك اشارة لطيفة إلى بصيرة النفس لا إلى بصر العين لاستحالة رؤية المولى سبحانه وتعالى بالعين.
وتعددت ادلة الائمة من أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في اثبات وجود الخالق وبيان معنى صفاته فجاءت متنوعة ومتفاوتة المعاني على مقدار عقول السائلين.
جاء رجل إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام). فقال له: دلني على معبودي: فقال له اجلس. وإذا غلام له صغير وفي كفه بيضة يلعب بها. فقال (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة، فناوله اياها فقال: يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المايعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة. فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها. ولا دخل فيها داخل مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدري للذكر خلقت أم للانثى تنفلق عن مثل الوان الطواويس. اترى لها مدبراً؟ قال فاطرق ملياً ثم قال: اشهد ان لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمداً عبده ورسوله، وانك امام حجة من الله على خلقه وأنا تائب مما كنت فيه(6).
وقيل للإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يابن رسول الله: ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال له (عليه السلام): انك لم تكن ثم كنت، وقد علمت انك لم تكون نفسك ولا كونك من هو مثلك"(7).
وسُئل أمير المؤمنين (عليه السلام): بماذا عرفت ربك. قال بفسخ العزائم ونقض الهمم، لما هممت فحيل بيني وبين همي، وعزمت فخالف القضاء والقدر عزمي علمت ان المدبر غيري(8).
وعن إثبات الصانع قال (عليه السلام): البعرة تدل على البعير، والروثة تدل على الحمير، واثر القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة، لا يدلان على اللطيف الخبير(9).
وتفرّد الائمة من أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في الاستدلات العقلية والاجوبة المنطقية في التوحيد وغيره من عقيدة الإسلام، مضافاً إلى سبرهم لأغوار الوحي ونيلهم العلوم الإلهية ما فاض على اتباعهم، معارف وحقائق جعلتهم على بصيرة من أمرهم، وجعلت غيرهم من المتنكبين عنهم في حيرة يعبدون الله على حرف أو دونه.
كلام الامام الرضا (عليه السلام) في التوحيد:
للإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مناظرات واحتجاجات، ودروس ومحاضرات في شتى العلوم الإلهية، فيها من الأجوبة الشافية والردود الكافية ما قصم به ظهر الباطل واعاد الحق إلى نصابه، فقد جاء عنه (عليه السلام) في التوحيد:
عن محمد بن عبدالله الخراساني خادم الرضا (عليه السلام) قال: "دخل رجل من الزنادقة على الرضا (عليه السلام) وعنده جماعة فقال لأبي الحسن (عليه السلام): أرأيت أن كان القول قولكم وليس هو كما تقولون ألسنا واياكم شرع سواء ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا واقررنا فسكت فقال أبو الحسن (عليه السلام): وان يكن القول قولنا وهو قولنا وكما نقول ألستم قد هلكتم ونجونا؟ قال: رحمك الله فأوجدني كيف هو وأين هو؟ قال ويلك ان الذي ذهبت إليه غلط وهو أيّن الأين وكان ولا أين، وكيّف الكيف وكان ولا كيف، فلا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء، قال الرجل: فإذا انه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس، فقال أبو الحسن (عليه السلام): ويلك لمّا عجزت حواسك عن ادراكه انكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن ادراكه ايقنّا أنه ربنا وأنه شيء بخلاف الأشياء قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): فأخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان؟ قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسن اني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه علمت ان لهذا البنيان بانياً فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وانشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت ان لهذا مقدّراً ومنشأ، قال الرجل: فلم احتجب؟ قال أبو الحسن: ان الحجاب على الخلق لكثرة ذنوبهم فأما هو فلا يخفى عليه خافية في أناء الليل والنهار، قال: فلم لا تدركه حاسّة الأبصار؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تحركهم حاسّة الأبصار منهم ومن غيرهم ثم من أجلّ من أن يدركه بر أو يحيطه وهم أو يضبطه عقل قال: فحدّه لي، قال: لا حدّ له قال ولم؟ قال: لأنّ كلّ محدود متناه إلى حدّ وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزّىء ولا متوهم.. إلى آخر الحديث.
حدّثنا علي بن الحسن بن الفضال عن أبيه قال: سألت الإمام علي ابن موسى الرضا (عليه السلام) في قوله الله عزوجل: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَّمَحْجُوبُونَ)(10) فقال: ان الله تعالى لا يوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده ولكنه يعني انهم عن ثواب ربهم محجوبون قال وسئلته عن قول الله عزوجل: (وَ جَآءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)(11) فقال: ان الله تعالى لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال انما عني بذلك وجاء أمر ربّك والملك صفّاً صفا. قال: وسألته عن قول الله عزوجلّ هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة. قال: يقول هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله بالملائكة في ظل من الغمام. قال: وسألته عن قوله تعالى: (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ)(12) وعن قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)(13) وعن قوله (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ)(14) وعن قوله: (يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ)(15) فقال ان الله تعالى لا يسخر ولا يستهزىء ولا يمكر ولا يخادع ولكنه يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
عن الحسن بن سعيد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) في قوله عزوجل: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ)(16) قال حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنين سجداً. وتدمج اصلاب المنافقين لا يستطيعون السجود.
منها قول القائل: كشفت الحرب عن ساق أي اظهرت نتيجتها.
عن محمد بن عبيدة قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل لابليس: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(17) قال (عليه السلام): "يعني بقدرتي وقوتي".
عن الحسين بن خالد قال قلت للرضا (عليه السلام): "يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان الناس يروون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال (ان الله عزوجل خلق آدم على صورته) فقال: قاتلهم الله وقد حذفوا أول الحديث ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرّ برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: (قبح الله وجهك ووجه من يشبهك. فقال (صلى الله عليه وآله): يا عبدالله لا تقل هذا لاخيك فان الله عزوجل خلق آدم على صورته) فيكون الضمير عائداً على الرجل الذي وقع عليه السب.
عن الحسين بن خالد قال قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله ان قوماً يقولون: لم يزل الله عالماً بعلم قادر بقدرة حياً بحياة قديماً بقدم سميعاً بسمع بصيراً ببصر. قال (عليه السلام): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى وليس من ولايتنا على شيء ثم قال (عليه السلام): لم يزل عزوجل عليماً قديراً حياً سميعاً بصيراً لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً.
بينات من الهدى محمد الرصافي المقدادي
----------------------------
1- محمد: 19.
2- آل عمران: 18.
3- نهج البلاغة.
4- أحمد في المسند، المتقي الهندي في كنز العمال، محب الدين الطبري في الذخائر.
5- دعاء الامام الحسين بعرفه، حق اليقين، عبدالله شبر: 1 / 40.
6- حق اليقين، عبدالله شبر: 1 / 32.
7- نفس المصدر.
8- نفس المصدر.
9- نفس المصدر: 1 / 33.
10- المطففين: 15.
11- الفجر: 22.
12- التوبة: 79.
13- البقرة: 15.
14- آل عمران: 54.
15- النساء: 142.
16- القلم: 42.
17- ص: 75.