بسم الله الرجمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وخير الصلاة والسلام على رسوله المصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين؛واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو " بذل الوسع للقيام بعمل ما " وقد استعملت هذه الكلمة - لأول مرة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة: " إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص ".
والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي، فالفقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهمه ويبني على ما يرجع في فكره الشخصي من تشريع، وقد يعبر عنه بالرأي أيضا. والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدرا من مصادره، فكما أن الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة ويستدل يهما معا كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به.
وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة. وفي نفس الوقت لقي معارضة شديدة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم.
وتتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملة هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم، وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذي جاء في الروايات، فقد صنف عبدالله بن عبد الرحمن الزبيري كتبا أسماه " الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس ".
وصنف هلال بن إبراهيم بن ابي الفتح المدني كتابا في الموضوع باسم كتاب " الرد على من رد آثار الرسول وأعتمد على نتائج العقول "، وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي ابن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد، كما نص على ذلك كله النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء.
وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة، ونذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى والخضر، إذ كتب يقول: " أن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى أشتبه عليه وجه الأمر به، فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لايجوز لهم ذلك... فإذا لم يصلح موسى للاختيار - مع فضله ومحله - فكيف تصلح الأمة لاختيار الامام، وكيف يصلحون لاستنباط الإحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة ".
وفي أواخر القرن الرابع يجئ الشيخ المفيد فيسير على نفس الخط ويهجم
على الاجتهاد، وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتابا في ذلك باسم " النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي ". ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس، إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول: " إن الاجتهاد باطل، وإن الأمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد ". وكتب في كتابه الفقهي " الانتصار " معرضا بابن الجنيد - قائلا: " إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر " وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار: " إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به ".
وأستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا: " إما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالها".
وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لونا مقيتا وطابعا من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الأمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه.
ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ولا يوجد لدينا الآن نص شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب المعارج للمحقق الحلي المتوفى سنة(676 ه)، إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول: " وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الإحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الإحكام من أدلة الشرع اجتهادا، لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.
ويلاحظ على هذا النص بوضوح أن كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنية الأساسية مثقلة بتبعة المصطلح الأول، ولهذا يلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمي فقهاء الأمامية مجتهدين. ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن أسم الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الأمامي، إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية، أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره، فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهري للغاية، إذ كان على الفقيه - على أساس
المصطلح الأول للاجتهاد - أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص، فإذا قيل له: ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا؟ أستدل بالاجتهاد وقال: الدليل هو اجتهادي وتفكيري الخاص.
وإما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الإحكام بالاجتهاد لان الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدرا للحكم بل هو عملية استنباط الإحكام من مصادرها، فإذا قال الفقيه " هذا اجتهادي " كان معناه أن هذا هو ما أستنبطه من المصادر والأدلة، فمن حقنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلنا على تلك المصادر والأدلة التي أستنبط الحكم منها.
وقد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضا، فقد حدده المحقق الحلي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكل عملية استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهادا دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعل الدافع إلى هذا التحديد أن استنباط الحكم من ظاهر النص ليس فيه كثير جهد أو عناء علمي ليسمى اجتهادا.
ثم أتسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك فأصبح يشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضا، لان الأصوليين بعد هذا لاحظوا بحق أن عملية استنباط الحكم من ظاهر النص تستبطن كثيرا من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجية الظهور العرفي. ولم يقف توسع الاجتهاد كمصطلح عند هذا الحد، بل شمل في تطور حديث عملية الاستنباط بكل ألوانها، فدخلت في الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو على تعيين الموقف العملي مباشرة.
وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط، وبالتالي أصبح علم
الأصول العلم الضروري للاجتهاد لانه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.
وعلى هذا الضوء يمكننا أن نفسر موقف جماعة من علمائنا الأخيار ممن عارضوا كلمة الاجتهاد بما تحمل من تراث المصطلح الأول الذي شن أهل البيت حملة شديدة عليه وهو يختلف عن الاجتهاد بالمعنى الثاني، وما دمنا قد ميزنا بين معنيي الاجتهاد فنستطيع أن نعيد إلى المسألة بداهتها ونتبين بوضوح جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط .................
وهنا نستطيع ان نطرح بعض الاسئلة حول الاجتهاد والتقليد التي تدور في الاذهان وهي كالآتي:
1-ان لم يكن هناك تقليد المستحدثات لمن نرجع بها..
2-الناس البسطاء هل قادرون بانفسهم على استنباط الاحكام.
3-ان استطعنا نحن الناس البسطاء ان نستنبط بعض الاحكام فمن يحكم بصحتها وخطئها. خلاصة الموضوع: ان كلمة الاجتهاد استعملت لاول مره في الفقه السني وتعني الاجتهاد من خارج النص والشريعة (تفكير شخصي)وهو المذموم من قبل ائمتنا المعصومين(عليهم السلام) وعلمائنا امثال الشيخ المفيد والطوسي . اما بعد مرحلة العلامه الحلي اخذ الاجتهاد منحى آخر وهو إستنباط الاحكام من النص(الكتاب والسنة النبويه) وهذا مفهوم الاجتهاد عندنا..
دراسه في علم الاصولالحلقة الاولى للسيد محمد باقر الصدر
الحمد لله رب العالمين وخير الصلاة والسلام على رسوله المصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين؛واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.
الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو " بذل الوسع للقيام بعمل ما " وقد استعملت هذه الكلمة - لأول مرة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة: " إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص ".
والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي، فالفقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهمه ويبني على ما يرجع في فكره الشخصي من تشريع، وقد يعبر عنه بالرأي أيضا. والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدرا من مصادره، فكما أن الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة ويستدل يهما معا كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به.
وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة. وفي نفس الوقت لقي معارضة شديدة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم.
وتتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملة هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصادر الحكم، وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم، وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذي جاء في الروايات، فقد صنف عبدالله بن عبد الرحمن الزبيري كتبا أسماه " الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس ".
وصنف هلال بن إبراهيم بن ابي الفتح المدني كتابا في الموضوع باسم كتاب " الرد على من رد آثار الرسول وأعتمد على نتائج العقول "، وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي ابن إسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد، كما نص على ذلك كله النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء.
وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة، ونذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى والخضر، إذ كتب يقول: " أن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر حتى أشتبه عليه وجه الأمر به، فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الأمم أولى بأن لايجوز لهم ذلك... فإذا لم يصلح موسى للاختيار - مع فضله ومحله - فكيف تصلح الأمة لاختيار الامام، وكيف يصلحون لاستنباط الإحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة ".
وفي أواخر القرن الرابع يجئ الشيخ المفيد فيسير على نفس الخط ويهجم
على الاجتهاد، وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتابا في ذلك باسم " النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي ". ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس، إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول: " إن الاجتهاد باطل، وإن الأمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد ". وكتب في كتابه الفقهي " الانتصار " معرضا بابن الجنيد - قائلا: " إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر " وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار: " إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به ".
وأستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا: " إما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالها".
وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لونا مقيتا وطابعا من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الأمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه.
ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ولا يوجد لدينا الآن نص شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب المعارج للمحقق الحلي المتوفى سنة(676 ه)، إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول: " وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الإحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الإحكام من أدلة الشرع اجتهادا، لأنها تبتني على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.
ويلاحظ على هذا النص بوضوح أن كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنية الأساسية مثقلة بتبعة المصطلح الأول، ولهذا يلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمي فقهاء الأمامية مجتهدين. ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن أسم الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الأمامي، إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية، أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره، فلم يعد مصدرا من مصادر الاستنباط، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه. والفرق بين المعنيين جوهري للغاية، إذ كان على الفقيه - على أساس
المصطلح الأول للاجتهاد - أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص، فإذا قيل له: ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا؟ أستدل بالاجتهاد وقال: الدليل هو اجتهادي وتفكيري الخاص.
وإما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الإحكام بالاجتهاد لان الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدرا للحكم بل هو عملية استنباط الإحكام من مصادرها، فإذا قال الفقيه " هذا اجتهادي " كان معناه أن هذا هو ما أستنبطه من المصادر والأدلة، فمن حقنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلنا على تلك المصادر والأدلة التي أستنبط الحكم منها.
وقد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضا، فقد حدده المحقق الحلي في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص، فكل عملية استنباط لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمى اجتهادا دون ما يستند إلى تلك الظواهر. ولعل الدافع إلى هذا التحديد أن استنباط الحكم من ظاهر النص ليس فيه كثير جهد أو عناء علمي ليسمى اجتهادا.
ثم أتسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك فأصبح يشمل عملية استنباط الحكم من ظاهر النص أيضا، لان الأصوليين بعد هذا لاحظوا بحق أن عملية استنباط الحكم من ظاهر النص تستبطن كثيرا من الجهد العلمي في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجية الظهور العرفي. ولم يقف توسع الاجتهاد كمصطلح عند هذا الحد، بل شمل في تطور حديث عملية الاستنباط بكل ألوانها، فدخلت في الاجتهاد كل عملية يمارسها الفقيه لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة عن طريق إقامة الدليل على الحكم الشرعي أو على تعيين الموقف العملي مباشرة.
وهكذا أصبح الاجتهاد يرادف عملية الاستنباط، وبالتالي أصبح علم
الأصول العلم الضروري للاجتهاد لانه العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.
وعلى هذا الضوء يمكننا أن نفسر موقف جماعة من علمائنا الأخيار ممن عارضوا كلمة الاجتهاد بما تحمل من تراث المصطلح الأول الذي شن أهل البيت حملة شديدة عليه وهو يختلف عن الاجتهاد بالمعنى الثاني، وما دمنا قد ميزنا بين معنيي الاجتهاد فنستطيع أن نعيد إلى المسألة بداهتها ونتبين بوضوح جواز الاجتهاد بالمعنى المرادف لعملية الاستنباط .................
وهنا نستطيع ان نطرح بعض الاسئلة حول الاجتهاد والتقليد التي تدور في الاذهان وهي كالآتي:
1-ان لم يكن هناك تقليد المستحدثات لمن نرجع بها..
2-الناس البسطاء هل قادرون بانفسهم على استنباط الاحكام.
3-ان استطعنا نحن الناس البسطاء ان نستنبط بعض الاحكام فمن يحكم بصحتها وخطئها. خلاصة الموضوع: ان كلمة الاجتهاد استعملت لاول مره في الفقه السني وتعني الاجتهاد من خارج النص والشريعة (تفكير شخصي)وهو المذموم من قبل ائمتنا المعصومين(عليهم السلام) وعلمائنا امثال الشيخ المفيد والطوسي . اما بعد مرحلة العلامه الحلي اخذ الاجتهاد منحى آخر وهو إستنباط الاحكام من النص(الكتاب والسنة النبويه) وهذا مفهوم الاجتهاد عندنا..
دراسه في علم الاصولالحلقة الاولى للسيد محمد باقر الصدر