بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين
والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين
حقوق الوالدين في مدرسة أهل البيت
أعطى الاَئمة الاَطهار لتوجّهات القرآن الكريم وأقوال النبي وأفعاله الفكرية والتربوية روحاً جديدة ، وزخماً قوياً عندما أُلقيت على عواتقهم وظيفة النهوض الحضاري بالاَمة في جميع المجالات ، خصوصاً بعد التداعيات والشروخ التي حصلت في المجتمع الاسلامي من جراء سيطرة حكام الجور والضلال على مراكز القرار . فعمل الاَئمة عليهم السلام باخلاص من أجل تقويم الاعوجاج وترشيد المسار الحضاري للاَمة .
وفي ما يتعلق بحق الوالدين ، نلاحظ أنهم عملوا على عدة محاور ، يمكن إبرازها على النحو الآتي :
1 ـ تفسير ما ورد من آيات قرآنية :
ينبغي الاِشارة هنا إلى أنّ أهل البيت عليهم السلام هم الذين أُنزل القرآن في بيوتهم ، وقَرنَهم الرسول الاَعظم به ، وغدوا بذلك قرآناً ناطقاً ، ينطقون بالحق ويؤكدون على أداء الحقوق .
فقد حدّد الاِمام جعفر الصادق عليه السلام مفهوم الاِحسان الوارد بقوله تعالى : ( وقضى ربُّك ألاّ تعبدُوا إلاّ إيَّاهُ وبالوالدين أحسانا)(الاِسراء 17 : 23) ، فقال عليه السلام : «الاِحسان : أن تُحسن صحبتهما ، وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه ، وإنْ كانا مستغنيين» (1).
وحول قوله تعالى : (.. إما يبلغنَّ عندك الكبر أحدُهُما أو كلاهُما فلا تقُلْ لهما أُفٍّ ولا تنهرهُما... ) (الاِسراء 17 : 23) .
قال عليه السلام : «إن أضجراك فلا تقل لهما أُفٍّ ، ولا تنهرهما إن ضرباك» (2).
وعن قوله تعالى : ( وقُلْ لهما قولاً كريماً ) (الاِسراء 17 : 23) ، قال عليه السلام : «إنْ ضرباك فقل لهما : غفر الله لكما» (3). وقال الصادق عليه السلام : «أدنى العقوق (أُفٌّ) ولو علم الله شيئاً أهون منه لنهى عنه» (4).
وفي ضوء قوله تعالى : ( واخفض لهما جناح الذُّل من الرَّحمةِ وقُلْ رَبِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً ) (الاِسراء 17 : 25) ، يقول أيضاً (ع): «لا تملاَ عينيك من النّظر اليهما إلاّ برحمة ورقّة ، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ، ولا يدك فوق أيديهما ولا تقدَّم قدّامهما» (5). وحول الآية الكريمة : ( ان اشكُر لي ولوالديك إليَّ المصير ) (لقمان 31 : 14) ، يقول الاِمام علي بن موسى الرِّضا عليه السلام : «إن الله عزّ وحل أمر بالشكر له وللوالدين ، فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله» (6).
2 ـ استثارة الوازع الاَخلاقي :
أراد الاَئمة عليهم السلام أن تبقى منظومة الاَخلاق في الاَُمّة حيةً فعالةً ، انطلاقاً من حرصهم الدائم على سلامة المجتمع الاِسلامي ، حتى لا يتردى أفراده في متهاوي القلق والضياع .
وعليه فقد حثّوا على التمسك بالقيم الاَخلاقية في تعامل الاَولاد مع والديهم ، بحيث تتحول إلى طبع يطبع سلوك الأبناء وفي هذا الصَّدد يقول الاِمام علي عليه السلام : «برّ الوالدين من أكرم الطباع»(7). ويقول حفيده الاِمام الهادي عليه السلام : «العقوق ثكل من لم يثكل»(8).
3 ـ تحديد الحكم الشرعي :
لم يبقِ آل البيت عليهم السلام مسألة حقوق الوالدين في إطار التوجهات القرآنية أو مجرد استثارة الدوافع الاخلاقية ، بل حددوا الحكم الشرعي لهذه المسألة الحيوية ، واعتبر الامام علي عليه السلام : «برّ الوالدين أكبر فريضة» (9). ويقول الاِمام الباقر عليه السلام : «ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لاَحد فيهنّ رخصة :
أداء الاَمانة إلى البرّ والفاجر ، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر ، وبرّ الوالدين برين كانا أو فاجرين» (10).
