بسم الله الرحمن الرحيم
مفهوم الديمقرطية
عندما يجئ أىّ مفهوم جديد إلى العالم الإسلامي ، نحن كإسلاميين ومتديّنين نحاول تفسير هذا المفهوم في المنظومة الفكريّة التي عندنا ، فلمّا جاء هذا المفهوم الجديد ـ أي الديمقراطيّة ـ إلى العالم الإسلامي ، حاول المؤيّدون لهذا المفهوم من أهل السنّة تفسيره طبقاً لنظريّة الشورى ، وحاول الشيعة تفسيره طبقاً لنظريّة الإمامة التي هي المشروع السياسي عند الإماميّة ، فالسؤال أنّه :
هل يمكن تفسير هذا المفهوم على ضوء هاتين النظريّتين ، أم لا صلة له بهاتين النظريّتين إطلاقاً ؟
الشيخ السند : نعم ، قد قيل وكُتب ونُشر وقُرّر : أنّ نظريّة الشورى المتبعة عند أهل السنّة ، ولو على الصعيد النظري عندهم ـ وإلّا على الصعيد العملي قلّما شاهدنا عند أبناء الطوائف الإسلاميّة السنيّة في حكوماتهم منذ العهد الأول إلى يومنا هذا ، قلّما شاهدنا تطبيقاً صحيحاً ودقيقاً للشورى ـ قيل بأنّها تطابق نظريّة الديمقراطيّة تقريباً الموجودة في العصر الحديث في جملة من جوانبها ، لا كلّ جوانبها ; لأنّ من جوانب الديمقراطيّة المطروحة الحديثة أو الليبراليّة عدم التقيّد بديانة خاصّة أو عدم التقيّد حتى برسوم أخلاقيّة ، وهذا طبعا لا يتفق مع نظرية الشورى عند المذاهب الإسلاميّة.
لكن الجوانب المتّفقة ، وهي نحو مشاركة الأكثريّة ، أو حاكميّة الأكثريّة في إدارة الحكم في جانب القوّة التنفيذيّة ، أو اختيار الحاكم الوالي ، فنظريّة الشورى شأنها شأن بقيّة المدارس الديمقراطيّة أيضاً ، أخذت في الاختلاف في التصوير والصياغة : أنّه هل الشورى بمعنى مشاركة كلّ الناس ، أو بمعنى أنّ الناس ينتخبون أهل الحلّ والعقد ، وأهل الحلّ والعقد ـ يعني النخبة ـ هم ينتخبون الحاكم ، أو أنّه لا دور للناس ؟
ولعلّ الأشهر عند علماء أهل سنّة الجماعة أنّ الشورى هي المشورة عند النخبة ، عند أهل الحلّ والعقد ، ونخبويّة هذه النخبة ليست بانتخاب وباستصواب عامّة الناس ، بل الشور والشورى يدور في دائرة النخبة ، والنخبة تتّصف بهذه الصفة بتبع تحلّيها بصفات معيّنة ، وكفاءات معيّنة مؤهلة لها علميّة ، ثمّ حينئذٍ يقوم الانتخاب في تلك الدائرة الضيقة ، وبعبارة أُخرى هي تنتخب الحاكم.
طبعاً هذا الطرح من نظريّة الشورى لا نستطيع حينئذٍ أن نطابقه ونوازيه مع الطرح الديمقراطي الغربي المطروح الآن ، فهذا القول الأشهر لدى علماء العامّة لا يصبّ في مصبّ الديمقراطيّة في اللون العامّ لها ، نعم الأقوال الأُخرى في نظريّة الشورى من أنّها حاكميّة الأكثريّة ، وهي التي تنتخب أهل الحلّ والعقد ، ثمّ أهل الحلّ والعقد ينتخبون الحاكم ، هذه قد تتوافق مع بعض الصياغات في الديمقراطيّة.
والمهم أنّ المؤشّر المميّز لنظريّة الشورى لا أقل في عدّة من أقوالها وصياغاتها ، أنّها تتقارب مع نظريّة الديمقراطيّة الغربيّة المطروحة الآن من جهة مشاركة الأكثريّة ، ولكن فيها مفارقات عديدة كما ذكرنا :
منها : أنّ الحاكم عندما يُنتخب لا تجوز معارضته أو خلعه ، بينما في النظريّة الديمقراطيّة ليس هناك تنصيب مطلق غير قابل للزوال.
