إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عقيدة المعاد في القرآن الكريم؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عقيدة المعاد في القرآن الكريم؟

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى يفتح الإنسان بصره على نفسه -لأول عهده بالإدراك- ولأول قدرته على التفكير- يفتح بصره على نفسه على جسده: لحمه ودمه وعروقه وعصبه وقصبه وأجهزته وأنسجته. وعلى روحه: حياته وعقله وحواسّه ومشاعره وغرائزه وقواه وطاقاته- وما يستطيع ان يعدده من من شيائه وأجزائه.. .. يفتح بصره على نفسه وعلى اتقان الصنعة فيها- فيتحدث الى نفسه: لقد وجدت وكنت معدوماُ ولا ريب، فمن الذي أوجدني؟ والى اي شيء تكون نهايتي؟. ثم يعمم نظرته فيقول: والكون الذي يحيط بي من إنسان وحيوان ونبات- والسماء التي تظلّنا والأرض التي تقلّنا، والاكوان الاخرى. والعوالم الفسيحة التي لايزال العلم يكشف عنها، ويأتي في كل يوم بأمر جديد.. إنها موجودة.. فمن الذي أوجدها؟. والى أي شيء تكون نهايتها؟. وهكذا يرتبط في شعوره السؤال عن المبدأ بالسؤال عن النهاية. وأول شيء يسترعي الانتباه والملاحظة في هذا التساؤل، هي الطريقة التي يحدث بها، فهو يأتي بصورة حتمية. تفرض على الانسان فرضاً من داخل أعماقه، ولا يستطيع التخلص منها ولايستطيع التغافل، وإن بذل الجهد أن لايلتفت وأن يتغافل. ومن أجل ذلك كان هذا التساؤل عن بداية الكون عاماً لايفلت منه أحد مهما كانت ثقافته، ومهما كانت فطنته.. من أول متمدين الى أبسط بدائي في مجاهل الغابات، ومن أعظم فيلسوف مفكر الى أصغر تلميذ متعلم. ومن اجل ذلك كان التساؤل ملحّاً ملحّاً، يقضّ على الانسان مضجعه، ويضايقه في أغلب حالاته، حتى يحصل على الجواب المقنع الذي يطمئن اليه، خطا كان الجواب أم صواباً، وحقاً كان التحليل أم باطلاً. وهذا التساؤل.. التساؤل عن العلة الأولى لهذا الكون، هي الفكرة الوحيدة التي تاتي بهذه الطريقة الحتميّة، ولايشبهها فيها شيء من الفِكَر أبداً، فمن طبيعتة الفكرة -أية فكرة كانت- أن يكون الذهن خالياً منها، غافلاً عنها، حتى يلفته اليها لافت ويثيرها مثير، ثم لا تضايق الانسان بأكثر مما يطلبه العلم، أما هذه الفكرة على الخصوص فمثيرها ذاتي ينبع من داخل الانسان، فلابدّ من التوجّه، ولابد من الالتفات، ثم لاهدوء ولاقرار الا بالاجابة المقنعة كما قدّمنا. وهذه الطريقة الحتميّة الملحّة التي يحدث بها هذا التساؤل هي الركيزة الأولى للجواب. انها تشعر الانسان شعوراً تلقائياً بحاجته الذاتية الى علة كبرى مسيطرة. نعم وهذه العلة الكبرى المسيطرة هي التي تفرض عليه بقوّتها، وبنفوذ سلطانها أن يعلم فلا يجهل، وان يلتفت فلا يغفل. وقلت في بعض احاديثي عن الاسلام وعن أدلة الفطرة على الله - (في أعمق الأعماق من نفس الانسان يوجد الدليل على الله. بل والدليل الأول على توحيده، وتنزيهه ، والحافز الذاتي للانسان على التوجّه اليه. (في أعم الأعماق من نفس هذا المخلوق المفكّر، حتى لو أنه أطبق عينيه عن عجائب الكون، وصرف فكره عن التأمل فيها والتدبّر في قوانينها. - (في فطرته حين يدع لها الحكم ويسند اليها الرأي). - (في فقرة الذاتي وهو يشير الى غنيّ مطلق