بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
(وَقال الرَّسولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذوا هذا القُرآنَ مَهْجوراً)( 1) (إذا الْتبسَتْ عَليكمُ الفِتنُ كقِطَع اللَّيل المُظلِم ، فعلَيكم بالقُرآن) .
(حديث النبوي) هل نحن مسلمون ؟هل نحن مؤمنون ؟هل نتلو القرآن حقَّ تلاوته ؟ هل نؤمن به ، ونستعذب حياضَ معارفه وتعاليمه ؟هل اتخذناه منهاجاً لدنيانا وآخرتنا ، نحكّمه في قضايانا الإجتماعية والإقتصادية والتربوية ، ومصدراً لأنظمتنا ، ونظاماً لاُمورنا ؟
أخي المسلم إنك إن كنت تريد استعادة مجدك الذاهب ، مجد آبائك وأجدادك ، إن كنت تريد النصر والغلبة على أعداء اُمتك ،وإن كنت تريد النجاة بنفسك ، وإنقاذ أبناء اُمتك من هذه الشبكات التي حاكتها يد الإستعمار ونشرتها في بلادنا ومدارسنا وكلياتنا وأسواقنا ، وحتى في بيوتنا ،وإن كنت من طلاب الصلاح والإصلاح والفوز والفلاح،فتعال ! تعال ! لنستمسك بحبل القرآن ، نهتدي بهداه ، ونستضيء بنوره ، ونعيش في ظلاله بأمن وطمأنينة ، ونستشفي به من أدوائنا ، ونستعين به على لأوائنا ، ونرتّله ترتيلا . إننا يا أخي مسؤولون غداً عند اللّه تعالى عن هذا القرآن في محكمته العادلة ، (يَوْمَ لايَنْفَعُ مالٌ ولابَنُونَ إلا مَنْ أتى اللّهَ بِقَلْب سَليم)([2]) . وسيخاصمنا نبيّنا(صلى الله عليه وآله) إذا كنا من الذين نبذوه وراء إن داء المسلم المعاصر ليس إلا في تركه العملَ بالقرآن والإكتفاء باسم الإسلام مسجّلاً على بطاقة هويته ، محققاً بذلك قول الرسول الصادق الأمين
(سيأتي زمان على أُمّتي لايبقى من القرآن إلا رسمه ولامن الإسلام إلا اسمه ; يسمّون به وهم أبعد الناس عنه) .
إنني أدعوك أيها المسلم لأن ننظر بعين البصيرة إلى الآيات التالية ، كرِّر ، وأعد ، ثم أعد تلاوتها ، وتفكّر ثم تفكّر في معانيها وما تستهدفه من أغراض حكيمة وتعاليم سامية ، ثم عرّج بالنظر إلى واقع عالَمنا الإسلامي ، وإلى النظم الإجتماعية في بلاد المسلمين ، فهل تجد بلداً طبّق هذه الآيات ، أو بعضها فيها كمنهاج للحياة في نظمه الإجتماعية أو السياسية أو مناهجه التثقيفية أو التربوية ؟
أنا لاأقول بأنك لم تسمع بالآيات التي سأتلوها عليك ، بل لاشك من أنك قد قرأتها كثيراً في صباحك ومسائك ، وفي شهر صومك ، وعند دعائك ، وحينما أردت استكثار الثواب بقراءة كتاب اللّه تعالى ; ولكن مجرد القراءة لايكفينا ولاينجينا إذا نحن لم نتفهم معانيه ومقاصده ، ولم نأخذ بمضمون ما نقرأ ، ولم نعمل بأوامره ، ولم ننزجر بزواجره .
إن الغاية من نقلها إليك أيها الأخ المسلم إنما هي محاولة الإستفادة من تعاليمها السامية علّها تشحذ في الهمّة وتقوي عزائمنا ، وتدفعنا إلى العمل على ضوئها ، لنعيد بناء مجدنا وعظمتنا ، ونترفّع بأنفسنا التي أراد اللّه لها أن تظل كريمة عزيزة ، عن الإسعاف في الشهوات التي أدّت بنا إلى هذا السقوط مما جعل أعداءنا يغزوننا في عقر دارنا ، بعد أن كانوا هم هدفاً لغزونا لهم في عقر دارهم ، ولاحول ولاقوة إلا باللّه .
قال تعالى (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمنونَ باللّه يُوادُّونَ مَن حادَّ اللّهَ وَرَسوُلَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهم أو أبناءَهم أو إخوانَهم أو عشيرتَهم أوُلئك كتَبَ فِي قُلوبِهم الإيمانَ وأيَّدَهم بروُح مِنْهُ)([3]) .
ظهورهم ، يحتجُّ علينا بكل آية من آياته ، ويحاكمنا على كل حكم أهملناه من أحكامه . فَلاَ وَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنوُنَ حَتَّى يُحَكِّموُكَ فيما شَجَرَ بينَهم ثُمّ لايَجِدُوا فِي أَنْفُسِهم حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْليماً .)([4])
(قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزواجُكم وعشيرتُكُمْ وأموالٌ اقْتَرَفتُموُها وتجارةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها ومَساكنَ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إليكم مِنَ اللّهِ ورسولِهِ وجِهاد فِي سبيلِه فَتَرَبَّصوُا حَتّى يَأتِيَ اللّهُ بأمْره واللّهُ لايَهْدِي القومَ الفاسقين)([5]) .
(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لاتَتّخِذوا اليَهودَ والنَّصارى أوْلياءَ بَعْضُهُم أوْلياءُ بَعض ومَنْ يَتَوَلَّهُم مِنْكُم فَإنَّهُ مِنْهُم إنَّ اللّهَ لايَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ)([6]) .
(يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لاتَتَّخِذُوا الكافِرين أوْلياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤمنينَ أَتُريدُونَ أن تَجْعَلُوا لِلّهِ عَليكم سُلْطاناً مُبيناً)([7]) .
(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)([8]) .
