إني أرى والدتي، نعم هي بِعَينها ! إقتربتُ منها أكثر فرأيتها جالسةً تبكي، قد بدا عليها أثر إرهاقٍ وألمٍ شديدَيْن. ناديتُها باسمها فالتفتَتْ نحوي، وفُوجِئَتْ واضطربَتْ كثيراً حينما رأتني واقفاً أمامها، أحسستُ أن الخجل والحياء الشديدَيْن قد خالجاها وقد ترددَتْ في جوابي، فناديتها مرّة أخرى : أمّاه أنا سعيد ، إبنكِ في الدنيا، هل تعرفيني ؟ رفعَتْ رأسها، وأجابتني بصوتٍ ضعيفٍ : كيف لا أعرفك يا سعيد أراكِ شاحبة الوجه، سيئة الحال، فما الذي حدث ؟ تحسرَتْ، وجرَت دمعتها من عينَيها، وقالت: أتذكر خالتَك يا سعيد ؟ نعم أذكرها، أعلم أنكِ لمدّة يسيرة كنتِ لا تتحدثين معها. ارتفع بكائها، وقالت : ليتني ما قطعتُ علاقتي معها وهي أختي، ليتني ما أصغيتُ للشيطان الذي كان يمنعني من الوصول إليها، ليتني قبّلت ُقدميها بدلاً عن الإعراض عنها حينما أتتني إلى منزلي تريد المصالحة، وتحذّرني من عواقب الآخرة.. صمتَت قليلاً، ثم عادت لتقول والحسرة تُحرقها، والندامة تكاد تميتها لولا خلود الحياة في عالَم القيامة: ليتني أصغيتُ لكلامك يا سعيد يوم أخذتَ بيدي تجرها وتقول: ( لنذهب إلى بيت خالتي نصالحها، ونزيل الكدوَرة بينكِ وبينها ). آهٍ... ليتني سحقتُ تكبّري، وذهبتُ معك يوم ذاك وقبّلتُ قدميها قبل يديها. كنت أعلم أن تأنيبها لنفسها هذا لا يزيدها إلا عذاباً فوق عذابها ولكن ماذا عساي أن أفعل لها؟ ابتعدت عنها، وتركتها تتلوى ألماً، وراحت تنادي : لا تتركني يا سعيد، أنا أمك، ألستُ أنا التي تحملتُ العناء من أجلك، وسهرتُ الليالي في رعايتك ؟ تألمت من كلامها، وعدتُ إليها لأقول لها: أمّاه، إن كل إنسان هنا رهين عمله، وأنا أيضاً هنا رهين عملي، لا أتمكن من التقدم خطوة واحدة إلا إذا كانت أعمالي وملَكاتي تؤهلني لذلك، ولكن لعلّي أتمكن من الشفاعة لك في المواقف الأخيرة إن كانت درجتي آنذاك تسمح لي، ودرجتكِ تجيز لكِ استقبالها. غادرتُها هذه المرّة دون عَودة، وابتعدت عنها رُغم سماعي لصراخها وندائها لي . خرجت من عقبة صِلة الرحم ، ودخلت في عقبة المسؤولية، دخلت فيها ولا مناص من الدخول، ولا مجال للفرار منها.. تلقتني ملائكة الغضب بأشكالها المخيفة المرعبة وهيئتها الموحشة! فأصابني خوفٌ عظيمٌ منهم، وأصبح بدني يرتجف لرؤيتهم، ويرتعش كلّما نظرتُ إليهم. ضربني أحدهم بسَوطه فوقعتُ أرضاً، و انشّل بدني عن الحركة، نظرتُ لما حولي أبحث عن عملي فلم أجده، بل رأيتُ آلاف من الخلق قد سقطوا أرضاً، وحال بعضهم مثل حالي، والكثير منهم أسوأ مني. مضَت فترة طويلة وأنا بهذه الحالة، حتى أتى الوقت الذي أحسستُ فيه بأن شخصاً ما يجرني، وجهتُ نظري نحوه وإذا بهم ملائكة الغضب: فسألتهم عما يريدون فعله بي، :فجاء الجواب أنه يُراد بي إلى غرفة المحاسبة التي كثيراً ما دخلتها في العقبات السابقة . دخلتُ غرفة المحاسبة وقد حضر الجميع من مُتَّهَم، وشُهود، وقُضاة، ومحامين... محكمة الآخرة لا تتصوروها كمحكمة عالم الدنيا في مصاديقها، بل في مفاهيمها فقط، فالمُتَّهَم أنا، ولكن ليس كمُتّهمِي محاكِم الدنيا، إذ كل سِمات بدني تشير إلى تُهمتي، والشهود ليس كشهود الدنيا يُحتمل فيهم الصدق والكذب، بل لا مجال للكذب والخداع هنا، ونفس أعضاء بدني تشهد، والأرض تشهد ، والملكان المرافقان