ومن الاختلافات الأُخرى أيضاً : أنّ في النظريّة الديمقراطيّة هناك ربما مجال للمعارضة بشكل أوسع لأشكالها المختلفة ، بينما في نظريّة الشورى لدى العامّة فإنّ باب المعارضة والرقابة الشعبيّة على الحاكم تكاد تكون ضئيلة جدّاً ، ويكاد يرسم للفرد أو للجماعات في ظلّ حكومة الحاكم دور ضئيل خجول ، يضيّقون مجال المعارضة أو النقد أو الرقابة بشكل ضئيل جدّاً.
فمن ثمّ نستطيع أن نقول : إنّ هناك مفارقات كثيرة بين الديمقراطيّة الغربيّة المطروحة ، ونظريّة الشورى بالشكل المرسوم عند العامّة ، حتى على القول بأنّ القاعدة الشعبيّة لها دور في الانتخاب.
وأمّا في النظريّة الإماميّة للحكم ، فعند جملة من الكُتّاب ، سواء المستشرقين أو حتى كتّاب أهل سنّة الجماعة ، صوّر بأنّ نظريّة الإمامة هي نظريّة ملكيّة وراثيّة استبداديّة متأثّرة بالملكيّة الكسرويّة.
وأمّا في النظريّة الإماميّة للحكم ، فعند جملة من الكُتّاب ، سواء المستشرقين أو حتى كتّاب أهل سنّة الجماعة ، صوّر بأنّ نظريّة الإمامة هي نظريّة ملكيّة وراثيّة استبداديّة متأثّرة بالملكيّة الكسرويّة.
وقبل أن أُبيّن أنّ في النظريّة الإماميّة يتمّ مراعاة تمام الأُسس التي انطلقت منها الديمقراطيّة ، ومراعاة تمام التوصيّات القرآنيّة في الشورى.
وقبل أن أبدأ في رسم نظريّة الإمامة عند الاماميّة ، من أنّها ليست وراثة ملكيّة نسبيّة بالمعنى الترابي القبلي المطروح في عهود الأنظمة الملكيّة الاستبدادية البائدة ـ وإن كان الكثير عن عمدٍ أو قصدٍ أو جدلٍ أو دجلٍ يحاول أن يصرّ في رسم النظريّة الإماميّة في هذه الصورة ـ فإنّ القرآن الكريم يطرح نظريّة وراثة نوريّة اصطفائيّة ليست هي ترابيّة ، حيث يقول الله تعالى : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ... ) (1).
وهنا القرآن الكريم يطرح أنّ آل إبراهيم وآل عمران ليست هي هذه الآل والأهليّة والنسبة القرابيّة ، على غرار النظريّة الكسرويّة أو القيصريّة أو الملوكيّة البائدة ، أو التي لا زالت الآن قائمة في بعض بلدان المجتمع البشري ، بل إنّ القرآن الكريم يُريد أن يقول بأنّ أرضيّة الاصطفاء للمصطفى تحتاج إلى بيئة مؤهّلة وصالحة أيضاً ، وإنّ النسل الكفوء هو المؤهّل لقيادة البشريّة ، ولكن هذا ليس من باب الحرمان لبقيّة الطوائف ، وهو من باب ما يطلقه علماء الحقوق بـ « الحقوق الطبيعيّة » ; لأنّ طبيعة هذا النسل عندما يكون مُصطفى ، مُصفّى ، طاهراً ، مُجتبى ، تكون أهليّته في القيادة أكثر من غيره.
مع أنّ فكرة القيادة والحاكميّة في القرآن الكريم والنظريّة الإسلاميّة ليست هي بمعنى التنفّع ، أو نفعيّة القائد والحاكم من منصبه ، بل بمعنى خدمته لبقيّة الطوائف ، فهو كافل لأن يوصل بقيّة الطوائف من النسل البشري إلى كمالاتهم وحقوقهم الطبيعيّة أو التشريعيّة بشكل آمن أكثر من غيره ، فهي ليست إلّا فكرة أنّ المؤهل والكفوء يوضع في المكان المناسب لكي يخدم ، لا أنّه لكي يتجبّر أو يستبدّ.
فإذاً هناك مفارقات بين النظريّة النسبيّة الاصطفائيّة في القرآن الكريم ، وبين نظريّة الملوكيّة الاستبداديّة البائدة ، أو التي لا زالت نماذجها في المجتمع البشري.