(وَأَطيعُوا اللّهَ ورَسوُلَهُ ولاتَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ ريحُكُم واصْبِروُا إنَّ اللّهَ مَع الصَّابرينَ)([9]) .
(وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أوُلئك هُمُ الفاسِقونَ)([10]) .
(يَاأيُّهَا الذِين آمَنُوالاتَتَّخِذوا بِطانَةً مِنْ دُونكم لايَألُونَكُم خَبالاً وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهم وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُم اْلآياتِ إنْ كُنْتُم تَعْقِلون)([11]) .
(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلوا الَّذِينَ يَلوُنَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُم غِلْظَةً وَاعْلَموا أن اللّهَ مَعَ المُتَّقِينَ)([12]) .
(وَاعْتَصِمُوا بحَبْل اللّهِ جَميعاً ولاتَفَرَّقُوا)([13]) .
(إنَّمَا الْمُؤْمنونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ)([14]) .
(ألَّذِينَ يَأْكُلوُنَ الرِّبوا لايَقُومُونَ إلاّ كمَا يَقوُمُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بأنَّهُم قالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحرَّمَ الرَّبوا)([15]) .
(يَا أيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجكَ وبَناتِكَ ونساءِ المُؤمنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذلكَ أدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحيماً)([16])
(وَلْتَكُنْ مِنْكُم اُمّةٌ يَدْعونَ إلَى الخَيْر ويَأْمرونَ بالمعروفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَر وأوُلئكَ هُمُ المُفْلِحونَ)([17]) .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أعْقابكم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين)([18]) .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُم إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبيلِ اللّه اثاّقلْتُمْ إلَى الأرْض أرَضِيتُم بِالحَيوة الدُّنيا مِنَ الآخِرة فَمَا مَتاعُ الحَيوة الدُّنيا في الآخرة إلاّ قَليلٌ)([19]) .
(الرِّجالُ قوّامونَ على النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُم عَلى بَعْض وبِمَا أنْفقُوا مِن أموالهم)([20]) .
(أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنونَ)([21])
(وَأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبونَ بهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعدُوَّكُم وآخَرينَ مِنْ دوُنِهم لاتَعْلَمُونَهُم اللّهُ يَعْلَمُهُم وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيء فِي سَبيلِ اللّهِ يُوَفَّ إلَيْكُم وأنْتُمْ لاتُظْلَمُونَ)([22]) .
(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ ...)([23]) .
(والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ولايُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بعَذاب أليم)([24]) .
(الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلدُوا كُلَّ واحِدمِنْهُمَامِأَةَ جَلْدَة وَلاتَأْخُذْكُمْ بِهِمَارَأفَةٌ فِي دينِ الله)([25]) .
(إنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسرُ والأنْصَابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفْلِحونَ)([26]) .
(ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بَمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأولئكَ هُمُ الكافِرونَ)([27]) .
(إنَّ المُبَذِّرينَ كانُوا إخْوَانَ الشيَاطين)([28]) .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ أوِ الوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ)([29]) .
(وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)([30]) .
(الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أقَامُوا الصَّلوةَ وآتَوُا الزَّكوةَ وَأمَروُا بِالمَعْروفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَر وَلِلّهِ عاقِبةُ الأمور)([31]) .
هذه الآيات ومثيلاتها ، مما تضمَّن تحديد السلوك العام للإنسان المسلم والاُمه المسلمة ، تعرفها أنت ويعرفها كل مسلم غيرك ; ولكن أين هو التطبيق ؟
إقرأ القرآن ـ كتابَ الله ـ ودستور دينك الذي تعتقد في قرارة نفسك أحقيَّته بالإتباع ، وسمّوه على كل كتاب ودين ودستور ، وقفْ عند كل آية من آياته بتدبّر ، ثم قارن بين ما تضمَّنته من أمر أو نهي وبين سلوكك أنت وسير النظام في بلدك وطريقة حياة قومك ، فهل تجد في كافّة هذه الجهات من يأخذ بها ؟ أو يبني مسلكه في الحياة على هُداها ؟
بل إنك لن تجدغير الإنفصال التام في حياتك ونظام حكومتك وسلوك مجتمعك عنها، لابل سوف تجدها خارجة عن نطاق دنياك ، وكأنها لا تعنيك ولاتقصدك في الخطاب.
أجل ، إنني أكرِّر الطلب لمبادرة قراءة هذه الآيات ، ثم البحث في مطاوي تاريخنا الإسلامي ، فهل تجده قد تحدث في عصر من عصور أمتنا السالفة عن جيل اتّخذ القرآن مهجوراً كما اتّخذه أبناء جيلنا في عصرنا وزماننا هذا ؟
لعن اللّه العلمانية ومن جاء بها ، ومن سنَّ شرعية هذا المبدء الخبيث الذي قلب الإسلام ظهراً لبطن .
تعالَ معي لنتجوَّل في أسواق المسلمين ، فنرى أن أكثر ما يباع فيها سلع مستوردة من الأعداء ; وأكثرها ممَّا لاضرورة في بيعها ولافي شرائها ، بل منها ما له خطر الأثر على مقومات وجودهم وأخلاقهم كأنواع الخمور وآلات اللهو وأدوات القمار .
ثم لنعرج معاً على معاهد العلم ومدارسه وكلياته ، حيث لانرى في مناهجها وأساليب تعليمها إلا ما يدفع الشباب إلى الإنحراف عن العقائد الصحيحة ، ويشوقهم إلى ترك الإلتزام بالآداب والتعاليم الإسلامية ، وما ذلك إلا لأنها من وضع أعداء الإسلام ، والمتربّصين به وبأهله الدوائر .
ثم لنُلقِ نظرة على تكنات الجيش ، ومراكز القوّات المسلحة في البلاد الإسلامية ومحافل موظّفي حكوماتها ، لنرى أن أعظم شعار إسلامي وهو الصلاة لاتقام في أوقاتها بينهم .
