توقفَت عن الكلام، وجرّت حسرة طويلة ثم قالت : لا فائدة من التأسّف والندم الآن، فقد انتهى التكليف، وهيهات العودة إلى الدنيا مرّة أخرى . تأثرت كثيراً من كلامها، وأحسست بالخجل العظيم أمام الملائكة الذين كانوا برفقتها، لِذا حاولت أبراز جانب الإيجاب مني معها إذ قلت لها : لا أنكر خدماتك لي في المنزل ولك الحقّ في كل ما قلتيه، كان يجب عليّ حسن العشرة والخلق معكم، وكان الأجدر بي أن أجمع بين نفقاتي عليكم وسعيي من أجل تحصيل معاشكم، وبين حسن العشرة و الخلق معكم، وكان الأجدر بي أن أشكرك بدلاً من إظهار عدم الرضا عليكِ. كان الجميع ينصت لكلامي ويترقّب نتيجة الحوار بيننا، ولم أجد من يقاطعني فاستأنفت الحديث بقولي: لقد رفع الله درجتي ونوري بين أهل المحشر بسبب إخلاصي له تعالى في كدّي عليكم، ولولا ذلك لما كان نوري بالدرجة التي ترينها. (1) وأسفي أن لم أكُن حَسنَ الخلُق معكِ كما أوصى نبينا به، وقد عُذّبتُ عظيم العذاب في البرزخ لأجله، وخوفي الآن أعظم من آثاره في عالم القيامة الكبرى . نَوَيتُ أن أطلب منها أن تهبني ظُلمي لها، ولكنّي قبل أن أعرض عليها ذلك قلت لها: إن من واجبات الزوجة في العشرة مع زوجها أن تُطيعه، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وأيُّما أمرأة باتَت وزوجها ساخطٌ عليها في حقّ، لم تُقبل منها صلاة حتى يرضى عنها. فهل عملتِ بما فرضه الله عليكِ، أم كنتِ غافلة عنه؟ ولقد ذكرتُ لها موارد كانت مقصرّة فيها والتي كان يجب عليها طاعتي فيها . التزمَت الصمت الذي يدّل على اعترافها بأخطائها.. حينَها رأيت الوقت المناسب لعرض طلبي منها، فقلت لها : أطلب منك يا آمنة أن تهبي لي ظلمي لك، وأنا أهب لكِ تقصيركِ معي(2)، عسى الله أن يعفُ عنا، ويتجاوز علينا، وهو أرحم الراحمين. لم تُمانِع طلبي منها، بل استقبلته بلهفة وترحيب طمعاً برحمة العزيز الغفّار، ولعلّ عفوِي عنها يخفف عنها شيئاً من أهوال المحشر وما بعده.. ثم حان الوداع، وآن الفراق، ليشقّ كلّ منا طريقه المجهول ومضيتُ مرّة أخرى في صحراء المحشر، ولشدّة حرارة الموقف أحسستُ بجفاف بدني ويبوسته، وضعف في جوارحي . أصبحتُ أقوم وأقع، وأمشي وأتعثر، ولم تعُد لي طاقة على الحركة والإنتقال... ومضَت آلافٌ من سنين المحشر، وفي عرصته التي لا ظلّ فيها ولا ظليل، ومررتُ فيها بمواقفٍ عسيرةٍ غير يسيرة، وفتراتٍ مريرة طويلة جداً لقيتُ فيها ما لقيت من مرارةٍ وآلامٍ، وفي بعضها ذلّة وانكسار، ولِماء وجهي خزيٌّ واندثار. كنت أخجل كثيراً، وتحرقني العبرة والحسرة عندما أرى أفراداً من أقربائي في الدنيا، وقد نالوا درجاتٍ عُليا ونور عظيم، وهم الآن في مقاماتٍ عالية. والعجيب أنني كنت ُأحسبهم أناس بسطاء، إذ لم يكن ظاهراً للناس قربهم من الله في دار الدنيا، ولا تحسّ لأعمالهم الصالحة ضجيجاً، ولا لخيراتهم إلى الناس حسيساً سألت أحدهم وقد كنتُ أنا الذي حثثتُه على التوبة في الدنيا، وتعاهدنا سوياً على أن تكون توبتنا خالصة لله تعالى، سألته عن أي شيء أوصله إلى هذا المقام ؟ فأجاب : لا تظن أنني نِلت هذا المقام من غير عملٍ وجهاد مع النفس و.... قاطعته ، وقلت له : هل تذكر أنا الذي فاتحتك بالتوبة إلى الله، وقد تعاهدنا عليها، وبدأنا بها في وقتٍ واحد، فبماذا افترقنا؟ صحيح ما تقول، لكنك لم تجاهد نفسك كما ينبغي، ولم تمنعها من الرياء الذي كان يُخالط الكثير من أعمالك.. كنتَ تعمل قُربةً إلى الله، لكنك لم تكن تراجع باطِن قلبك، وتتفحص حقيقة نيّتك، ولو فعلتَ ذلك وحاسبتها في وقتها، لوجدت أن عملك مَشوب، ونيتك غير خالصة، ولرأيت هدفاً آخر قد لصق به، واخترق صِدق خلوصه.. شكَوت إليه طول الفترة التي مضَت في المحشر، فتعجب من كلامي ، وقال: لقد كانت مُدّة قصيرة ولم أحس بطولها كما تقول، فعن أيّ شيءٍ تتحدث؟ إستغربتُ من جوابه، وقلت له: أتحدث عن الفترة من أول الحشر حتى ساعتنا هذه. أطرق قليلاً، ثم قال: أنت صادق في ما تقول يا سعيد. إن طول مواقف القيامة تختلف من شخصٍ لآخر، وكلٌّ حسب درجته ومقامه، فبعضٌ يحس به الآلاف بل ملايين السنين، وبعضهم لا يحس به كذلك، بل يمُّر عليه وكأنه نهر يقطعه، أو جسر يعبر فوقه، والخلق بين هذا و ذاك في تبايُنٍ كبير... --------------------- (1): عن رسول الله (صلى الله عليه واله) : "الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله" . (2): في بحار الأنوار ، عن سيد العابدين(عليه السلام): حدّثني أبي أنه سمع أباه علي بن أبي طالب (عليه السلام) يحدّث الناس، فقال: إذا كان يوم القيامة... ولايجوز هذه العقبة عندي ظالِم ولأحد عنده مظلمة إلا مظلمة يهبها لصاحبها وأثيبه عليها ، وآخذ له بها عند الحساب...". #يتبع
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
في أمواج القيامة ج12
تقليص
X