بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا و مولانا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين
أمَّا بعد: فلقد كانت حياة الإنسان في العصور السابقة بدائية اعتمدت على المحسوسات في الأعم الأغلب ، فهي تختلف عما نحن عليه اليوم من التقدُّم والرقي العلمي الذي أصبح التعامل فيه مع الأمور غير المرئية أمراً معتاداً في حياتنا اليومية كانتقال الصورة والصوت عبر الأثير والفضاء الخارجي للفضائيات وشبكة الإنترنت والموبايل و أجهزت التحكم عن بعد ، و الأجهزة التي ترسل الذبذبات إلى الأقمار الصناعية إلى غيرها من الأمور التي يطول حصرها ، إضافة إلى اكتشاف العوالم المجهريَّة للكائنات الحيَّة وغيرها من الأمور التي لا تُرى بالعين المجردة، فتعامل الإنسان اليوم- مع هذه الأجهزة التي تصدر إشارات أوذبذبات أو صور لا نراها في الفضاء الخارجي ولكن نؤمن بوجودها رغم عدم إمكان رؤيتها- أصبح أمراً معتاداً لا ينكره أجهل الناس ، فلذا أصبح من السهل الاعتقاد بالأمور الغيبية غير المرئية ، وأما الإنسان في العصور القديمة فلم يصل إلى ما توصَّل إليه الإنسان في العصر الحاضر ، فكانت حياته تنحصر بالأمور المحسوسة، فهو لا يؤمن أو يصعب عليه الإيمان والاعتقاد إلاَّ بالمحسوسات، فلم يتقبَّل أغلب البشر آنذاك فكرة عدم إمكان رؤية الخالق لذا كثرت عبادة الأوثان ، وطلب اليهود مِن موسى رؤية الله تعالى، وجعلوها شرطاً لإيمانهم، فأخبرهم الله تعالى بعدم تمكن البصر من رؤية الله تعالى، وانتقلت هذه الفكرة إلى بعض المسلمين عن طريق اليهود ، فراح الكثير منهم يلتمس الخلوات معتقداً تجلِّي الخالق فيها، والأمر الَّذي يدعو إلى التعجّب والاستغراب منهم هو إصرارهم على رؤية الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة ،وكأنَّ القوم لم يؤمنوا بالله تعالى إذا لم يروه ! كما صرحَّ أحد أئمتهم قائلاً : ( لو لم يُوقِن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله تعالى)1 .!!،فما أشبه هذا القول بقول اليهود: ( يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً) [البقرة : 55].
ومِن الأمور الَّتي تثبت هشاشة هذه العقيدة وبطلانها هو اختلافهم الشديد واضطرابهم فيها؛ فقد اضطربوا في مسألة رؤية الله عزَّ وجل اضطراباً لم يسبق له مثيل في أيِّ مسألة مِن مسائلهم الخلافية حتَّى ذهبوا إلى تسع عشرة مقالة في رؤية الله تعالى ؛ فاختلفوا هل يُرَى في الدنيا والآخرة أو يرى في الآخرة فقط، فاختلفوا في زمان ومكان رؤيته إلى أربعة أقوال : الأوَّل زعموا أنَّهم يرون الله تعالى في الجنة خاصَّة، والقول الثاني زعموا أنَّ الله تعالى يُرَى يوم القيامة، والقول الثالث زعموا أنَّه يُرَى بعد الموت مباشرة، والقول الرابع: أنه يُرَى في الدنيا والآخرة. كما اختلفوا في كيفية رؤية الله تعالى إلى عِدَّة مذاهب: الأوَّل أنَّه يُرَى بالعين المجرَّدة، والثاني أنه يُرَى بلا كيف، والثالث أنه يتجلَّى على صورة آدم، والرابع: لا يُرَى بالعين ، وإنما يُرَى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، كما اختلفوا في مَن يرى الله تعالى إلى ثلاثة أقوال: الأوَّل لا يراه إلاَّ المؤمنون، والثاني: يراه جميع أهـل الموقف مؤمنهم وكافرهم، والثالث: يراه المنافقـون دون الكفار، فكلُّ هذا التضارب و الاختلاف والتعارض يؤدي إلى تساقط هذه الأقوال والرجوع إلى أصالة البراءة مِن هذه الصفة الحادثة لله تعالى وهي صفة إمكان الرؤية لأنَّ الأصل هو ثبوت صفات الله تعالى وعدم حدوثها ،ومن صفات الله تعالى صفة عدم الرؤية ، فلا يراه الإنسان في الدنيا وكذا في الآخرة فهي صفة