ثم انظر إلى الشوارع والأزقة والأسواق ، لتراها غاصَّة بأفواج النساء المتبرجات السافرات العاريات تقريباً ، وهنّ يزاحمن الرجال بالمناكب والصدور ; وفي ذلك ما فيه من إغراء للشباب ودفعه إلى هاوية الرذيلة وانعدام الرجولة مما يؤدِّي حتماً إلى انهيار المجتمع و دماره وتفكّكه .
وهيا لنذهب ونراقب ما يجري في قاعات البرلمان ومجالس الاُمة ، ونصغي إلى ما يطرحه أعضاؤها من مشاريع وقرارات ، لنرى كيف يسوِّغون لأنفسهم حق التشريع والتقنين حتى على خلاف أحكام القرآن وضد مصالح المسلمين .
ولاتغفل يا أخي عن استعراض أراضينا المغتصبة من وطننا الإسلامي ، وخصوصاً الجزء المقدس منها أعني أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، فهل ترى من سبب لبقائها في أيدي الأعداء إلا اختلاف الرؤساء المتغلبين على بلاد المسلمين ، وتفرقهم وعدم اعتصامهم بحبل اللّه ؟ وهل تجد لهؤلاء من عذر عند اللّه تعالى في تنصيب كل واحد منهم نفسه رئيساً أو أميراً أو سلطاناً أو ملكاً على مجموعة من المسلمين في بقعة من بقاع وطننا الإسلامي الكبير ، من غير أن يتنازلوا عن هذه العروش لمصلحة الإسلام واجتماع كلمة المسلمين ووحدتهم ، تحقيقاً لقول النبي الأعظم (وهم يدٌّ عَلى من سواهم) ، حتى غدا العالم الإسلامي موزِّعاً إلى دويلات ضعيفة واهية مشتقة متباعدة في المشارب والأهواء والسياسات .
فهذه عميلة لآمريكا ، وتلك تعمل لمصلحة روسيا ، هذه تقتل الفدائيين وتريد اجتثاثهم من الأرض ، ومن كانت حاله أحسن منها فى ذلك تترك نصرتهم بحجة أنها بعيدة عن منطقة المعركة ، أو بدعوى ضعف إمكاناتها العسكرية والهجومية ، إلى غير ذلك من التُّرهات والأباطيل .
ولقد أصبح المسلمون ويا للأسف الشديد في كافة مظاهر حياتهم وعاداتهم وأوضاعهم مقلدين لأعدائهم ، ولو كان هذا التقليد فيما ينفع لكان نعمة وهو ليس بمعيب ، إذ أن الأمم العاقلة هي التي تقتبس عن مثيلاتها كل ما تراه صالحاً لها ; ولكن الذي اقتبسناه نحن عن الأجنبي من عادات وتقاليد ، أكثره يمكن فيه الضرر إن لم يكن جميعه كذلك .
فبالله عليك يا أخي قل ، وليكن قولك الحق ، أنحن في أكثر عاداتنا ومظاهر حياتنا ، وقوانين حكوماتنا ، مسلمون ؟ أم إننا في واد و تعاليم ديننا ومفاهيمه في واد آخر ؟
ولن أتعرض لما عليه صحافتنا وسائر وسائل إعلامنا ، فإن ما هي عليه من ترويج الفساد وسوء الأخلاق والتشجيع على الدعارة ، والدعوة إلى الخلاعة ، والإستهتار بالقيم ، والحثّ على الإلحاد ، كل ذلك أمر بديهي لايحتاج إلى برهنة .
ومن أشد أمراضنا مرض النفاق ، إذ إننا نقول بإذاعاتنا ومآذننا وأثناء صلواتنا (أشهدُ أن لاإله إلاّ اللّه ، وأشهدُ أن محمّداً رسول اللّه ، وعبده ورسوله) ، مع أننا خارجون عن سلطان دين اللّه وسلطان أحكامه ، متمسكون بالمناهج الكافرة الداعية إلى الشرك أو الإلحاد ، نقرأ القرآن ، ونردّد في مفتتح كل سورة (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) ; إلا أن منا من يردد ويهتف في افتتاحية مقاله وفي الكتابات الرسمية وغيرها باسم سمو الأمير ، أو فخامة الرئيس ، أو جلالة الملك والسلطان ، غير آبهين بما أمرنا اللّه تعالى بالأخذ به ، وجعله شعاراً لهذه الأمة ، أمة التوحيد ، من الإبتداء باسمه المجيد .
اللّه أكبر ! ما أبعدنا عن مفاهيم الإسلام وتعاليمه ! ما الباعث لنا ياترى على قبول الذُّل والصغار تجاه عبد ذليل مثلنا ، مع أننا نسمع قول اللّه سبحانه ونردّده (ولايَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أرباباً مِن دُونِ اللّه)([32]) ، نؤمن لرسالة رسول اللّه محمد(صلى الله عليه وآله) ، لكننا مع ذلك لا نتبع ما جاء به من عند اللّه ولانتأسّى به ، ثم نأخذ بمبادئ أعدائنا ، فإذا لم يكن ذلك من النفاق ، فما معنى النفاق إذن ... ؟
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك مما نحن فيه من ضلال ماحق لعزّنا ، دافع لنا إلى نسيان ديننا وكتابنا وسنّة نبيّنا . أجل ! إنه لاريب ولاشكَّ في تحقق جميع ما تقدّم ممَّا نحن عليه ، إلا أن المسلمين أو أكثرهم من الواعين ، قد أدركوا داءهم ، وعرفوا دواءهم ، ولولا نفوذ بعض المفاهيم الإستعمارية ، والدعاية الشديدة لها في عدة الأقطار من عالَمنا الإسلامى بمختلف الأساليب الخداعة ; ولولا سيطرة بعض الرؤساء والزعماء ، ممن أعمى أبصارهم الجاه وحبُّ الرئاسة ; ولولا هذه التمزقات الإقليمية ، والعصبيات العنصرية والقومية ، التي توزعت
عالمنا الإسلامي ، وحالت بين كل إقليم وإقليم آخر ، لولا كل ذلك لكان المسلمون اليوم على هامة التاريخ يعيشون في عالم كله نور ، وفي مدنية علمية وصناعية هي أرقى من جميع المدنيات .