يأمل منه الغذى، وفي نقصه الطبيعي وهو يوّجّه الى كامل أعلى يرجو منه الكمال. وفي ضعفه الشديد وهو يتعلق بقويّ غالب يستمد منه القوة، وفي عجزه المتناهي وهو يلجأ الى قادر قاهر يبتغي منه القدرة والنصرة، وبكلمة جامعة: في قصوره الذاتي من كل ناحية، وهو يتوجّه الى قوة عليا كاملة من كل ناحية، متعالية عن الحدود مرتفعة عن الحاجة تفيض الخير وتكفي السوء. - (بلى، وكل إنسان له ساعات لايخادع فيها نفسه، أو هو لايستطيع ان يخادعها .. ساعات تتعرى له فيها الحقائق، فيؤمن انه لايملك شيئاً مما في يديه، وإن بك أغنى الاغنياء، أو أقوى الاقوياء في مقاييس الناس) والفطرة-ايها الأعزاء - لاتخادع في حكم، ولا تُلبّس حقاً بباطل في هتاف ولانداء. أرأيتم الفطرة لَبّست حقاً بباطل في يوم من الأيام، أو خادعت أحداً في حكمها ، وهي تشعره بالجوع أو العطش أو الحر أو البرد أو إحدى الضرورات الطبيعية الأخرى؟. كلا، كلا، أنه نداء الضرورات، إنه نداء الواقع..إنه نداء الحق، لا مرية فيه ولالبس، ومن أجل ذلك لم يشك في تصديقها عقل. والشعور بالقوة العليا المدبّرة، ضرورة طبيعية ذاتية كذلك، وشعور الفطرة بها أعمق وأوكدمن شعورها بالضرورة الأخرى. وحكم الفطرة يكون أشد وضوحاً، وأكثر جلاءً حين تلتحم على الانسان شدائد تقطع رجاءه من سائر الأسباب، وتفصله عن التفكير فيها. هنا يشعر شعوراً واضحاً بسبب واحد قوي يشدّه الى أعلى.. الى القوة الغيبيّة العظمى التي يوقن أن بيدها تقدير الأمور، وبأمرها تفريج الكُرب الشداد. وقد أرشد القرآن الإنسان في عديد من آيه الى هذا الشعور الذي لايكذب، قال (تعالى): (هو الذي يسيّركم في البر والبحر، حتى اذا كنتم في الفلك، وجربن بهم بريح طيبة، وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين: لئن انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) وقد جلى معنى الفطرة تجلية كاملة، وذكر لزومها للانسان في كل حالاته، فلا تدعه يغفل عن دعوتها ولايشغل، فقال: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهُم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، افتهكلنا بما فعل المبطلون؟ وكذلك نفصِّل الآيات ولعلهم يرجعون) أسمعتم؟، ان الله (تعالى) جعل الفطرة لابن آدم ليشهد بها على نفسه، ليقيم عليه بها الحجة، وليدفع به الى اليقين، فلا يعتذر بغفلة، أو بعدم بلوغ دعوة، أو بعدم اتضاح سبيل. "وكذلك نفصّل الآيات ولعلهم يرجعون ". دليل الفطرة وجاء دور العقل الواعي ليتمم دعوة الفطرة، ويجلو حكمها، ونظر في آيات التكوين.. في نفسه وفيما بين يديه.. فيما قرُب منه وما بَعُد.. في عجائب النفس وعجائب الكون، وما في كل شيء إلا عجيبة تُدهش العقول، وتذهل الالباب: (ما ترى في خلقِ الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور؟