بسم اله الرحمن الرحيم
قال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد يوماً :
يَا ؟ كُمَيْلُ ؟ اَلْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ اَلْمَالِ اَلْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ اَلْمَالَ وَ اَلْمَالُ تَنْقُصُهُ اَلنَّفَقَةُ وَ اَلْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى اَلْإِنْفَاقِ وَ صَنِيعُ اَلْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ يَا ؟ كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ ؟ مَعْرِفَةُ اَلْعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ بِهِ يَكْسِبُ اَلْإِنْسَانُ اَلطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ وَ جَمِيلَ اَلْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَ اَلْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ اَلْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ يَا ؟ كُمَيْلُ هَلَكَ خُزَّانُ اَلْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ وَ اَلْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ اَلدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي اَلْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ هَا إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً قال أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد يوماً :
من الواضح في السنين تكالب الناس واجتماعهم وتفرقهم على أساس حب المال وحب الإستزادة منه وهو من أظهر مصاديق حب الدنيا في الوقت الذي يواجه العلم فيه حالة من الإهمال والتساهل خصوصاً في جانب الأحكام الشرعية فتجد الكثير من المعاملات جارية على أساس أعراف خاطئة كثيرة تشيع في بعض المهن والتعاملات مع الجهات والأفراد ينتج منها في الأخير معاملات فاسدة وباطلة ومن ثم تصرفات بأموال غير مشروعة ولا مملوكة .
هذا من جانب المعاملات الباطلة أما المعاملات الصحيحة فإن صحتها لا تعني صحة طرقها وآثارها إذا تعنونت بعنوان حب المال فإنها تستهلك من الوقت والجهد والإهتمام فوق حصتها تلك الحصة التي ينبغي أن تكون لأمور أخرى من العبادات والأفعال المتصلة بالجانب الإيماني الموصلة الى رضوان الله تعالى في ساحة عطفه ورحمته فهذا فلان يترك زيارة الحسين عليه السلام يوم عرفة التي يعدل ثوابها ثواب سبعين حجة وأكثر من ذلك معتذراً أن هذا يوم كثافة عمله الذي يجني منه المال ويبرر ذلك بالإسترزاق في بركات هذا اليوم وكثير مثله على منواله ومساعيه .
لهذا أسس أمير المؤمنين عليه السلام هذا القانون (العلم خير من المال) وعلل ذلك التفضيل بعدة وجوه :
الأول : أن العلم فيه قابلية الحراسة للإنسان كل الإنسان بما فيه ماله الذي اكتسبه فالعلم يحرس الإنسان من ألد عدو ويقيه منه ذلك الجهل الذي يفقده انسانيته وكرامته وجتى إيمانه ويفقده ماله لأن المال مهما كثر فإن استعماله حال الجهل عامل مساعد على إعدامه وفقدانه .وكم من مورد ومورد يكون مثالاً في أذهاننا لهذا الكلام .
الثاني : إن المال مهما اجتمع فمآله الى النقصان بالإنفاق فإنه وجد كي ينفق ودخل في الكيس كي يخرج منه فهو موجود معدوم وهو غائب حين كونه حاضراً وهذه من نكات غرور الدنيا ,أما المال فكلما انتشر وشاع ازداد صاحبه نوراً وحكمةً بل هو لو لم ينفق صار عرضة للنسيان والضياع فجهة الإنفاق في العلم تعاكس جهة الإنغاق في المال من حيث الآثار والنتائج .
الثالث : وهو بقاء الآثار المترتبة على العلم وزوال تلك المترتبة على المال بزواله فمن كان ديدنه التصدق بدرهم كل يوم تنتهي صدقته بنفاد دراهمه أما من علم حرفاً في العقيدة أو الفقه والأحكام فإن اثره باق حتى بعد وفاة صاحبه .
الرابع :أن العلم دين كما جاء في رواية الكافي في الكافي عنه عليه السلام : اعلموا ان صحبة العالم و اتباعه دين يدان اللّه به ، و طاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات ، و ذخيرة للمؤمنين و رفعة في حياتهم و جميل بعد مماتهم 4 .
و فيه أيضا عنه عليه السلام : تعلّموا العلم ، فان تعلّمه حسنة ، و مدارسته تسبيح ،
و البحث عنه جهاد ، و تعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، و هو عند اللّه لأهله قربة ، لأنّه معالم الحلال و الحرام و سالك بطالبه سبيل الجنّة ، و هو أنيس في الوحشة ،و صاحب في الوحدة ، و سلاح على الأعداء ، و زين الأخلاّء ، يرفع اللّه به أقواما يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم ، ترمق أعمالهم و تقتبس آثارهم و ترغب الملائكة في خلّتهم ، يمسحونهم بأجنحتهم في صلاتهم ، لأن العلم حياة القلوب و نور الأبصار من العمى و قوّة الأبدان من الضعف ، ينزل اللّه حامله منازل الأبرار و يمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا و الآخرة ، و بالعلم يطاع اللّه و يعبد ، بالعلم يعرف اللّه و يوحّد ، بالعلم توصل الأرحام و به يعرف الحلال و الحرام ، و العلم أمام العقل و العقل تابعه ، يلهمه اللّه السعداء و يحرمه الأشقياء
وعنه عليه السلام : كفى بالعلم شرفا إنّه يدّعيه من لا يحسنه ، و يفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله
ثم يبين حال أهل العلم وأهل المال ويجعل الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت جاء في نهج السعادة ان الاغنياء وذوي الثروة العارين عن العلم انماهم في حال حياتهم بحكم الاموات، وذلك لعدم ترتب عوائد الحياة ونتائج الوجود على عيشتهم وبقائهم، من سماء الحق ففهمه ثم قبوله ثم = = الجري عليه، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله:
((أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ ))
وأما العلماء فانهم باقون بانوارهم وآثارهم، ومتنعمون بفواكه أعمالهم، وثمار علومهم، كما قال تعالى: ((لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) )).