وإننا ليحدونا الأمل رضوخاً لقول اللّه سبحانه (لا تَيْأسُوا مِنْ رَوْح اللّهِ([33]) . . . ولا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمة اللّه)([34]) ، بانبعاث نهضة إسلامية واعية على أيدي رجال مجاهدين ، قد توزعوا هنا وهناك من بلاد المسلمين ، قد آلوا على أنفسهم أن يعيدوا الإسلام إلى واقع المسلمين ، ويدفعوهم إلى طريق إعادة مجدهم الإسلامي الزاهر ، وبناء مجتمعنا على دعائم العقيدة الإسلامية الحقة ، والوقوف صفّاً واحداً في وجه نوايا الإستعمار الخبيثة .
وإننا لنجد في كل قطر رجالاً مجاهدين ، قد ثاروا على الباطل ، وتنبهوا لأحابيل الإستعمار ، ووقفوا في وجه كل دعاية أجنبية تهدف إلى النيل من قداسة الإسلام وعزِّ المسلمين ووحدتهم .
ولقد قام الإستعمار من جانبه ، مستعملاً كل ما لديه من قوة سياسية ومادية لإبادة هؤلاء الأبطال والتضييق عليهم ومطاردتهم يساعدهم على ذلك أعوانهم وعملائهم ، ذلك لأنه يعلم بأن عمل هؤلاء المصلحين الدائب سوف يؤدِّي إلى تيقظ المسلمين ، وبالتّالي إلى وحدتهم ولو سياسياً ، وذلك من أعظم الموانع دون تحقيق نواياه الخبيثة فيهم ، إلا أنه بعون اللّه يفشل في العاقبة ، وستفشل أحابيل الصهيونية المتمثلة بإسرائيل والدول المؤيدة لها والمنفقة عليها ، فإن الحق لابد وأن ينصر في النهاية على الباطل مهما طال الأمد ، واللّه ينصر من ينصره .
والوصول إلى الغاية لايتمُّ إلا بالدعوة إلى الجهاد المتواصل والعمل على إعادة مناهج الإسلام وإرشاداته ، وإلى واقع حياتنا الإجتماعية والسياسية .
وذلك لايتمُّ إلا باشتراك الباحثين والكتّاب المسلمين ومفكّريهم ومصلحيهم في علاج جميع المشاكل ، وبيانها لأبناء أمتهم ، وعرض مفاهيم الإسلام وأساليبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، وغيرها بأشكال واضحة ومفهومة لعموم المسلمين ، حتى لا ينخدع الجهلة بهذه الحقائق بالمبادئ الكافرة والنظم المستوردة ، وللصحافة أكبر الأثر في القيام بهذا الواجب ونقل الأفكار الإسلامية إلى أبناء المسلمين .
ولايخفى حاجتنا اليوم إلى دعاية إسلامية جامعة عالمية ، تبلغ رسالات الإسلام في جميع نواحي الحياة إلى جميع الأجيال والأمم المعاصرة ، وتعرض على العالم الإسلامي مشاكل المسلمين في كل إقليم من أقاليمهم ، وتطلب من الجميع العمل على معالجة تلك المشاكل ، وتشرح لجيلنا المعاصر ، سيَّما الشَّباب والطلاب والطالبات ، أهداف الإسلام وغاياته ، وتقوم بالدفاع عن قداسة الإسلام ودفع شبهات المستعمرين عنه .
إنا نعلم باليقين أن العالم سيلجأ إلى الإسلام ، ويقطع رجاءه وأمله عن المكتبات المادية والبرامج البهيمية الشرقية والغربية . فقد ظهر عجز تلك المكتبات عن حل المشاكل الإنسانية ، بل شددتها وكثرتها هذه المكتبات التي لاترى هدفاً للحياة ، ولا يعانيه البشر في هذه البسيطة ، ولاتفسر لوجودنا وبقائنا هنا تفسيراً معقولاً مرضياً تطمئن به النفوس ، وتسوق نحو العمل والحركة .
فهذا من خواص المذهب المادي إنه لايعرف لهذا العالم مفهوماً معقولاً ، ومعنىً صحيحاً ، وقصداً وهدفاً ، ويوماً يوماً تجرب البشرية ، وتذوق مرارة المكتبات التي بنيت على هذا الأساس ، وتدرك أنها لاتشبع الإنسان ، ولايقنع الإنسان بها.
ولاشكَّ أن الإسلام هو الدين الوحيد والمكتب الفرد الَّذي يحل كلَّ المشكلات ، ويفسر كلَّ ما في العالم تفسيراً معقولاً ، ويقوي في النفوس حب العمل والخير والإحسان والتضحية دون الحق والعدالة .
إذاً فعلى عاتق الجيل الحاضر ، سيما العلماء والكتاب والمثقفين والشبان ، مسؤولية كبيرة ، لأن العالم يسير إلى نقطة لابدَّ له من الإلتجاء إلى الإسلام ، وذلك لايحصل إلا بالبلاغ المبين وعرض الإسلام بمبادئه ونظمه للجيل الحاضر .
فاليوم الإسلام بحاجة كبيرة إلى تبليغ أهدافه وتعاليمه وإرشاداته ، كما أن العالم بحاجة ملحّة إلى الإسلام وحكومته ونظاماته .
فالمستقبل للإسلام ، و (إنَّ الأرضَ لِلّه يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِه وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)([35]) ، (وَقُلِ اعْمَلوُا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ وَالمؤمنون)([36]) .
و الحمد للّه رب العالمين
-------------------
([1]) الفرقان ــ 30
([2]) الشعراء ــ 89
([3]) المجادلة ــ 22
([4]) النساء ــ 65
([5]) التوبة ــ 24
([6]) المائدة ــ 51
([7]) النساء ــ 144
([8]) آل عمران ــ 139
([9]) الأنفال ــ 45
([10]) الحشر ــ 19
(وَقال الرَّسولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذوا هذا القُرآنَ مَهْجوراً)( 1) (إذا الْتبسَتْ عَليكمُ الفِتنُ كقِطَع اللَّيل المُظلِم ، فعلَيكم بالقُرآن) .
