بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على أشرف خلقة سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
.................................
لما عرفت أن الحياة الحقيقية للإنسان تتوقف على تهذيب الأخلاق الممكن بالمعالجات المقررة في هذه الصناعة، تعرف انها أشرف العلوم وانفعها لأن شرف كل علم إنما بشرف موضوعه أو غايته، فشرف صناعة الطب على صناعة الدباغة بقدر شرف بدن الإنسان واصلاحه على جلود البهائم، وموضوع هذا العلم هو النفس الناطقة التي هي حقيقة الانسان ولبّه، وهو أشرف الأنواع الكونية كما برهن عليه في العلوم العقلية، وغايته إكماله وإيصاله من أول افق الانسان إلى آخره، ولكونه ذا عرض عريض متصلاً، أوله بأفق البهائم، وآخره بأفق الملائكة لايكاد أن يوجد التفاوت الذي بين أشخاص هذا النوع في أفراد سائر الأنواع، فإن فيه أخس الموجودات ومنه أشرف الكائنات كما قيل:
ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى عُدّ ألف بواحد
والى ذلك التفاوت يشير قول سيد الرسل (صلى الله عليه وآله):
"إني وزِنتُ بأمتي فرجحت بهم"
ولا ريب في أن هذا التفاوت لأجل الاختلاف في الأخلاق والصفات، لاشتراك الكل في الجسمية ولواحقها.
وهذا العلم هو الباعث للوصول إلى أعلى مراتبها، وبه تتم الانسانية ويعرج من حضيض البهيمية إلى ذرى الرتب الملكية، وأي صناعة أشرف مما يوصل أخس الموجودات إلى أشرفها، ولذلك كان السلف من الحكماء لا يطلقون العلم حقيقة إلا عليه، ويسمونه بالإكسير الأعظم، وكان أول تعاليمهم، ويبالغون في تدوينه وتعليمه، والبحث عن إجماله وتفصيله، ويعتقدون أن المتعلم ما لم يهذب أخلاقه لا تنفعه سائر العلوم.
وكما أن البدن الذي ليس بالنقي كلما غذوته فقد زدته شراً، فكذلك النفس التي ليست نقية عن ذمائم الأخلاق لا يزيده تعلم العلوم إلا فساداً. ولذا ترى أكثر المتشبهين بزي العلماء أسوأ حالاً من العوام مائلين عن وظائف الإيمان والإسلام، إما لشدة حرصهم على جمع المال، غافلين عن حقيقة المآل، أو لغلبة بهم الجاه والمنصب، ظناً منهم انه ترويج للدين والمذهب، أو لوقوعهم في الضلالة والحيرة لكثرة الشك والشبهة، أو لشوقهم إلى المراء والجدال في أندية الرجال، اظهاراً لتفوقهم على الأقران والأمثال أولاطلاق ألسنتهم على الآباء المعنوية من أكابر العلماء وأعاظم الحكماء،
ولعدم تعبدهم برسوم الشرع والملة، ظناً منهم أنه مقتضى قواعد الحكمة، ولم يعلموا أن الحكمة الحقيقة ما أعطته النواميس الإلهية والشرائع النبوية، فكأنهم لم يعلموا أن العلم بدون العمل ضلال، ولم يتفطنوا قول نبيهم (صلى الله عليه وآله):
"قصم ظهري رجلان، عالم متهتك، وجاهل متنسك"
ولم يتذكروا قوله (صلى الله عليه وآله):
"البلاهة أدنى إلى الاخلاص من فطانة بتراء"
وكل ذلك ليس إلا لعدم سعيهم في تهذيب الأخلاق وتحسينها وعدم الامتثال لقوله تعالى:
{وَأتُوا البُيُوتَ مِنْ أبْوَابِهَا}
{سورة البقرة:189}
..............................
من كتاب(جامع السعادات)
(ج: 1 ص:39ـ40)
تعليق