، ثم ارجع البصرَ كرّتين ينقلبْ اليكَ البصرُ خاسئاً وهُو حسير ) ونظرَ وفكّر، وقلّب وقدّر، وحكم بحكمه القاطع الذي لا يقبل التشكيك: ان كل شيء يمكن وجوده ويمكن عدمه فمن المحال أن يكون موجوداً دون سبب، وقرّره قانوناً لايختلف ولا يختلف، ولايعرف الإنتقاض ابداً، ولا الإستثناء، وسمّاه (قانون السببية). واذن، فكل هذه الأمور التي يراها، والاخرى التي لايراها، أمور معلولة لابدّ لها من سبب أعلى ينتهي اليه كل سبب، لأن هذه الأمور كلّها أشياء يمكن وجودها ويمكن عدمها، ولما وجدت علمنا يقيناً ان لها سبباً آتاها الوجود، لأن نسبة الوجود والعدم اليها -لولا ذلك السبب- على سواء. واذن ، فلابد لهذا الكون من سبب أعلى هو موجود بذاته لابعلّة سواه، لأن الدور والتسلسل من المحال. إن الدور يعني أن يتقدم الشيء على نفسه في الوجود، لأنه يكون علّة لما هو علة لوجوده، وهذا يعني أن الشيء متقدم في الوجود في حال يكون هو بذاته متأخراً فيها، متقدّم بما هو علة ومتأخر بما هو معلول وهو محال. وان التسلسل يعني أن تذهب الممكنات متسلسلة الى مالانهاية له، وهو كذلك محال، لأن مجموع السلسلة كلّها -بما فيها من حلقات مترابطة سابقة ولاحقة-، مجموع هذه السلسلة شيء يمكن وجوده ويمكن عدمه فمن المحال أن يكون موجوداً بدون علة اخرى من غير هذه السلسلة، لقانون السببية المتقدم. ولاستحالة التسلسل براهين عديدة حسبنا ان نكتفي بهذا الواحد منها. وقد ذكر القرآن قانون السببية، وحاكم الانسان اليه، فقال: (أم خُلقوا من غير شيء، أم هم الخالقون؟ ام خَلقوا السماوات والأرض؟ بل لايوقنون). واعترف العلم بقانون السببية، وربط به كل كشوفاته وكل معلوماته وسار على وفقه في جميع خطواته. وتقدّم العلم خطوة كبرى في هذا السبيل، فانكر أزلية المادة، للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، فقال: ان المادة- بمقتضى هذا القانون- تسير نحو الفناء، نحو الصفر المطلق وهذا يعني أنها محدودة الآخر، واذا كانت المادة محدودة الآخر، فهي محدودة الأول كذلك لأنها لو كانت أزلية غير محدودة الأول لكان مقتضى ذلك القانون انها قد استوعبت طاقتها وفنيت منذ أمد بعيد. وقد اعترف بهذه الحقيقة كثير من علماء الطبيعة الراسخين() وشرح هذا القانون، وايضاح النتيجة المذكورة التي توصل اليها العلم لايسعهما هذا الموقف. من الذي أوجد الله؟ ويفكر بعض الناس تفكيراً ساذجاً ليردّ القول بالقول -على ما يزعم-. يقول: إن قانون السببية الذي ذكرتموه يفيد: أن كل شيء موجود فمن المحال أن يكون موجوداً دون سبب، واذن فلنا ان نسأل عمن أوجد الله، لأنه موجود، فيحتاج الى سبب، بمقتضى قانون السببية. وهذا قِصَرٌ في النظرة، وعدم استيعاب لمعنى قانون السببية، الذي لم يختلف فيه العقلاء من الناس. ان العقل يقرر أن كل شيء يمكن وجوده ويمكن عدمه، فمن المحال أن يوجد دون سبب، لأن نسبة الوجود والعدم الى ذلك الشيء سواء بسواء، فلا يمكن أن يوجد دون علّة، هذا هو قانون السببية، وهذا هو مجاله. وهذا يعني أن الأشياء على نحوين: شيء يمكن وجود ويمكن عدمه، وهذا هو مجال قانون السببية. وشيء يجب وجوده ويستحيل عدمه، وهذا يستغني بذاته عن العلة، لأنا فرضناه واجب الوجود مستحيل العدم، فكيف يعقل أن يكون غير موجود؟ وكيف يعقل أن يفتقر إلى علة؟. كما أن لنا أن نتصور شيئاً يجب عدمه ويستحيل وجوده، وهذا هو الممتنع الذي يستحيل له الوجود وتستحيل له العلة. وإله الكون واجب الوجود، مستحيل العدم فهو غنيّ بذاته عن العلة، وكلّ هذا واضح أتم الوضوح. وهكذا يتآزر الدين والعلم، والعقل والفطرة على اثبات حقيقة الحقائق، على اثبات وجود الله، منزل الدين، وملهم العلم، وفاطر العقل والفطرة وهي تتآزر جميعاً على توحيده وتنزيهه. (بسم الله الرحمن الرحيم. قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد ) والنهاية..؟ ومسألة النهاية ترتبط ارتباطاً ذاتياً قوياً بمسألة البداية فاذا كان مبدأ الكون هو الله (تعالى) فان مآبه -دون شك- إليه. فان حكم الفطرة الذي اشعرنا بالقوّة العليا المدبّرة المسيطرة، وقانون السببية الذي دلّنا على وجود إله الكون وانفراده بالتدبير، وبراهين العقل التي اثبتت لنا توحيده وقدرته، وتنزّهه عن الشريك والمثيل. كل هذه تدلنا على أن بيده الختام، كما أن بيده الابتداء، وبأمره السكون، كما أن بأمره الحركة. (الا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) وان الإبداع الذي صمّم عليه جميع أجزاء الكون، والحكمة التي تجلّت في كل صغيرة وكبيرة منه، والغرضية التي ظهرت في كل خلية يشتمل عليها الكائن الحيّ، من حيوان ونبات، وفي كل ذرة يحتويها الموجود من حيّ وجامد، ومتحرك وساكن، تدلّنا دلالة قطعيّة على أن هذه الحكمة لايمكن ان تنتهي بالموت، وأن تتحدد بالفناء. والمسألة مسألة قدرة وحكمة ، فاذا استبنّا قدرة الله التي لاتحدّ، وحكمته التي لاتتناهى، انفسح أمامنا الطريق، وزالت العقبات . ضرورة الدين والمسألة - مع كل اولئك- مسألة عقيدة يقوم عليها دين. فالايمان بالله -سبحانه- يستتبع الإيمان بأن له ديناً يهتدي اليه البشر أو يضلون .. بأن له شريعة يطيعها البشر أو يعصون. ان الله حين خلق الأشياء جعل لكل شيء منها منهجاً وسنّة، يلتزمها ذلك الشيء فيصل بها الى منزلته من التكامل. والانسان بعض مخلوقاته، وقد كرّمه فمنحه الفكر الذي يُسيطر به على قوى الطبيعة، ويسخّر لإرادته الأشياء ، ويستخدم لمصالحه ومنافعه قوانينها، ومن الممتنع -بعد ذلك- أن يدعه يتخبّط في متاهة عمياء ، دون هداية، ودون منهاج، ودون رادع أو وازع. إن ذلك تحدٍّ للحكمة التي تجلّت في جميع اجزاء الكون، وفي خلق الإنسان على الخصوص.وانه مسخٌ للابداع الذي بانت مظاهره في كل الاشياء وفي تصوير الانسان على الخصوص. (أفحسبتم انما خلقناكم عبثاً وانكم الينا لاترجعون) (أيحسب الانسان ان يترك سدى ) والحقّ الذي وسع السماوات والارض اعظم من ان تضيق سعته عند الانسان وحده. (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهم الا بالحق ولكن اكثرهم لا يعلمون) ان الإيمان بالله يستتبع الايمان بأن ديناً يهتدي اليه البشر أو يضلّون.. بأن له شريعة يطيعها البشر أو يعصون، وكل ذلك واضح من مسيرة الكون. واذا كان لله دين وهداية، انقسم الناس -دون شك- الى مطيعين وعاصين، ومهتدين وغاوين، واحتاج القانون الى الجزاء، واحتاج الى موعد يتعين فيه المطيع ويتعيّن جزاؤه، ويتعيّن فيه العاصي ويتعيّن جزاؤه، وينفّذ الحكم على الفريقين.احتاج الى كل أولئك وإلا كان عبثاً من العبث، او خيالاً من الخيال، وتنزَّه عنهما ذو الجلال. الحاجة الى اليوم الآخر: وهذه الحياة ليست داراً للجزاء - ولاريب-.