لي في الدنيا على يميني وعلى يساري يشهدان، وقادة الأمة يشهدون من الأئمة والأولياء . أمّا المحامين فهم أعمالي الصالحة وملَكاتي الحسنة ! أمّا القضاة فهم من الملائكة الذين لا يأخذون رشوة، ولا تؤثر فيهم قرابة أو صداقة، وهم موكّلون من الله تعالى الحاكم المطلق الذي هو شاهد على أعمال الخلائق، بل على خواطر أفكارهم، وهمسات قلوبهم ونيّاتهم، قبل أن يُشاهد الشهود ما وقع. عرض القاضي عليّ كثيراً مما قصّرتُ به في مسؤولياتي تجاه عائلتي والمجتمع الذي كنت فيه، وحُوسِبت على ذلك حساباً دقيقاً، حتى وصل المطاف بنا إلى فترة تحمّلتُ فيها مسؤولية إدارة قسم المشاريع في الشركة التي كنتُ أعمل فيها، وليتني ما تحملتها ولا قبلتُها! سألني القاضي عن سبب قبولي في إدارة المشاريع في الشركة عند سفر مديرها لمدة شهرين، فأجبته: لقد أصرّ المدير علي كثيراً على قبول طلبه وعدم رفضه، لأنه لم يجد رجلاً نزيها يعتمد عليه، فاستحييت منه ولم أرفض طلبه. وما وجه شعورك بشيء من الفرح الذي دخل قلبك حين معرفتك بالأمر، أهو لأجل أن ذلك يُقربك من الله؟ أم لبُروز نَشوة حبّ الرئاسة لديك ؟ لم أجبه، فأذِن القاضي لأحد الملكين اللذين كانا يرافقاني قي الدنيا، فقال الملك الأول بعد أن توجه نحوي : نحن الملكان اللذان كنا معك في الدنيا حيثما كنتَ، أحدنا على يمينك، والآخر على يسارك، نراقب أعمالك، ونسجّل خواطرك، ولا يفوتنا شيء عنك، نحن الذين قال الله عنا: (( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )). قلت: سبحان الله، كيف يخفى على الله شيء وأنتما ترافقاني في الدنيا أينما ذهبت و خلَوت . أجاب الملك الآخر : الله لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، سواء كنا معك أم لم نكن فهو يعلم ما في نفسي ونفسك، وقد محى عنك الكثير مما ثبّتناه عليك من الذنوب والخطايا، وأنسانا إياها لأنك تبتَ منها إذ سترها عليك في دار الدنيا وفي الآخرة، ولا يعلم بها الآن أحد غيره . إذاً فما وجه مرافقتكما لي مع أن الله يعلم كل شيء بدونكما؟ أجاب الملك : إن الله أراد أن نكون عليك حجة ظاهرة عليك وشهوداً على أعمالك ونياتك، كما أنه أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها، رغم قدرته على إدارة الوجود وحده. أخذتني العبرة، وسالت دموعي أسفاً على معصيتي لربي، ربي الذي ستر علي عيوبي وذنوبي التي تبتُ منها، وكم كان يناديني في القرآن، ويدعوني في التوبة، ويوعدني بالغفران والجنان، وسِتر الذنوب، وتبديل السيئات حسنات...لقد صدق ربي وعده ولم يخلفه. طلب القاضي من الرقيب الإستمرار في حديثه فقال الرقيب : لقد استحضر سعيد ذكر الله تعالى في قلبه، لكنه أيضاً تخيّل نفسه يجلس خلف طاولة الإدارة والمهندسون حوله، فأحسّ بسعادة ورغبة فيما تخيله، وقد كان ذلك أحد الحوافز الذي دفعه لقبول المنصب. توجه القاضي للملك الآخر، وسأله : هل كان لديه أيضا لحظة القبول قصد إصلاح وضع المشاريع، والحد من السرقات والفساد فيها؟ نعم كان في قلبه ذلك أيضا. وما كانت غايته وراء قصده هذا؟ هل كان قصد إصلاح المشاريع خالصاً لله وطلباً للآخرة، أم كان لأجل أن يقال له أنه مهندس نزيه مخلص ؟ أم لأجل أن يرضى عليه مدير شركته ؟ كنتُ مندهشاً من دقّة السؤال والجواب الذي يدور بين القاضي والملك الرقيب الذي أجابه بقوله: كانت نسبة إخلاصه لله في لحظة الموافقة 71 إختلط معها حب الرئاسة بدرجة 42، وحب السمعة بدرجة 15 وإرضاء مدير شركته بدرجة 31. قال القاضي: وهل كانت هناك نيات أخرى في قلبه؟ أجاب الملك سريعاً : نعم كان لديه طموح في زيادة راتبه أيضاً. وكم كانت درجة هذه النية لديه؟ أحد عشر درجة. لم أكن أفهم ما يقصدوه من هذه الأرقام والدرجات، لكني كنت مبهوراً من دقّة الأسئلة وتشعبها، وقلت في نفسي : الوَيل لي، هذه المحاكمة كلها عن قبولي على موافقة تحمّل المسؤولية ، فكيف سيكون الحساب على ساعات وأيام ما بعد تولي هذه المسؤولية؟! لم ينتهي بحثهم حول اللحظة المشؤومة، إذ عاد القاضي يسأل: ماذا كان الهدف من زيادة الراتب ؟ هل لصرف فرق الراتب في أعمال الخير ؟ أم لتحسين معاش العائلة ؟ أم لشراء بعض الحاجات ؟ أم ماذا ؟ واستمرَت المحكمة في مرافعتها ودخل البحث فيها عن مسائل دقيقة للغاية من قبيل كيفية إدارتي للمشاريع، والتعامل مع المهندسين والعمّال وغيرهم، ومن قبيل حالات التكبّر التي كانت تراودني.. وسألني عن الأموال التي تمّ صرفها بإمرتي، هل كانت في موردها الصحيح، أم بإسراف في بعضها، وهل تمّ إعطاء العمّال والمقاولين حقوقهم بصورة عادلة، دون إفراط وتفريط؟ وفي كل ذلك كان هناك شهود على الأفعال، إذ شهدَت الأرض على بعضها، وفي الأخرى خُتِم على فمي، ونطقَت أعضاء بدني لتقول الذي تماهلتُ عن أدائه في الدنيا، ولم أعطه تمام حقّه. وأخيراً وبعد جُهدٍ جاهد، وعناءٍ كبير، ومدّة طويلة دامَت سنين وسنين من الألم والحرقة، تجاوزتُ عقبة المسؤولية، وسُجّلت لي نتيجتها الأخيرة لتُضاف إلى العقبات السابقة واللاحقة، إذ على ضوء مجموعها سيكون الحُكم النهائي، وتحديد مصير كل إنسان أهُوَ للجنة والنعيم، أم للنار والعذاب الأليم... وتلَت ذلك عقبات كثيرة في الطريق، حتى وصلت إلى عقبة الحج والعمرة، ولم تكن لدي مشكلة كبيرة فيها، إذ كنت قد أدَّيتُ مراسمهما بعد التوبة إلى الله، كما أني كنت دقيقاً في تطبيق أحكامها، وجعلت حينها سفري إلى مكة سفر هجرة إلى الله، فوجئت برؤتي أحد رفاقي الذين كانوا معي في سفر الحج، وهو بحال سيئة جداً وتحرقه الحسرة والندامة، اقتربتُ منه وناديته ألستَ أنت الذي رافقني في سفري إلى مكّة والمدينة؟ إلتفتَ نحوي وهو يبكي ثم قال: نعم، ليتَك تُساعدني وتُنجيني ممّا وقعتُ فيه. لكنك أدَّيتَ واجبات الحج معي، فلماذا أنت بهذا الحال ؟! أجاب بانكسارٍ شديدٍ: كان بإمكاني الذهاب للحج في سن الخامسة والعشرين من عمري، ولكني لم أسعى إليه حتى تجاوز عمري الأربعين، لأني كنت أعتقد كما يعتقد أغلب الناس أنه لدي الخيار في تأخيره إلى أواخر عمري، رغم أنّ أحد أصدقائي أخبرني في وقتها بوجوب الحج عليّ، وعدم جواز تأخيره للمستطيع، بل يبقى عالِقاً في ذمتي.. فتماهلتُ فيه و لم أسعى لتأديته ولو بالحدّ الأدنى من السعي والمحاولة.. والآن تبيّن لي أثر هذا التقصير وأن التأخير والتماهل مع الاستطاعة معصية، ولكن الحمد لله أنني نجَوت من عذابٍ عظيمٍ لأنني كنت قد أدَّيت الحج قبل موتي.. فتركتُه، وماذا عساي أن أعمل له، فيكفيني الذي أنا فيه..!! #يتبع
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
في أمواج القيامة ج14
تقليص
X