والجدير بالذكر ، أن الاِسلام لم يربط حقوق الوالدين بقضية الدين ، وضرورة كونهما مسلمين ، بل أوجب رعاية حقوقهم بمعزل عن ذلك ، يقول الاِمام الرِّضا عليه السلام : «برّ الوالدين واجب وإنْ كانا مشركين ، ولا طاعة لهما في معصية الخالق» (11). ولم يكتف الاِمام الرِّضا عليه السلام بتبيان الحكم الشرعي بل كشف عن الحكمة من وراء هذا التحريم بقوله : «حرّم الله عقوق الوالدين لما فيه من الخروج من التّوفيق لطاعة الله عزّ وجلّ ، والتّوقير للوالدين ، وتجنّب كفر النّعمة ، وإبطال الشكر ، وما يدعو من ذلك إلى قلّة النّسل وانقطاعه ، لما في العقوق من قلّة توقير الوالدين ، والعرفان بحقّهما ، وقطع الاَرحام ، والزّهد من الوالدين في الولد ، وترك التّربية بعلّة ترك الولد برّهما» (12) .
من خلال التمعن في هذا النصّ نجد نظرةً أرحب وأعمق لحق الوالدين، وكون القضية لا ترتبط بالجانب المعنوي المتعلق بحقوق الوالدين فحسب ، بل لها آثار واقعية على مجمل الكيان الاجتماعي ، وعلى الاَخص فيما يتعلق بمسألة حفظ الجنس البشري من الانقراض والاستئصال ، كما أن للمسألة آثاراً تربوية سلبية واضحة ، فعندما يجد الوالدان أنفسهما وقد هدرت كرامتهما ، وصودر حقهما من قبل الاَبناء ، فسوف يتشكل رأي عام في المجتمع ، بأن انجاب الاَولاد ، أو على الاَقل بذل الجهد في تربيتهما ، عملية خاسرة ، وتسفر عن نتائج غير مُرضية ، وهذا سوف يؤدي إلى قلة أو انقطاع النسل ـ كما نوّه الاِمام عليه السلام ـ أو يؤدي إلى عدم الاهتمام بتربية الابناء ، وفي كلتا الحالتين فالخسارة فادحة على المجتمع . ويحصل العكس من ذلك لو وجد الاَبوان أنفسهما في موضع التكريم والاحترام ، فسوف يحرصون على إنجاب الاَطفال ، والقيام بتربيتهم على النحو الاَفضل .
وخير شاهد معاصر على ذلك ما يحصل الآن في المجتمعات الغربية ، فقد أدّى التفكك الاَُسري إلى متاهات لا تُحمد عقباها ، وأخذ الولد يتنكر لقيمومة والديه ويتنصل عن أداء حقوقهما ، وانجرف في تيار المادة واللّذة العارم ، الاَمر الذي أدّى إلى قلّة النسل الشرعي وعدم الاهتمام بتربية الطفل، واتكاله إلى دور الحضانة ، وبلغ الانتكاس الاجتماعي حداً ، بحيث أصبحوا يهتمون بتربية الحيوان وخاصة الكلاب أكثر من الذين خرجوا من الاَصلاب ! وإذا استمر هذا الوضع الشاذ ، بشيوع حالة من الاَنانية والانعزال ، فسوف يؤدي إلى انقطاع أو على الاَقل قلة النسل الشرعي ، وتصبح المجتمعات الغربية على شفري الهاوية .
4 ـ تحديد الحقوق المترتبة للوالدين :
تتسع عدسة الرؤية للحقوق في مدرسة أهل البيت عليهم السلام عن غيرها من المدارس والمذاهب القانونية والاجتماعية ، فهي تركز في توجهاتها على الحقوق المعنوية ، وتضعها في سلّم الاَولوية ، ولا يعني ذلك إهمال الحقوق المادية ، فإذا كانت النَّظرة المتعارف للحق انه حقٌّ ماديٌّ بالدَّرجة الاَساس ، فانَّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام تنظر للحق نظرة أرحب وأشمل ، هي نظرة الاِسلام العميقة التي تُقدم الجانب المعنوي على المادي ، وعلى هذا الاَساس ، نلاحظ أنّ أكثر توصيات وأحاديث الاَئمة عليهم السلام تنصب على رعاية الحقوق المعنوية ، كالطاعة للوالدين والشكر والنصيحة لهما ، يقول الاِمام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة : «إنّ للولد على الوالد حقّاً... أن يطيعه في كلِّ شيء إلاّ في معصية الله سبحانه» (13).
ويقول حفيده الاِمام الصادق عليه السلام : «يجب للوالدين على الولد ثلاثة أشياء : شكرهما على كلِّ حال ، وطاعتهما فيما يأمرانه وينهيانه عنه في غير معصية الله ، ونصيحتهما في السرِّ والعلانية» (14).