فطالما تمادى المعتدي، وأكبّ الآثم، ومضى الزمان ولم ينالا شيئاً من الجزاء. وطالما أوفى المحسن، وأخلص المطيع، ومضى العمر ولم ينالا شيئاً من الجزاء، واذن فالجزاء في غير هذه الدّار، والاّ حالت الحكمة، واستحالت النتيجة. والمسألة مسألة قدرة وحكمة -كما قلت-، فاذا استبنّا قدرة الله التي لاتحدّ، وحكمته التي لاتتناهى، انفسح أمامنا الطريق وزالت العقبات. والعقل اذا آمن بالله، وآمن بدينه، وصدّق بقدرته وحكمته، صدّق باليوم الآخر، وأيقن بالجزاء فيه. والجزاء ضرورة لابد منها للقانون وفرض احترامه. وقد قلت في بعض أحاديثي عن المعاد: (ما أبعد القوانين من غاياتها اذا لم تكلأها عين حارسة على التنفيذ، وعقوبة محذورة على المخالفة!. (ما أبعد القوانين عن غاياتها إذا لم تكن لها تلك الرقابة الحازمة من بين يديها، وهذه القوة المرهوبة من خلفها!!، إن أحكامها -لولا هاتان- ستنقلب نصائح خاوية، وإن حكمتها ستتحول فلسفة صامتة، وكم في العالمين من يؤمن بالمثالية للمثالية، ومن يحذر الاسفاف لأنه اسفاف؟. (نعم، لابد لاحترام القانون من الجزاء.. (ولابد للحثّ على عمل الصالحات من المكافأة.. (ثم لامحيص من يوم للدينونة تقاس فيه الأعمال، وتُنال فيه الغايات، وتستوفى فيه التبعات) (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون. ومن خَفَّت موازينه فاولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) من أدلة المعاد في القرآن: وقد استعمل القرآن في الاستدلال على هذه العقيدة عدة طرائق: 1. فمنها دليل الغاية..الغاية التي بها يفترق الفعل الحكيم عن الفعل العابث. وخلاصة هذا الدليل: أن الانسان ينظر في أشياء هذا الكون.. كلها.. الكبير منها والصغير، فلا يرى الا شيئاً يتوجّه في سبيل معين الى غاية. (ما خلقنا السماوات والارض وما بينهما الا بالحق وأجل مسمّى) وليس من الممكن ان يستثنى الانسان وحده من هذه القاعدة. (أيحسب الانسان أن يترك سدى (ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب، وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) 2. ومنها دليل القدرة المسيطرة التي خضعت لها الكائنات، والتي تعالت على الحدود والأزمنة والأمكنة، والجهات والحيثيات. وليس من الممكن مطلقاً أن تعجز هذه القدرة المهيمنة عن إعادة بعد ابتداء، وعن حياة بعد موت. (اولم يروا ان الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى، بل انه على كل شيء قدير ) 3. ومنها دليل النشأة الأولى.. (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً، ثم انشأناه خلقاً أخر فتبارك الله أحسن الخالقين)(). خلية ملقحة موحّدة تنقسم وتتكثر وتتصنّف، وينصرف كل صنف منها لعمله الذي يخصّه، وغرضه الذي يهمّه، وتتوزع بناء الهيكل وبناء الأجهزة، ويتّم التصميم، وتتنقل في اطوارها وأدوارها، تصرّفها القدرة ويلهمها العلم وتوجّهها الحكمة، ويستقيم الهيكل، ويتّم البناء، وتنفخ الروح، ويخرج انساناً سويّاً كامل الموائز والغرائز والمواهب والطاقات. ان أمر الابتداء أعظم من أمر الاعادة ، فهل يستكثر على المهندس أن يعيد ما بناه اذا استهدم؟. (اولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيمٌ مبين. وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ قل: يحيها الذي خلقها أول مرة، وهو بكل خلق عليم) 4. ومنها اعادة الارض حية بعد الهمود والجمود. إن الارض تموت كما يموت الانسان، وتهمد كما يهمد.. فلا حركة، ولانبتة، ولازهرة، ولاثمرة. ثم يجدّ العطاء، وتجدّ الروح، وتنتعش الارض بعد الموت. أليس هذا من البعث بعد الموت؟ (وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يُحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير) الى طرائق كثيرة استعملها القرآن للتدليل على هذه العقيدة، وكلّها عطاء وكلها إشراق وكلها ايضاح. مواقف بلهاء ومعاندة: واتخذ بعض الناس من هذه العقيدة موقف الأبله الذي لايعي ما يقال. واتخد بعضهم موقف المعاند الذي لايلذّ له الا أن ينكر، ودليله على ما يقول هو الاستبعاد(أإذا ضللنا في الارض أإنا لفي خلق جديد؟) (أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون؟، لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل. ان هذا إلا اساطير الاولين) (إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين، فأتوا بابائنا ان كنتم صادقين)(). بهذا الاحتجاج الأبله، وبهذا التفكير الساذج يستقبل هؤلاء هذه العقيدة الخطرة، وتلك الاستدلالات المشرقة من القرآن الكريم، والانسان غريب الأطوار والأحوال. القرآن والتذكير بيوم الجزاء: وقد اطال القرآن في تذكير الانسان بيوم الجزاء، وفي عرض مشاهده، ووصف شدائده وتفصيل أحواله. وإنّ التالي لكتاب الله، المتبيّن لمرامي آياته، يجد انه قد ربط تعاليمه كافة بهذه العقيدة. حتى أوشك أن لا يغفل ذكرها عند حكم، وأن لا يدع التصريح بها أو التلميح اليها في توجيه أو وصيّة أو إرشاد.وهو يحذّر الانسان أهوال يوم البعث، ويُنذره فزعه، ويخوّفه عدله ().وقد سّماه باسماء كثيرة تستحضر معنى الهول والشدة وهو يصّور المواقف المرعبة ليوم الفصل، ويعرض المشاهد المخيفة التي تنتظر الانسان فيه، والنهايات المسعدة أو المخزية التي تعقبه. وهو يهزّ المشاعر المختلفة، ويكشف للبصيرة ما ينتظرها من عاقبة مسّرة، أو مغبّة مُحزنة. ويحذّره الغفلة ويخوّفه النكسة، وما يكون له أن يغفل، وما يكون له أن يهزل، وما يكون له أن ينتكس، وقد عرف اسباب ذلك وعواقبه، وما يكون له أن يتردّى، فكل عمل عليه رقابة، وكل عمل عليه جزاء. (وكل صغير وكبير مستطر). (وكل امرىء بما كسب رهين) وحتى ما تنطوي عليه الجوارح عليه رقيب لا يجهل ولا يغفل، وحسيب لا يضّل ولا ينسى ومُجازٍ لا يحيف ولا يُخادع. (وأسروا قولكم أو اجهروا به. انه عليم بذات الصدور، الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) وبعد كل هذا، فعون الله ورحمته ورأفته ومغفرته تقيل العاثر، وتقبل النادم، وتجيب المضطر وتؤمن الخائف، وتقوّي الضعيف، وتؤنس المستوحش. هكذا يشد القرآن أزر المسلم، ويُمسك بعَضُده، ويسدّد خطاه، ويقيه المزالق. فلا يدع للغفلة عليه سبيلاً، ولايترك للضعف ولالليأس على إرادته دليلاً، وهذه بعض مرامي الادلة الغفيرة التي حثّت على تلاوة الكتاب والتدبّر في آياته. ان المسلم لن يغفل، ولن يجهل، ولن يخور، ولن يذل، فكتاب الله قائده، وسائقه. يُرشده في كل خطوة، ويسدّده عن أي كبوة. ومن الله اتمنى لكم ولي التوفيق لأن نجعل من أنفسنا مثال المسلم الصحيح. قل في اطوارها