ثابتة لا تتغيَّر ، وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تنفي إمكان روية الله تعالى ، كما وردت بعض الأحاديث في كتب السنَّة تنفي إمكان رؤية الله تعالى. وكذلك مذهب أهل البيت عليهم السلام ومَن تبعهم مِن الإمامية ، ومذهب المعتزلة والزيدية قائلون بامتناعها في الدنيا والآخرة، واستدلَّ الإمامية على نفي الرؤية بالعقل ، والنقل عن أهل البيت عليهم السلام ، ومن أدلتهم العقلية أنَّ الرؤية لا تصحُّ إلاَّ على الأجسام أو الجوهر أو الألوان، وهي تستلزم أن يكون المرئي بجهة أو مكان ،والإشارة إلى المرئي والاتصال به ، والجهة والمكان والإشارة والاتصال تشخيص خارجي لمواضعها ، وذلك محال على الله تعالى ، لاستلزامه التجسيم المحال.
هذا وقد جمع بعض العلماء في كتبهم ومنها كتاب لسيدنا وأستاذنا السيد إحسان الغريفي أهم ما يحتاجه المحاور من الأدلة القرآنية و الحديثية و الأدلة العقلية التي تثبت بطلان نظرية رؤية الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة ، إضافة إلى الإجابة عن بعض الشبهات والإشكالات والأوهام الَّتي اعتاد المخالف طرحها في مسألة رؤية الله تعالى، ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكراس نافعاً لإخواننا المؤمنين ولمن يطلب طريق الرشاد.
منقول
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح أصول اعتقاد أهل السنة لهبة الله اللالكائي: 3 / 506، تحقيق : د. أحمد سعد حمدان،دار طيبة - الرياض ،ط. 1402هـ.
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا و مولانا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين
أمَّا بعد: فلقد كانت حياة الإنسان في العصور السابقة بدائية اعتمدت على المحسوسات في الأعم الأغلب ، فهي تختلف عما نحن عليه اليوم من التقدُّم والرقي العلمي الذي أصبح التعامل فيه مع الأمور غير المرئية أمراً معتاداً في حياتنا اليومية كانتقال الصورة والصوت عبر الأثير والفضاء الخارجي للفضائيات وشبكة الإنترنت والموبايل و أجهزت التحكم عن بعد ، و الأجهزة التي ترسل الذبذبات إلى الأقمار الصناعية إلى غيرها من الأمور التي يطول حصرها ، إضافة إلى اكتشاف العوالم المجهريَّة للكائنات الحيَّة وغيرها من الأمور التي لا تُرى بالعين المجردة، فتعامل الإنسان اليوم- مع هذه الأجهزة التي تصدر إشارات أوذبذبات أو صور لا نراها في الفضاء الخارجي ولكن نؤمن بوجودها رغم عدم إمكان رؤيتها- أصبح أمراً معتاداً لا ينكره أجهل الناس ، فلذا أصبح من السهل الاعتقاد بالأمور الغيبية غير المرئية ، وأما الإنسان في العصور القديمة فلم يصل إلى ما توصَّل إليه الإنسان في العصر الحاضر ، فكانت حياته تنحصر بالأمور المحسوسة، فهو لا يؤمن أو يصعب عليه الإيمان والاعتقاد إلاَّ بالمحسوسات، فلم يتقبَّل أغلب البشر آنذاك فكرة عدم إمكان رؤية الخالق لذا كثرت عبادة الأوثان ، وطلب اليهود مِن موسى رؤية الله تعالى، وجعلوها شرطاً لإيمانهم، فأخبرهم الله تعالى بعدم تمكن البصر من رؤية الله تعالى، وانتقلت هذه الفكرة إلى بعض المسلمين عن طريق اليهود ، فراح الكثير منهم يلتمس الخلوات معتقداً تجلِّي الخالق فيها، والأمر الَّذي يدعو إلى التعجّب والاستغراب منهم هو إصرارهم على رؤية الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة ،وكأنَّ القوم لم يؤمنوا بالله تعالى إذا لم يروه ! كما صرحَّ أحد أئمتهم قائلاً : ( لو لم يُوقِن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله تعالى)1 .!!،فما أشبه هذا القول بقول اليهود: ( يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً) [البقرة : 55].