(حديث النبوي) هل نحن مسلمون ؟هل نحن مؤمنون ؟هل نتلو القرآن حقَّ تلاوته ؟ هل نؤمن به ، ونستعذب حياضَ معارفه وتعاليمه ؟هل اتخذناه منهاجاً لدنيانا وآخرتنا ، نحكّمه في قضايانا الإجتماعية والإقتصادية والتربوية ، ومصدراً لأنظمتنا ، ونظاماً لاُمورنا ؟
أخي المسلم إنك إن كنت تريد استعادة مجدك الذاهب ، مجد آبائك وأجدادك ، إن كنت تريد النصر والغلبة على أعداء اُمتك ،وإن كنت تريد النجاة بنفسك ، وإنقاذ أبناء اُمتك من هذه الشبكات التي حاكتها يد الإستعمار ونشرتها في بلادنا ومدارسنا وكلياتنا وأسواقنا ، وحتى في بيوتنا ،وإن كنت من طلاب الصلاح والإصلاح والفوز والفلاح،فتعال ! تعال ! لنستمسك بحبل القرآن ، نهتدي بهداه ، ونستضيء بنوره ، ونعيش في ظلاله بأمن وطمأنينة ، ونستشفي به من أدوائنا ، ونستعين به على لأوائنا ، ونرتّله ترتيلا . إننا يا أخي مسؤولون غداً عند اللّه تعالى عن هذا القرآن في محكمته العادلة ، (يَوْمَ لايَنْفَعُ مالٌ ولابَنُونَ إلا مَنْ أتى اللّهَ بِقَلْب سَليم)([2]) . وسيخاصمنا نبيّنا(صلى الله عليه وآله) إذا كنا من الذين نبذوه وراء إن داء المسلم المعاصر ليس إلا في تركه العملَ بالقرآن والإكتفاء باسم الإسلام مسجّلاً على بطاقة هويته ، محققاً بذلك قول الرسول الصادق الأمين
(سيأتي زمان على أُمّتي لايبقى من القرآن إلا رسمه ولامن الإسلام إلا اسمه ; يسمّون به وهم أبعد الناس عنه) .
إنني أدعوك أيها المسلم لأن ننظر بعين البصيرة إلى الآيات التالية ، كرِّر ، وأعد ، ثم أعد تلاوتها ، وتفكّر ثم تفكّر في معانيها وما تستهدفه من أغراض حكيمة وتعاليم سامية ، ثم عرّج بالنظر إلى واقع عالَمنا الإسلامي ، وإلى النظم الإجتماعية في بلاد المسلمين ، فهل تجد بلداً طبّق هذه الآيات ، أو بعضها فيها كمنهاج للحياة في نظمه الإجتماعية أو السياسية أو مناهجه التثقيفية أو التربوية ؟
أنا لاأقول بأنك لم تسمع بالآيات التي سأتلوها عليك ، بل لاشك من أنك قد قرأتها كثيراً في صباحك ومسائك ، وفي شهر صومك ، وعند دعائك ، وحينما أردت استكثار الثواب بقراءة كتاب اللّه تعالى ; ولكن مجرد القراءة لايكفينا ولاينجينا إذا نحن لم نتفهم معانيه ومقاصده ، ولم نأخذ بمضمون ما نقرأ ، ولم نعمل بأوامره ، ولم ننزجر بزواجره .
إن الغاية من نقلها إليك أيها الأخ المسلم إنما هي محاولة الإستفادة من تعاليمها السامية علّها تشحذ في الهمّة وتقوي عزائمنا ، وتدفعنا إلى العمل على ضوئها ، لنعيد بناء مجدنا وعظمتنا ، ونترفّع بأنفسنا التي أراد اللّه لها أن تظل كريمة عزيزة ، عن الإسعاف في الشهوات التي أدّت بنا إلى هذا السقوط مما جعل أعداءنا يغزوننا في عقر دارنا ، بعد أن كانوا هم هدفاً لغزونا لهم في عقر دارهم ، ولاحول ولاقوة إلا باللّه .
قال تعالى (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمنونَ باللّه يُوادُّونَ مَن حادَّ اللّهَ وَرَسوُلَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهم أو أبناءَهم أو إخوانَهم أو عشيرتَهم أوُلئك كتَبَ فِي قُلوبِهم الإيمانَ وأيَّدَهم بروُح مِنْهُ)([3]) .
ظهورهم ، يحتجُّ علينا بكل آية من آياته ، ويحاكمنا على كل حكم أهملناه من أحكامه . فَلاَ وَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنوُنَ حَتَّى يُحَكِّموُكَ فيما شَجَرَ بينَهم ثُمّ لايَجِدُوا فِي أَنْفُسِهم حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْليماً .)([4])
(قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزواجُكم وعشيرتُكُمْ وأموالٌ اقْتَرَفتُموُها وتجارةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها ومَساكنَ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إليكم مِنَ اللّهِ ورسولِهِ وجِهاد فِي سبيلِه فَتَرَبَّصوُا حَتّى يَأتِيَ اللّهُ بأمْره واللّهُ لايَهْدِي القومَ الفاسقين)([5]) .
(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لاتَتّخِذوا اليَهودَ والنَّصارى أوْلياءَ بَعْضُهُم أوْلياءُ بَعض ومَنْ يَتَوَلَّهُم مِنْكُم فَإنَّهُ مِنْهُم إنَّ اللّهَ لايَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ)([6]) .
(يَا أيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لاتَتَّخِذُوا الكافِرين أوْلياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤمنينَ أَتُريدُونَ أن تَجْعَلُوا لِلّهِ عَليكم سُلْطاناً مُبيناً)([7]) .
(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)([8]) .
(وَأَطيعُوا اللّهَ ورَسوُلَهُ ولاتَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ ريحُكُم واصْبِروُا إنَّ اللّهَ مَع الصَّابرينَ)([9]) .
(وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أوُلئك هُمُ الفاسِقونَ)([10]) .
(يَاأيُّهَا الذِين آمَنُوالاتَتَّخِذوا بِطانَةً مِنْ دُونكم لايَألُونَكُم خَبالاً وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهم وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُم اْلآياتِ إنْ كُنْتُم تَعْقِلون)([11]) .
(يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلوا الَّذِينَ يَلوُنَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُم غِلْظَةً وَاعْلَموا أن اللّهَ مَعَ المُتَّقِينَ)([12]) .
(وَاعْتَصِمُوا بحَبْل اللّهِ جَميعاً ولاتَفَرَّقُوا)([13]) .
(إنَّمَا الْمُؤْمنونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ)([14]) .
(ألَّذِينَ يَأْكُلوُنَ الرِّبوا لايَقُومُونَ إلاّ كمَا يَقوُمُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بأنَّهُم قالُوا إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحرَّمَ الرَّبوا)([15]) .
(يَا أيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجكَ وبَناتِكَ ونساءِ المُؤمنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذلكَ أدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحيماً)([16])
(وَلْتَكُنْ مِنْكُم اُمّةٌ يَدْعونَ إلَى الخَيْر ويَأْمرونَ بالمعروفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَر وأوُلئكَ هُمُ المُفْلِحونَ)([17]) .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أعْقابكم فَتَنْقَلِبُوا خاسرين)([18]) .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُم إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبيلِ اللّه اثاّقلْتُمْ إلَى الأرْض أرَضِيتُم بِالحَيوة الدُّنيا مِنَ الآخِرة فَمَا مَتاعُ الحَيوة الدُّنيا في الآخرة إلاّ قَليلٌ)([19]) .
(الرِّجالُ قوّامونَ على النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُم عَلى بَعْض وبِمَا أنْفقُوا مِن أموالهم)([20]) .
(أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْم يُوقِنونَ)([21])
(وَأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبونَ بهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعدُوَّكُم وآخَرينَ مِنْ دوُنِهم لاتَعْلَمُونَهُم اللّهُ يَعْلَمُهُم وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيء فِي سَبيلِ اللّهِ يُوَفَّ إلَيْكُم وأنْتُمْ لاتُظْلَمُونَ)([22]) .
(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ ...)([23]) .
(والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ولايُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بعَذاب أليم)([24]) .
(الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلدُوا كُلَّ واحِدمِنْهُمَامِأَةَ جَلْدَة وَلاتَأْخُذْكُمْ بِهِمَارَأفَةٌ فِي دينِ الله)([25]) .
(إنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسرُ والأنْصَابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفْلِحونَ)([26]) .
(ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بَمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأولئكَ هُمُ الكافِرونَ)([27]) .
(إنَّ المُبَذِّرينَ كانُوا إخْوَانَ الشيَاطين)([28]) .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ أوِ الوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ)([29]) .
(وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)([30]) .
(الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أقَامُوا الصَّلوةَ وآتَوُا الزَّكوةَ وَأمَروُا بِالمَعْروفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَر وَلِلّهِ عاقِبةُ الأمور)([31]) .
هذه الآيات ومثيلاتها ، مما تضمَّن تحديد السلوك العام للإنسان المسلم والاُمه المسلمة ، تعرفها أنت ويعرفها كل مسلم غيرك ; ولكن أين هو التطبيق ؟
إقرأ القرآن ـ كتابَ الله ـ ودستور دينك الذي تعتقد في قرارة نفسك أحقيَّته بالإتباع ، وسمّوه على كل كتاب ودين ودستور ، وقفْ عند كل آية من آياته بتدبّر ، ثم قارن بين ما تضمَّنته من أمر أو نهي وبين سلوكك أنت وسير النظام في بلدك وطريقة حياة قومك ، فهل تجد في كافّة هذه الجهات من يأخذ بها ؟ أو يبني مسلكه في الحياة على هُداها ؟
بل إنك لن تجدغير الإنفصال التام في حياتك ونظام حكومتك وسلوك مجتمعك عنها، لابل سوف تجدها خارجة عن نطاق دنياك ، وكأنها لا تعنيك ولاتقصدك في الخطاب.
أجل ، إنني أكرِّر الطلب لمبادرة قراءة هذه الآيات ، ثم البحث في مطاوي تاريخنا الإسلامي ، فهل تجده قد تحدث في عصر من عصور أمتنا السالفة عن جيل اتّخذ القرآن مهجوراً كما اتّخذه أبناء جيلنا في عصرنا وزماننا هذا ؟
لعن اللّه العلمانية ومن جاء بها ، ومن سنَّ شرعية هذا المبدء الخبيث الذي قلب الإسلام ظهراً لبطن .
تعالَ معي لنتجوَّل في أسواق المسلمين ، فنرى أن أكثر ما يباع فيها سلع مستوردة من الأعداء ; وأكثرها ممَّا لاضرورة في بيعها ولافي شرائها ، بل منها ما له خطر الأثر على مقومات وجودهم وأخلاقهم كأنواع الخمور وآلات اللهو وأدوات القمار .
ثم لنعرج معاً على معاهد العلم ومدارسه وكلياته ، حيث لانرى في مناهجها وأساليب تعليمها إلا ما يدفع الشباب إلى الإنحراف عن العقائد الصحيحة ، ويشوقهم إلى ترك الإلتزام بالآداب والتعاليم الإسلامية ، وما ذلك إلا لأنها من وضع أعداء الإسلام ، والمتربّصين به وبأهله الدوائر .
ثم لنُلقِ نظرة على تكنات الجيش ، ومراكز القوّات المسلحة في البلاد الإسلامية ومحافل موظّفي حكوماتها ، لنرى أن أعظم شعار إسلامي وهو الصلاة لاتقام في أوقاتها بينهم .