وأدوارها، تصرّفها القدرة ويلهمها العلم وتوجّهها الحكمة، ويستقيم الهيكل، ويتّم البناء، وتنفخ الروح، ويخرج انساناً سويّاً كامل الموائز والغرائز والمواهب والطاقات. ان أمر الابتداء أعظم من أمر الاعادة ، فهل يستكثر على المهندس أن يعيد ما بناه اذا استهدم؟. (اولم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيمٌ مبين. وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ قل: يحيها الذي خلقها أول مرة، وهو بكل خلق عليم(3) (1) الإسلام: ينابيعه. مناهجه غاياته. ط1 ص220. يُقرأ أمثال قوله (تعالى) واتقوا يوماً لاتجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً ولا يُقبل منها شفاعةٌ ولا يُؤخذ منها عدلٌ ولا هم ينصرون).(البقرة: 48).وقوله تعالىوعُرِضوا على ربك صفاً. لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً، ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مالِ هذا الكتابِ لايغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً الا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً).(الكهف: 49-50). ( ) اذ سمّاه يوم الدين في سورة الفاتحة - الآية: 3 ، وسمّاه يوم الحسرة في سورة مريم - الآية: 39 ، وسمّاه الواقعة في سورة الواقعة الآية الاولى، ويوم التغابن في سورة التغابن - الآية: 9 ،والحاقة في سورة الحاقة - الآية: 1 ،والقارعة في سورة القارعة - الآية: 1 ، والطامّة الكبرى في سورة النازعات - الآية: 34 ،والصاحّة في سورة عَبَس - الآية: 33 ،والغاشية في الآية الأولى من سورة الغاشية - الى غيرها من الاسماء. (2) اذ يقول مثلاً - في سورة الحج - الآية: 1 ،(يا أيّها الناس اتقوا ربّكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم تَرونَها تذهل كلّ مُرضِعةٍ عمّا أرضعت وتضع كلُّ ذاتِ حَملٍ حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذابَ الله شديد).ويقول في سورة إبراهيم - الآية42-43 ، 48-50)،(ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يَعمل الظالمون. إنما يُؤَخّرهُم لِيومٍ تَشخَصُ فيهِ الابصار. مُهطعينَ مقنعي رُؤوسِهِم لا يرتَدّ إليهم طَرفُهم وأفئدتُهُم هَواء ... يوم تُبَدّلُ الارض غيرَ الارضِ والسماواتُ، وبرزوالله الواحد القهّار. وترى المجرمين يومَئذٍ مقرّنين في الأصفاد. سرابيلهم من قطِران وتغشى وجوهَهُم النّار).الى غير هذه السياقات الكريمة. اذ يقول مثلاً - في سورة الحج - الآية: 1، (يا أيّها الناس اتقوا ربّكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم تَرونَها تذهل كلّ مُرضِعةٍ عمّا أرضعت وتضع كلُّ ذاتِ حَملٍ حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذابَ الله شديد).ويقول في سورة إبراهيم - الآية42-43، 48-50)، (ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يَعمل الظالمون. إنما يُؤَخّرهُم لِيومٍ تَشخَصُ فيهِ الابصار. مُهطعينَ مقنعي رُؤوسِهِم لا يرتَدّ إليهم طَرفُهم وأفئدتُهُم هَواء... يوم تُبَدّلُ الارض غيرَ الارضِ والسماواتُ، وبرزوالله الواحد القهّار. وترى المجرمين يومَئذٍ مقرّنين في الأصفاد. سرابيلهم من قطِران وتغشى وجوهَهُم النّار).
يعمل...
X