ومِن الأمور الَّتي تثبت هشاشة هذه العقيدة وبطلانها هو اختلافهم الشديد واضطرابهم فيها؛ فقد اضطربوا في مسألة رؤية الله عزَّ وجل اضطراباً لم يسبق له مثيل في أيِّ مسألة مِن مسائلهم الخلافية حتَّى ذهبوا إلى تسع عشرة مقالة في رؤية الله تعالى ؛ فاختلفوا هل يُرَى في الدنيا والآخرة أو يرى في الآخرة فقط، فاختلفوا في زمان ومكان رؤيته إلى أربعة أقوال : الأوَّل زعموا أنَّهم يرون الله تعالى في الجنة خاصَّة، والقول الثاني زعموا أنَّ الله تعالى يُرَى يوم القيامة، والقول الثالث زعموا أنَّه يُرَى بعد الموت مباشرة، والقول الرابع: أنه يُرَى في الدنيا والآخرة. كما اختلفوا في كيفية رؤية الله تعالى إلى عِدَّة مذاهب: الأوَّل أنَّه يُرَى بالعين المجرَّدة، والثاني أنه يُرَى بلا كيف، والثالث أنه يتجلَّى على صورة آدم، والرابع: لا يُرَى بالعين ، وإنما يُرَى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، كما اختلفوا في مَن يرى الله تعالى إلى ثلاثة أقوال: الأوَّل لا يراه إلاَّ المؤمنون، والثاني: يراه جميع أهـل الموقف مؤمنهم وكافرهم، والثالث: يراه المنافقـون دون الكفار، فكلُّ هذا التضارب و الاختلاف والتعارض يؤدي إلى تساقط هذه الأقوال والرجوع إلى أصالة البراءة مِن هذه الصفة الحادثة لله تعالى وهي صفة إمكان الرؤية لأنَّ الأصل هو ثبوت صفات الله تعالى وعدم حدوثها ،ومن صفات الله تعالى صفة عدم الرؤية ، فلا يراه الإنسان في الدنيا وكذا في الآخرة فهي صفة ثابتة لا تتغيَّر ، وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تنفي إمكان روية الله تعالى ، كما وردت بعض الأحاديث في كتب السنَّة تنفي إمكان رؤية الله تعالى. وكذلك مذهب أهل البيت عليهم السلام ومَن تبعهم مِن الإمامية ، ومذهب المعتزلة والزيدية قائلون بامتناعها في الدنيا والآخرة، واستدلَّ الإمامية على نفي الرؤية بالعقل ، والنقل عن أهل البيت عليهم السلام ، ومن أدلتهم العقلية أنَّ الرؤية لا تصحُّ إلاَّ على الأجسام أو الجوهر أو الألوان، وهي تستلزم أن يكون المرئي بجهة أو مكان ،والإشارة إلى المرئي والاتصال به ، والجهة والمكان والإشارة والاتصال تشخيص خارجي لمواضعها ، وذلك محال على الله تعالى ، لاستلزامه التجسيم المحال.
هذا وقد جمع بعض العلماء في كتبهم ومنها كتاب لسيدنا وأستاذنا السيد إحسان الغريفي أهم ما يحتاجه المحاور من الأدلة القرآنية و الحديثية و الأدلة العقلية التي تثبت بطلان نظرية رؤية الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة ، إضافة إلى الإجابة عن بعض الشبهات والإشكالات والأوهام الَّتي اعتاد المخالف طرحها في مسألة رؤية الله تعالى، ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا الكراس نافعاً لإخواننا المؤمنين ولمن يطلب طريق الرشاد.
منقول
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح أصول اعتقاد أهل السنة لهبة الله اللالكائي: 3 / 506، تحقيق : د. أحمد سعد حمدان،دار طيبة - الرياض ،ط. 1402هـ.

تعليق