ثم انظر إلى الشوارع والأزقة والأسواق ، لتراها غاصَّة بأفواج النساء المتبرجات السافرات العاريات تقريباً ، وهنّ يزاحمن الرجال بالمناكب والصدور ; وفي ذلك ما فيه من إغراء للشباب ودفعه إلى هاوية الرذيلة وانعدام الرجولة مما يؤدِّي حتماً إلى انهيار المجتمع و دماره وتفكّكه .
وهيا لنذهب ونراقب ما يجري في قاعات البرلمان ومجالس الاُمة ، ونصغي إلى ما يطرحه أعضاؤها من مشاريع وقرارات ، لنرى كيف يسوِّغون لأنفسهم حق التشريع والتقنين حتى على خلاف أحكام القرآن وضد مصالح المسلمين .
ولاتغفل يا أخي عن استعراض أراضينا المغتصبة من وطننا الإسلامي ، وخصوصاً الجزء المقدس منها أعني أولى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، فهل ترى من سبب لبقائها في أيدي الأعداء إلا اختلاف الرؤساء المتغلبين على بلاد المسلمين ، وتفرقهم وعدم اعتصامهم بحبل اللّه ؟ وهل تجد لهؤلاء من عذر عند اللّه تعالى في تنصيب كل واحد منهم نفسه رئيساً أو أميراً أو سلطاناً أو ملكاً على مجموعة من المسلمين في بقعة من بقاع وطننا الإسلامي الكبير ، من غير أن يتنازلوا عن هذه العروش لمصلحة الإسلام واجتماع كلمة المسلمين ووحدتهم ، تحقيقاً لقول النبي الأعظم (وهم يدٌّ عَلى من سواهم) ، حتى غدا العالم الإسلامي موزِّعاً إلى دويلات ضعيفة واهية مشتقة متباعدة في المشارب والأهواء والسياسات .
فهذه عميلة لآمريكا ، وتلك تعمل لمصلحة روسيا ، هذه تقتل الفدائيين وتريد اجتثاثهم من الأرض ، ومن كانت حاله أحسن منها فى ذلك تترك نصرتهم بحجة أنها بعيدة عن منطقة المعركة ، أو بدعوى ضعف إمكاناتها العسكرية والهجومية ، إلى غير ذلك من التُّرهات والأباطيل .
ولقد أصبح المسلمون ويا للأسف الشديد في كافة مظاهر حياتهم وعاداتهم وأوضاعهم مقلدين لأعدائهم ، ولو كان هذا التقليد فيما ينفع لكان نعمة وهو ليس بمعيب ، إذ أن الأمم العاقلة هي التي تقتبس عن مثيلاتها كل ما تراه صالحاً لها ; ولكن الذي اقتبسناه نحن عن الأجنبي من عادات وتقاليد ، أكثره يمكن فيه الضرر إن لم يكن جميعه كذلك .
فبالله عليك يا أخي قل ، وليكن قولك الحق ، أنحن في أكثر عاداتنا ومظاهر حياتنا ، وقوانين حكوماتنا ، مسلمون ؟ أم إننا في واد و تعاليم ديننا ومفاهيمه في واد آخر ؟
ولن أتعرض لما عليه صحافتنا وسائر وسائل إعلامنا ، فإن ما هي عليه من ترويج الفساد وسوء الأخلاق والتشجيع على الدعارة ، والدعوة إلى الخلاعة ، والإستهتار بالقيم ، والحثّ على الإلحاد ، كل ذلك أمر بديهي لايحتاج إلى برهنة .
ومن أشد أمراضنا مرض النفاق ، إذ إننا نقول بإذاعاتنا ومآذننا وأثناء صلواتنا (أشهدُ أن لاإله إلاّ اللّه ، وأشهدُ أن محمّداً رسول اللّه ، وعبده ورسوله) ، مع أننا خارجون عن سلطان دين اللّه وسلطان أحكامه ، متمسكون بالمناهج الكافرة الداعية إلى الشرك أو الإلحاد ، نقرأ القرآن ، ونردّد في مفتتح كل سورة (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم) ; إلا أن منا من يردد ويهتف في افتتاحية مقاله وفي الكتابات الرسمية وغيرها باسم سمو الأمير ، أو فخامة الرئيس ، أو جلالة الملك والسلطان ، غير آبهين بما أمرنا اللّه تعالى بالأخذ به ، وجعله شعاراً لهذه الأمة ، أمة التوحيد ، من الإبتداء باسمه المجيد .
اللّه أكبر ! ما أبعدنا عن مفاهيم الإسلام وتعاليمه ! ما الباعث لنا ياترى على قبول الذُّل والصغار تجاه عبد ذليل مثلنا ، مع أننا نسمع قول اللّه سبحانه ونردّده (ولايَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أرباباً مِن دُونِ اللّه)([32]) ، نؤمن لرسالة رسول اللّه محمد(صلى الله عليه وآله) ، لكننا مع ذلك لا نتبع ما جاء به من عند اللّه ولانتأسّى به ، ثم نأخذ بمبادئ أعدائنا ، فإذا لم يكن ذلك من النفاق ، فما معنى النفاق إذن ... ؟
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك مما نحن فيه من ضلال ماحق لعزّنا ، دافع لنا إلى نسيان ديننا وكتابنا وسنّة نبيّنا . أجل ! إنه لاريب ولاشكَّ في تحقق جميع ما تقدّم ممَّا نحن عليه ، إلا أن المسلمين أو أكثرهم من الواعين ، قد أدركوا داءهم ، وعرفوا دواءهم ، ولولا نفوذ بعض المفاهيم الإستعمارية ، والدعاية الشديدة لها في عدة الأقطار من عالَمنا الإسلامى بمختلف الأساليب الخداعة ; ولولا سيطرة بعض الرؤساء والزعماء ، ممن أعمى أبصارهم الجاه وحبُّ الرئاسة ; ولولا هذه التمزقات الإقليمية ، والعصبيات العنصرية والقومية ، التي توزعت
عالمنا الإسلامي ، وحالت بين كل إقليم وإقليم آخر ، لولا كل ذلك لكان المسلمون اليوم على هامة التاريخ يعيشون في عالم كله نور ، وفي مدنية علمية وصناعية هي أرقى من جميع المدنيات .
