خاتمة وفيها امران :
الاول : ان الامامة منصب اعتقادي صرف , من المسلم لدى الامامية ان الامامة اصل من اصول الدين وان الدين متوقف على الاعتقاد بها بل الانقياد والانصياع الى ذلك المنصب هو امر ضروري الوجود موقوف عليه بحسب ماتقدم من الطائفة الاولى منذ بداية الخليقة, ولمزيد من البيان لهذا المنصب اللهي الاعتقادي وكيف كانت المنظومة الدينة موقوفة عليه نتعرض الى البيان التالي :
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة

اولا : ان الله تعالى يامر نبيه الكريم بالتبليغ وان لم تبلغ لذهبت الرسالة وهو المعبر عنه بالاية (فما بلغت) !
ثانيا : كان القران الكريم ينزل على النبي ص نجوما على مدار 23 سنة ولم يقل له ان لم تبلغ لذهبت الرسالة سدىً الامر الذي يثير السؤال المهم حول هذا الامر الذي يريد ان يبلغه النبي ص .
ثالثا : ان عصمة الله تعالى للنبي ص من الناس(والله يعصمك) يعرب عن خوف النبي ص من عدم انصياع الناس وتقبلهم وصية النبي ص لعي ع فقد وصف الله تعالى ان عدم انقيادهم لاصبحوا من الكافرين (ان الله لايهدي القوم الكافرين) .
رابعا : من الواضح ان كل امر ديني سواء تشريعي ضروري الاعتقاد او امر اعتقادي صرف اذا ابى المكلفون عنه يكون مرقا عن الدين ويستحق كلمة الكفر ,وهو الامر الذي نرمي الى بيانه من خلال هذه الاية حيث وصفت عدم الاعتقاد بها كفرٌ.
خامسا : ان الدين قد كمل بها وتمت نعمة الله تعالى بها (اليوم اكملت لكم دينكم ...) يعرب ان الدين لا يكون بمعزل عن الولاية ,والا كان الدين غير تام في نظر الموالى تبارك وتعالى وهو احكم الحاكمين .
الثاني : واما الامر الثاني فالكلام في مقامين
المقام الاول ماهو المراد من القران الكريم حقيقة: المراد من هذا المقام هو تبيين حقيقة القران وانه ليس هو النقوش واللفاظ المكتوبة او الملفوظة , نقول : ان القران ذو حقيقة تكوينية بمعنى ان القران لا تنحصر درجاته بهذه الالفاظ وهذه العبارات , وان هذا الوجود للقرآن هو المعبر عنه بالكتبي , واما القران حقيقة هو الوجود التكويني ويدل على هذه المرتبة مجموعة من الشواهد :
أ ـ ان نزول القران يعرب عن كونه كان ذو حقيقة مجردة ثم نزل على الخاتم ص بوجود مادي كتبي .
ب ـ بعض الايات التي تندد باثاره العجيبة والخارقة التي لا يمكن حملها على هذا الوجود الاعتباري منها قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا)الرعد :31 حيث انه قد ذكر في شأن النزول ان قريش اقترحت على النبي ص ان يباعد جبال مكة , لان مكة كانت ضيقة من حيث المساحة فتتوسع ,وطلبوا منه ان يحيي لهم قصي جده واجدادهم ليكلموهم ,فالله تعالى لو اظهر تلك الاثار بالقران لما امنوا , وهذه الاثار لا تفترض للكتاب الاعتباري .
ج ـ قوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الحشر : (21) , وواضح ان المقصود في هذه الاية ليس القرطاس والورق الذي كتب عليه القران له هذه الخصوصية , ولم ينزل على صدر النبي ص هذا الكتاب الاعتباري ,بل مانزل عليه هي تلك المعاني الحقيقية التكوينية التي تدل عليها تلك العبارات فكل لفظ يختبىء خلفه معنى حقيقي ملكوتي .
د ـ قوله تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)البروج : (12)و (22) وفيها دلالة واضحة على انه حقيقة مكنونة في لوح محفوظ ,فكل ماجاء من تعابيره الاعتبارية يعرب عن مكنون معنى ملكوتي تكويني عظيم ,ومن هنا يتبين ان النبوة والرسالة والامامة والولاية هي انوار ملكوتية , نعم لكي تتجلى لابد من ظهورها الشخصي في مظهر من مظاهر الجمال والكمال الائق بشأنها فالنبي ص والامام امير المؤمنين ع هو ذلك المصداق الذي يتلبس بذلك المعنى الملكوتي , ومن هنا نعلم وجه اقتران الائمة ع بالقران بحديث الثقلين , وانهم هم القران الناطق , والقران مع علي وعلي مع القران .
المقام الثاني : ورد التعبير عن الولاية والامامة بعدة تعبيرات منها (الامام ,والخليفة ,واولو الامر ,وهكذا) هل المعنى واحد او متعدد وبعبارة واضحة قد يشكل البعض هل هذه التعبيرات تؤدي الى ان هنالك مقامات متعددة غير النبوة والرسالة والامامة ام ماذا؟
في مقام الجواب :نقول نعم هي مختلفة من حيث المعنى واللفظ ,لكن الاية ليست في صدد بيان ان هنالك اشخاص متعددين وان اولو الامر مثل يختلف عن منصب الخليفة او الامام يختلف عن كونه ولي , بل الامر مختلف تماماً ففي كل اية حيثية معينة بحسب سياقها وبيان مفادها فعندما يتكلم عن الاستخلاف من قبل المولى يقول : خليفة ,عندما يذكر من له الشؤون وإدارة الامور يقول :اولو الامر , وعندما يقول :امام يريد المعنى القيادي وانه مقدم عليكم ,وهكذا كل اية بحسب ما ساقته لبيان هذه المعاني
قال الله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) الانعام:89 فتدبر .
والحمد لله رب العالمين