هو محمّد ناصر الدين بن نوح نجاتي بن آدم، الملقّب بـ (( الألباني )) نسبةً إلى بلده ألبانيا، المكنّى بأبي عبد الرحمن.
ولد سنة 1332هـ في مدينة (( أشقودرة )) عاصمة (( ألبانيا )) في ذلك الوقت، ونشأ في أسرة فقيرة بعيدة عن الغنى، وكان والده الحاج نوح نجاتي قد تخرّج من المعاهد الشرعيّة في العاصمة العثمانية (( الآستانة ))، ورجع إلى بلاده لتعليم الناس أحكام دينهم.
ولمّا تولّى الحكم في (( ألبانية )) الملك أحمد زوغو، وسار على نهج جيرانه من أهل الكتاب، هاجر الحاج نوح نجاتي إلى دمشق واستقرّ بها، وكان عمر ولده آنذاك تسع سنوات ، فأدخله المدرسة الابتدائية، ثمّ لم يسمح له بإكمال دراسته في المدارس الحكوميّة، بل أخذ يدرسّه بنفسه الصرف والنحو وتجويد القرآن ومقدمات الفقه الحنفي، ثمّ عهد بتدريسه إلى صديقه الشيخ سعيد ألبرهاني [1]
يقول الشيخ الألباني:
(( إن نعم الله عليّ كثيرة، لا أُحصي لها عدّاً، ولعلّ من أهمها اثنتين: هجرة والدي إلى الشام، ثمّ تعليمه إياي مهنته في إصلاح الساعات.
أمّا الأولى: فقد يَسَّرت لي تعلّم العربيّة، ولو ظللنا في " ألبانية " لما توقّعت أن أتعلّم منها حرفاً، ولا سبيل إلى كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ عن طريق العربية.
وأمّا الثانية: فقد قيضت لي فراغاً من الوقت، أملؤه بطلب العلم، وأتاحت لي فرص التردّد على المكتبة الظاهريّة وغيرها ساعات من كلّ يوم، ولو أنّي لزمت صناعة النجارة التي حاولت التدرّب عليها أولاً، لالتهمت وقتي كلّه، وبالتالي لسدّت بوجهي سبل العلم، الذي لابدّ لطالبه من التفرّغ )) [2]
وكان أول عمل حديثي قام به الألباني هو نسخه كتاب " المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار " للحافظ العراقي والتعليق عليه، وهذا الكتاب هو تخريج لأحاديث كتاب " إحياء علوم الدين " للغزالي.
وأخر كتاب عمل فيه هو كتاب "تهذيب صحيح الجامع الصغير والاستدراك عليه" [3].
وقد مدحه وأثنى عليه علماء السلفيّة كثيراً:
قال عبد العزيز بن عبد الله بن باز: " لا أعلم تحت قبّة الفلك في هذا العصر
أعلم من الشيخ ناصر في علم الحديث "، ووصفه بأنّه: " مجدّد هذا العصر في علوم الحديث ".
وقالت الشيخ محمّد بن صالح العثيمين: " بل هو محدّث العصر "، ووصفه بـ " أنّه ذو علم جمّ في الحديث دراية ورواية ".
وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء في السعوديّة: " وهو واسع الاطلاع في الحديث، قويّ في نقدها، والحكم عليها بالصحة والضعف ".
ووصفه الشيخ حمّاد الأنصاري بأنّه " ذو اطّلاع واسع في علم الحديث ".
ووصفته مشيخة أهل الحديث في الهند، بأنّه: " أكبر عالم بالأحاديث النبويّة في هذا العصر
لا يخفى على أحد إتباع الألباني لعلماء السلفيّة، مثل ابن تيميّة، وابن قيّم الجوزيّة، ومحمّد بن عبد الوهاب، والسير على منهجهم العلمي والاعتقاد بعقائدهم ومدحهم كثيراً واعتبارهم قدوة له وإن كان في بعض الأحيان ينقدهم ويخرج عمّا ساروا عليه في منهجهم.
بعد أن عُرف الألباني واشتهر في الأوساط العلميّة، كداعية للمذهب الوهابي، ومتأثرا بأفكار السلفية، وسائراً على نهج ابن تيميّة وابن القيّم ومحمّد بن عبد الوهاب، أخذ كبار رجال الدين وعلمائهم ينظّمون له الدعوات ويهيئون له الجلسات العلميّة من أجل نشر أفكاره ومعتقداته.
ومن الطبيعي أن يقف ضدّه مَن يخالفه الرأي ولا يعتقد بأفكار الوهابيّة من علماء ومثقّفين من أتباع مدرسة الخلفاء، ومن هنا بدأ الصراع بين الألباني ومشايخ العلماء في سوريا.
ثمّ توسّعت رحلات الألباني لتشمل مدن ومحافظات كثيرة في سوريا، داعياً إلى الفكر الوهابي، الأمر الذي أثار استنكار المخالفين للوهابية من علماء ومثقفين.
يقول القريوتي: " وقد كان للشيخ رحلات شهرية منظّمة، بدأت أسبوعياً كلّ شهر، ثمّ استقرّت على نحو ثلاث أيام، كان يقوم بها إلى المحافظات السوريّة: حلب، إدلب، اللاذقيّة، السلميّة، ثمّ حمص، ثمّ حماة، ثمّ الرقّة. ولقد كان لتلك الجهود والرحلات ثمراتها الطيّبة في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ، وإلى التوحيد ونبذ الشرك والخرافة، مع ما صاحبها من المعارضة من أهل الأهواء" [4].