وفكرة الاماميّة تقوم على أنّ هناك نسل مُصطفى مُجتبى يضعه القرآن الكريم في أهليّة القيادة ، ومن ثمّ خصّ القرآن الكريم قربي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للمودّة ، وهذه ليست من باب الطبقيّة أو الارستقراطيّة أو البرجوازيّة أو ما شابه ذلك ، وإنّما هي تكمن في طيّاتها أنّ قربى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتميّزون بصفات آهلة بعيدة عن البطر ، وبعيدة عن النخوة والشهوة والنزاعات الشخصيّة والذاتيّة ، بل هم قالبهم تمام الذوبان في المشاريع الدينيّة ، وفي إنجاز حقوق البشر للتكامل بشكل تامّ وافٍ ، يصلون فيه إلى سعادتهم الدنيويّة والأُخرويّة.
فحينئذٍ تخصيص القرآن الكريم ذوي القربى بالمودّة أو بالخمس ، أو تخصيصهم بكلّ الأموال العامّة في سورة الأنفال وفي سورة الحشر بإدارة الفيء وهو ثروات الأرض ( مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) (2).
الحكمة في ذلك أنّ هؤلاء حيث قد تميّزوا واتصفوا بالعصمة العلميّة والعمليّة ، فهم المؤهّلون الكفوؤن لإرساء العدالة بين المسلمين ، لكي لا تكون الثروات العامّة متداولة في فئة وطبقة الأغنياء ( كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) أي كي لا تحتكر الطبقة الغنيّة القويّة الثروة العامة فيما بينها ، وترسو العدالة وتتوزّع المنابع العامّة من الأموال والمنابع الطبيعيّة الأُخرى على المجتمع بشكل متكافى عادل ، إذاً لابدّ أنّ يتسلّم ذوي القربى هذا المنصب.
وهذه ملحمة قرآنيّة يتنبّأ بها القرآن الكريم ، يعني لن تستتبّ العدالة الماليّة في الأُمّة الإسلاميّة ، بل في البشريّة ، ما لم يصل هذا النسل الخاصّ المطهّر إلى سدّة الحكم ، ووصوله لا لأجل بطر هذه الذريّة والعياذ بالله ، أو نزعة هذا النسل إلى مآربه الشخصيّة ، وإنّما هي لأجل المنافع العامّة في الأُمّة الإسلاميّة ، بل في البشريّة.
فالمقصود أنّ أصل نظريّة الإمامة وإن كان هو النسل الخاصّ ولكن ليس نسلاً ترابيّاً ، أو لأجل نسبة اللحم والدم الخاصّ البشري ، وإنّما هو لأجل تنسيل اصطفائي نوري مطهّر خاصّ مُجتبى ، فإذاً هناك مفارقة شاسعة بين الطرح الملكي ونظريّة الإمامة ، هذا كبادئ ذي بدء.
وأمّا كيف أنّ النظريّة الإماميّة هي تحافظ على أُسس الديمقراطيّة بأكثر ممّا تحافظ نفس أغراض الديمقراطيّة على الأُسس التي انطلقت منها ، والمبادى التي انطلقت منها ؟ فذلك كما يلي :
الأول : أنّ هناك جدل كبير في النظريّة الديمقراطيّة ، وهي أنّ الأقليّة كيف تُلغى أصواتهم ومشاركتهم. وهذا الجدل إلى يومنا هذا لم يُحّل في النظريّة الديمقراطيّة ، ربما تكون الأقليّة الثلث ، قد تكون ما يقلّ على النصف بيسير ، كما شاهدنا الآن في الانتخابات الأمريكيّة في هذه الحقبة ، حيث إنّ الأقليّة هي مادون النصف بقليل ، بل قد تكون الأكثريّة ليست أكثريّة حقيقيّة ، بل أكثريّة نسبيّة ، يعني ربما الثلث يزيد على الربع ، والثلث والربع هم الذين شاركوا في الانتخابات ، وما عدا ذلك من أجزاء المجتمع كان لديه موقفاً سلبيّاً حياديّاً ، حينئذٍ الثلث ليس أكثريّة حقيقيّة ، ومع ذلك لأنّه يزيد على الربع مثلاً فهو يتحكّم في مصير الثلثين.