وإننا ليحدونا الأمل رضوخاً لقول اللّه سبحانه (لا تَيْأسُوا مِنْ رَوْح اللّهِ([33]) . . . ولا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمة اللّه)([34]) ، بانبعاث نهضة إسلامية واعية على أيدي رجال مجاهدين ، قد توزعوا هنا وهناك من بلاد المسلمين ، قد آلوا على أنفسهم أن يعيدوا الإسلام إلى واقع المسلمين ، ويدفعوهم إلى طريق إعادة مجدهم الإسلامي الزاهر ، وبناء مجتمعنا على دعائم العقيدة الإسلامية الحقة ، والوقوف صفّاً واحداً في وجه نوايا الإستعمار الخبيثة .
وإننا لنجد في كل قطر رجالاً مجاهدين ، قد ثاروا على الباطل ، وتنبهوا لأحابيل الإستعمار ، ووقفوا في وجه كل دعاية أجنبية تهدف إلى النيل من قداسة الإسلام وعزِّ المسلمين ووحدتهم .
ولقد قام الإستعمار من جانبه ، مستعملاً كل ما لديه من قوة سياسية ومادية لإبادة هؤلاء الأبطال والتضييق عليهم ومطاردتهم يساعدهم على ذلك أعوانهم وعملائهم ، ذلك لأنه يعلم بأن عمل هؤلاء المصلحين الدائب سوف يؤدِّي إلى تيقظ المسلمين ، وبالتّالي إلى وحدتهم ولو سياسياً ، وذلك من أعظم الموانع دون تحقيق نواياه الخبيثة فيهم ، إلا أنه بعون اللّه يفشل في العاقبة ، وستفشل أحابيل الصهيونية المتمثلة بإسرائيل والدول المؤيدة لها والمنفقة عليها ، فإن الحق لابد وأن ينصر في النهاية على الباطل مهما طال الأمد ، واللّه ينصر من ينصره .
والوصول إلى الغاية لايتمُّ إلا بالدعوة إلى الجهاد المتواصل والعمل على إعادة مناهج الإسلام وإرشاداته ، وإلى واقع حياتنا الإجتماعية والسياسية .
وذلك لايتمُّ إلا باشتراك الباحثين والكتّاب المسلمين ومفكّريهم ومصلحيهم في علاج جميع المشاكل ، وبيانها لأبناء أمتهم ، وعرض مفاهيم الإسلام وأساليبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، وغيرها بأشكال واضحة ومفهومة لعموم المسلمين ، حتى لا ينخدع الجهلة بهذه الحقائق بالمبادئ الكافرة والنظم المستوردة ، وللصحافة أكبر الأثر في القيام بهذا الواجب ونقل الأفكار الإسلامية إلى أبناء المسلمين .
ولايخفى حاجتنا اليوم إلى دعاية إسلامية جامعة عالمية ، تبلغ رسالات الإسلام في جميع نواحي الحياة إلى جميع الأجيال والأمم المعاصرة ، وتعرض على العالم الإسلامي مشاكل المسلمين في كل إقليم من أقاليمهم ، وتطلب من الجميع العمل على معالجة تلك المشاكل ، وتشرح لجيلنا المعاصر ، سيَّما الشَّباب والطلاب والطالبات ، أهداف الإسلام وغاياته ، وتقوم بالدفاع عن قداسة الإسلام ودفع شبهات المستعمرين عنه .
إنا نعلم باليقين أن العالم سيلجأ إلى الإسلام ، ويقطع رجاءه وأمله عن المكتبات المادية والبرامج البهيمية الشرقية والغربية . فقد ظهر عجز تلك المكتبات عن حل المشاكل الإنسانية ، بل شددتها وكثرتها هذه المكتبات التي لاترى هدفاً للحياة ، ولا يعانيه البشر في هذه البسيطة ، ولاتفسر لوجودنا وبقائنا هنا تفسيراً معقولاً مرضياً تطمئن به النفوس ، وتسوق نحو العمل والحركة .
فهذا من خواص المذهب المادي إنه لايعرف لهذا العالم مفهوماً معقولاً ، ومعنىً صحيحاً ، وقصداً وهدفاً ، ويوماً يوماً تجرب البشرية ، وتذوق مرارة المكتبات التي بنيت على هذا الأساس ، وتدرك أنها لاتشبع الإنسان ، ولايقنع الإنسان بها.
ولاشكَّ أن الإسلام هو الدين الوحيد والمكتب الفرد الَّذي يحل كلَّ المشكلات ، ويفسر كلَّ ما في العالم تفسيراً معقولاً ، ويقوي في النفوس حب العمل والخير والإحسان والتضحية دون الحق والعدالة .
إذاً فعلى عاتق الجيل الحاضر ، سيما العلماء والكتاب والمثقفين والشبان ، مسؤولية كبيرة ، لأن العالم يسير إلى نقطة لابدَّ له من الإلتجاء إلى الإسلام ، وذلك لايحصل إلا بالبلاغ المبين وعرض الإسلام بمبادئه ونظمه للجيل الحاضر .
فاليوم الإسلام بحاجة كبيرة إلى تبليغ أهدافه وتعاليمه وإرشاداته ، كما أن العالم بحاجة ملحّة إلى الإسلام وحكومته ونظاماته .
فالمستقبل للإسلام ، و (إنَّ الأرضَ لِلّه يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِه وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين)([35]) ، (وَقُلِ اعْمَلوُا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُم وَرَسُولُهُ وَالمؤمنون)([36]) .
و الحمد للّه رب العالمين
-------------------
([1]) الفرقان ــ 30
([2]) الشعراء ــ 89
([3]) المجادلة ــ 22
([4]) النساء ــ 65
([5]) التوبة ــ 24
([6]) المائدة ــ 51
([7]) النساء ــ 144
([8]) آل عمران ــ 139
([9]) الأنفال ــ 45
([10]) الحشر ــ 19

تعليق