وكان لتأييد الألباني الوهابيّة وإتباعهم، وتمجيدهم، والسير على نهج ابن تيميّة وابن القيّم، كان له تأثير مضادّ من قبل بعض العلماء والمشايخ من أتباع مدرسة الخلفاء، إذ بدئوا بتحذير عموم الناس منه ومن دعوته، ودعوة الناس إلى عدم الاستماع إلى محاضراته، وتحذير طلاب العلم من التأثّر بأفكاره، ومجالسته، والدعوة إلى هجره ومقاطعته.
ثم قام جماعة من مشايخ بلده بتنظيم عريضة ضدّه، ورفعوها إلى مفتي الشام، بعد أن جمعوا لها توقيعات الناس، ومفادها: (( أنّه يقوم بدعوة وهابيّة تشوّش على المسلمين )). فرفعها المفتي إلى مدير الشرطة، واستدعي الألباني على إثرها إلى مركز الشرطة، ولم يخرج منه إلاّ بضمانات بعض الشخصيات الاجتماعية.
وبعد ذلك قام جماعة من العلماء والمثقّفين برفع شكوى على الألباني، بأنّ كلامه ومحاضراته تؤدّي إلى التفرقة بين المسلمين، فرفع مفتي " إدلب " هذه الشكوى إلى وكيل وزارة الداخلية لشؤون الأمن في سوريا، فقام باستدعاء الألباني وإبلاغه بالشكوى وطلب المفتي منعه من دخول بلده - إدلب - ثم بعد ذلك تمّ إبعاده إلى مدينة الحسكة.
ولم ينتهِ الأمر إلى هذا الحدّ، بل قام جماعة من العلماء برفع شكوى على الألباني وتقديمه إلى المحاكمة التي حكمت عليه بالسجن لمدة ستة أشهر، فسجن في سجن القلعة بدمشق، وهو نفس السجن الذي سجن فيه قبله ابن تيميّة وابن قيّم الجوزية [5].
وأشار الألباني في " صحيفته " 3: 4-5 إلى مذكّرة أصدرها وزير الأوقاف في بعض الإمارات العربيّة، نشرت في أوائل شوال سنة 1406هـ، قال عنها الألباني: إنّ الوزير المذكور يتهم إخواننا السلفيين في تلك الإمارة بتهم شتى، منها التطرّف والخطورة على العقيدة الإسلامية، وإنكار المذاهب الأربعة، ويقول فيها: كما جرى طرده - أي الألباني - من الإمارات قبل أربع سنوات ومنعه من العودة للبلاد.
وإذا كان الألباني وجّه سهامه ولسانه اللاذع لعلماء السلف وانتقدهم في ما كتبه من مؤلّفات، كالحافظ السيوطي، والذهبي، والحاكم، والمنذري، وابن الجوزي، وابن حجر، والسبكي، والمناوي.
فمن الطبيعي أن تكون حصّة العلماء الذين عاصروه من الانتقاد كبيرة، بل والخروج عن القواعد العلمية والأدبية للبحث العلمي والحوار الرصين.
وعلى الرغم من أنّ الألباني كان من أتباع ابن تيميّة، والسائرين على نهجه العلمي، خصوصاً في العقائد، لكن مع ذلك نشاهده ينتقده ويردّ عليه في موارد كثيرة، نذكر اثنين منها :
أولاً: فمن العجب حقّاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيميّة على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة ، كما فعل بالحديث المتقدّم هناك (( من كنت مولاه )) مع تقريره أحسن تقرير - إلى أن قال -: هذا كلّه من بيان شيخ الإسلام وهو قوي متين كما ترى!! فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث ؛ إلا التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة )). السلسلة الصحيحة حديث 3223.
ثانياً: وعند كلامه عن حديث الغدير قال: (( إذا عرفت هذا، فقد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعّف الشطر الأول من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب! وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري عن تسرّعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان )). السلسلة الصحيحة 4: 344.
واخيرآ توفّي الألباني ووفد على ربّه بأعماله، إن كان محسناً فله، وإن كان مسيئاً فعليه، وذلك يوم السبت 22 جمادى الآخرة سنة 1420هـ في مدينة عمّان، وخلّف مجموعة آثار منها:
(( سلسلة الأحاديث الصحيحة ))، (( سلسلة الأحاديث الضعيفة ))، "صحيح الجامع الصغير"، "تمام النعمة"، تحقيق كتاب (( الاحتجاج بالقدر )) لابن تيميّة، تحقيق كتاب (( الآيات البيّنات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفيّة السادات )) للآلوسي، تحقيق كتاب (( الإيمان )) لابن تيميّة، رسالة (( الحديث حجّة نفسه في العقائد والأحكام ))، تحقيق (( شرح العقيدة الطحاوية )) لابن أبي العزّ الحنفي، تحقيق كتاب (( السنّة )) لابن أبي عاصم، اختصار كتاب (( العلو )) للذهبي، تحقيق كتاب (( كلمة الإخلاص )) لابن رجب الحنبلي، رسالة (( منزلة السنّة في الإسلام ))، بالإضافة إلى صحاح وضعاف للسنن الأربعة، وغيرها.
1-الالباني الأمام,لعبدالقادر الجنيد:1-4 .
2-الالباني الأمام ,لعبدقادر الجنيد3-4 .
3-ترجمه موجزه للشيخ الألباني لعبدالله ناصر الدوسري:2.
4-كوكبة من أئمة الهدى 195 .
5- الألباني الأمام لعبدالقادر الجنيد:13 .