ويقول الاِمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام في رسالة الحقوق : «أمّا حق أبيك فأنْ تعلم أنّه أصلك ، وأنّه لولاه لم تكن ، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك ، فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه ، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ، ولا قوة إلاّ بالله» (15).
ويقول عليه السلام في ما يتعلق بحق الاَم : «أما أُمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها مالا يعطي أحدٌ أحداً، ووقَتْك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلّك ، وتهجر النّوم لأجلك، ووقَتْك الحرَّ البرد تكون لها ، فإنّك لا تطيق شكرها إلاّ بعون الله وتوفيقه»(16).
بهذه اللغة الوجدانية الشفافة يصوغ الاِمام زين العابدين عليه السلام بنود الحقوق الاعتبارية للوالدين .
وأيضاً ينقل أبو الحسن موسى الكاظم عليه السلام عن جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : أن رجلاً سأل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ما حقّ الولد على والده ؟ قال : «لا يُسمّيه باسمه ، ولا يمشِ بين يديه ، ولا يجلس قبله ، ولا يستسب له» (17).
وأنت لو تمعنت في السطور المتقدمة ، تلمس بوضوح عمق التركيز على الحقوق المعنوية للوالدين ، ولعل السرّ في ذلك أن تطعيم الاَولاد فكريا ووجدانياً من خلال إدراك هذا النوع من الحقوق الاعتبارية ، يمنح الاَولاد المناعة والحصانة من الاِصابة بالإمراض الاجتماعية ، تلك التي تقوّض كيان الاَُسرة كمجتمع صغير ، وتنعكس أعراضها وآثارها التدميرية على المجتمع الكبير .
ومن الضروري الاِشارة إلى أن التركيز على الحقوق المعنوية ، لا يعني بحال اغفال ما للوالدين من حقوق مادية ، كضرورة الانفاق عليهم عند العوز أو الشيخوخة ، ولكن وفق ضوابط وحدود معقولة .
والظاهر أنّ الرأي السائد آنذاك ، هو ان للوالد مطلق التصرف في أموال بنيه، اعتماداً على رواية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الخصوص ، ولكن الاِمام الصادق عليه السلام قشع هذا المفهوم الخاطئ من أذهان الكثيرين ، وفق مبادئ وقواعد الاِسلام ، التي تمنع الضَّرر والإضرار بالآخرين ، وكشف عليه السلام عن الدواعي التي حملت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القول لرجل اشتكى من أبيه ـ وادّعى أنه أخذ ميراثه الذي من أمه ـ : «أنت ومالك لأبيك» بان الاَب كان معسراً ، وقد الجأته الضرورة لذلك ، فالآمر لا يعدو أن يكون قضية في واقعة .
يتضح لك ذلك عند قراءة الرّواية التالية : عن الحسين بن أبي العلاء قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما يحلّ للرّجل من مال ولده ؟ قال عليه السلام : «قوته بغير سرف إذا اضطرّ اليه» ، قال : فقلت له : فقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للرّجل الذي أتاه ، فقدّم أباه ، فقال له : «أنت ومالك لأبيك» ؟ فقال عليه السلام : «إنّما جاء بأبيه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أُمي ، فأخبره الاَب أنّه قد أنفقه عليه وعلى نفسه ، فقال : أنت ومالك لأبيك ، ولم يكن عند الرّجل شيء أفكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحبس الاَب للاِبن» (18)!
____________
(1) أُصول الكافي 2 : 165 | 1 باب البر بالوالدين .
(2) أُصول الكافي 2 : 165 | 1 باب البر بالوالدين .
(3) أُصول الكافي 2 : 165 | 1 باب البر بالوالدين .
(4) أُصول الكافي 2 : 349 | 1 باب العقوق .
(5) أُصول الكافي 2 : 165 | 1 باب البر بالوالدين .
(6) بحار الأنوار 74 : 68 .
(7) بحار الأنوار 77 : 212 .
(8) بحار الأنوار 74 : 84 .
(9) غرر الحكم : 239 | 4512 .
(10) بحار الأنوار 74 : 56 .
(11) بحار الأنوار 74 : 72 .
(12) بحار الأنوار 74 : 75 .
(13) نهج البلاغة ـ ضبط صبحي الصالح : 399 .
(14) تحف العقول ـ لابن شعبة الحراني : 322 ـ مؤسسة النشر الاِسلامي ط2 .
(15) بحار الأنوار 74 : 6 .
(16) بحار الأنوار 74 : 6 .
(17) أُصول الكافي 2 : 166 | 5 باب البر بالوالدين ، ولا يستسب : أي لا يصير سبباً لسب الناس له، كأن يسب آباءهم فيسب الناس والده .
(18) فروع الكافي 5 : 138 / 6 باب 47 من كتاب المعيشة
تعليق