هم انطلقوا من أساس برّاق جذّاب ـ وهو مشاركة الكلّ ـ إلّا أنّه في الصياغة واجهوا حرج عضال لم يُحلّ إلى يومنا هذا ، وما ذكر ليس إلّا حلولاً نسبيّة لتخفيف الداء ليس إلّا ، بينما سنشاهد في النظريّة الاماميّة هذا المطلب محقّق ; إذ لا يكون للأكثريّة مصادرة لحقّ الأقليّة مهما كان ـ ولو كانت الأقليّة فرداً واحداً ـ وهذه واقعاً من إعجازيات التقنين الإلهي في دين الإسلام ، وفي منهاج أئمة أهل البيت عليهم السلام ، وهذا إعجاز قانوني نستطيع أن نتبجّح به ، ونجبه به المحافل القانونيّة والحقوقيّة بشكل جريء رافعين الرأس.
الأمر الثاني الذي تواجهه النظريّة الديمقراطيّة الآن : هو أنّ أصحاب الثروة والقدرة قد يصادرون آراء العامّة بتغفيلهم ، وبوضعهم في سبات فكري ، أو في جوّ مخادع ، سواء في جانب انتخاب الفرد ، أو في جانب انتخاب القانون الصالح ، أو في مجالات المشاركة ، باعتبار أنّ الطبقة الغنيّة عندها وسائل إعلام ، عندها وسائل التحكّم في الفكر أو ما شابه ذلك.
فحينئذٍ كيف يمكن أن تؤمن المشاركة الحقيقيّة بشكل صادق ، مع أنّ أسباب القوّة في التحكّم في عقول الأكثريّة وافتعال الجوّ العامّ ، يكون بيد الأقليّة ذوات الثروة والقوّة من وسائل الإعلام ، فعناصر التلاعب بالرأي العامّ بأساليب شيطانيّة دجليّة خلّابة خادعة هي كثيرة ، وتستطيع حينئذٍ القوى الماليّة ذات الثراء أن تتلاعب بالرأي العامّ ، فكيف نؤمن حينئذٍ سلامة بالرأي العامّ وانطلاقه من وعي وصحوة ؟
وكيف نؤمن عدم مصادرة هذا الوعي العامّ ؟ فهذه عقدة لا زالت الديمقراطيّة تواجهها.
وكيف نؤمن عدم مصادرة هذا الوعي العامّ ؟ فهذه عقدة لا زالت الديمقراطيّة تواجهها.
الإشكال الثالث : كيف نوازن بين عامل وعنصر الكفاءة والنخبة ، وبين مشاركة الناس ؟
إنّ مشاركة الناس من الأُمور الفطريّة ، ودور النخبة أيضاً فطري ، فهل يطغى هذا الجانب ويكون الوصاية للخبرة على مشاركة الأُمة ، أو يطغى دور مشاركة الأُمة على النخبة ، فقد تختار الأُمة ما لا ترتضيه النخبة ، وتختار النخبة مالا ترتضيه الأُمة ، فأىّ يحكّم من الاثنين ؟ ومن ثمّ اختلفت صياغة الديمقراطيّة في كيفيّة المشاركة :
منها : ما يقول بأنّ الأُمة تنتخب النخبة ، والنخبة تنتخب الحاكم.
ومنهم من يقول : إنّ الأُمة هي مباشرة تنتخب الحاكم ، لكن بإشراف النخبة.
ومنهم من يقول : إنّ الانتخاب والمنتخب له شرائط ، فليس للمنتخب أن ينتخب ويجري عمليّة الانتخاب على صعيد مطلق ويفتح الباب على مصراعية ، بل هناك شروط في المنتخب لابدَّ أن يحدّدها القانون.
فمن ثمّ ان ثار جدل قانوني وحقوقي واسع لديهم أيضاً ، يشير إليه الدكتور السنهوري في مقدّمة كتابه « الوسيط » وكتابه الآخر « الحقّ ومصادر التشريع » : إنّ هناك عند القانونيين الغربيّين مدرستين : مدرسة المذهب العقلي ، ومدرسة المذهب الفردي. مدرسة المذهب العقلي تقول بأنّه لابدّ من إعطاء دور للعقل أكبر على حساب الحريّات المطلقة للفرد ، وهناك من يقول :إنّ الفرد تطلق له الحريّات ولو على حساب العقل.
هذا الجدل لم يحسم إلى الآن في النظريّة الديمقراطيّة ، يعني دور العقل والعلم ودور الفرد ، مرادهم من الفرد في الواقع هو الغرائز والشهوات والنزعات الفرديّة ، والحلول التي تطرح ليست حلولاً كاملة تامة.
---------------------(1) آل عمران (3) : 33 ـ 34.
(2) الحشر (59) : 7.
الديمقراطيّة على ضوء نظريّة الإمامة والشورى