من خطبة لأمير المؤمنين الأمام علي - عليه السلام -
الحمد لله الّذي لا يبلغ مدحته القائلون . و لا يحصي نعماءه العادّون
و لا يؤدّي حقّه المجتهدون ، الّذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن . الّذي ليس لصفته حدّ محدود و لا نعت موجود .
و لا وقت معدود و لا أجل ممدود . فطر الخلائق بقدرته . و نشر الرّياح برحمته . و وتّد بالصّخور ميدان أرضه .
الحمد لله الّذي لا يبلغ مدحته القائلون . و لا يحصي نعماءه العادّون
و لا يؤدّي حقّه المجتهدون ، الّذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن . الّذي ليس لصفته حدّ محدود و لا نعت موجود .
و لا وقت معدود و لا أجل ممدود . فطر الخلائق بقدرته . و نشر الرّياح برحمته . و وتّد بالصّخور ميدان أرضه .
المعنى :
( الحمد لله ) . حمد اللّه سبحانه من أفضل العبادات ، و لهذا افتتحت به الصلاة ، و فاتحة الكتاب ، و الخطابات ، و في خطبة ثانية : « الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره ، و سببا للمزيد من فضله ، و دليلا على آلائه و عظمته » ،
و في ثالثة : « لا يحمد حامد إلا ربه » . الحمد لله وحده على توفيقه و عظيم إحسانه
( الذي لا يبلغ مدحته القائلون ) . يثني المخلوق على خالقه جهد ما يستطيع ، و على قدر ما يعلم . . و مهما سمت العقول فلا تستطيع ، و يستحيل أن تستطيع الاحاطة بمقام العظمة و الجلال ، بل لا تحيط بخلق الله ، و آثاره ، و من الذي خرق بعلمه باطن الأرض و أسرارها ، و أبراج السماء و أخبارها ، و ما تخفي القلوب و الصدور ؟ و اذا عجزت العقول عن إدراك المخلوق فكيف تدرك الخالق ؟ و مع هذا العمى و العجز كيف تؤدي واجب المديح و الثناء ؟ قال ( ع ) « ان من يعجز عن وصف ذي الهيئة و الأدوات فهو عن وصف خالقه أعجز » .
( و لا يحصي نعماءه العادّون ) . هذا تذكير لعباد الله بأنعمه التي لا تعد و لا تحصى . . و لكن الانسان الظلوم بدل نعمة الله كفرا . . أنعم سبحانه عليه بالعقل ،فاخترع به أسلحة الهلاك و الدمار ، و أجهزة التجسس ، و التضليل و الخداع .
و أعطاه المال ، فاتخذ منه أداة للفساد و الطغيان ، و منحه الصحة في الجسم ، فأبلاها بالمعاصي و المحرمات ،قال الإمام ( ع ) : « اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا ، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا ، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله و فرا ، أو متمردا كأن بأذنيه عن سمع المواعظ و قرا » .
و ما ظنك بأمير المؤمنين ( ع ) أن يقول لو كان في هذا العصر ، و رأى ما يهتز له العرش في شرق الأرض و غربها من دم يسفك ، و حرمات تهتك ، و مساكن تهدم ، و أطفال و نساء تشرد . . لا لشي ء إلا لأن الجبابرة الأقوياء يريدون من عباد الله أن يسجدوا لهم و يركعوا من دون الله ، و أن يتصرفوا بهم و بأقواتهم كما يشاءون و يهوون ؟
( و لا يؤدي حقه المجتهدون ) . ان حقا الله سبحانه يقاس بعظمته ، و جهد الانسان يقاس بطاقته ، و الفرق بين هذه الطاقة و تلك العظمة تماما كالفرق بين الخالق و المخلوق . . و هنا يكمن سر العجز عن أداء حقه تعالى . . أجل ، من أدرك هذا السر ، و انقاد لله في جميع ما يقول و يفعل فقد و فى بعهد الله الذي أمر به في قوله : « و أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و اياي فارهبون 40 البقرة » .
( الذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن ) . نحن ذرة من هذه الأرض ، و هي ذرة من الكون ، و هو ذرة من فيض الله تعالى ، فكيف ندركه ،
و هذه هي الحال ؟ و في خطاب آخر : « لم تحط به الأوهام ، بلى تجلى لها بها ،
و بها امتنع منها ، و اليها حاكمها » . تجلى سبحانه للعقول بخلقه و آثاره ، و العقول من جملة الخلق و الآثار ، و امتنع من العقول بذاته ، لأن المخلوق أعجز من أن يدرك الخالق ، و حاكم العقول الى نفسها ، فحكمت هي بذاتها انها عاجزة عن إدراك الذات القدسية .
( الذي ليس لصفته حد محدود ) حتى إذا بلغت هذا انتهت و انقطعت . .
كلا ، لأنها أزلية أبدية ( و لا نعت موجود ) . و معنى النعت و الوصف واحد بحسب التبادر الى الأذهان ، و لا وجه للتفرقة بينهما كما في بعض الشروح و التعليقات فرارا من عطف التفسير مع العلم بأنه لا أثر هنا لهذا العطف ، و ذلك ان الإمام ( ع ) بعد أن نفى عن الله سبحانه الوصف المحدود بغاية و نهاية نفى عنه أيضا الوصف الذي يعبر عنه تعبيرا كافيا وافيا ، و جامعا مانعا ، نفى عنه هذا الوصف أو هذا النعت لأنه لا طريق أبدا الى معرفته تعالى إلا بآثاره . و من البداهة بمكان ان الآثار لا تعبر عن كنه المؤثر و حقيقته ، و لا تعكس كل ما فيه من صفات . .
بالإضافة الى أن قدرة اللّه تعالى لا تقاس بما صدر عنها من خلق و آثار ، و ما يصدر الى الأبد . . لأنها هي هي لا تنضب و لا تنقص و لا تضعف مهما تكاثرت الآثار و تراكمت .
( و لا وقت معدود ، و لا أجل ممدود ) . الوقت يتعدد و ينقسم ، يقال : الأمس و اليوم و غدا ، و الأجل ينتهي و ينقطع ، و واجب الوجود أزلي أبدي لا تعد الأوقات لوجوده ، و لا تضرب الآجال لبقائه . . هذا ، الى أن الزمان من لوازم الحركة ، و هي من لوازم الجسم ، و الواجب منزه عن الجسمية ، قال الإمام ( ع ) :
« هو الأول و لم يزل ، و الباقي بلا أجل » .
( فطر الخلائق بقدرته ) . أي خلقها على غير مثال بكلمة « كن » لا بآلة و أداة ، قال الإمام ( ع ) « المنشى ء لا بروية فكر آل اليها ، و لا قريحة غزيرة أضمر عليها ، و لا تجربة أفادها من حوادث الدهر » .
( و نشر الرياح برحمته ،و وطد بالصخور ميدان أرضه ) . قال الشيخ محمد عبده : « يستعمل العرب كلمة الريح للعذاب ، و الرياح للرحمة ، و الميدان : الحركة بتمايل ، و الإمام ( ع ) يشير الى أن الأرض كانت مائدة مضطربة قبل جمودها ، و هذا نظم جيد للكلام ،إذ نشر الرياح ، و إرساء الأرض لازم لحياة الخلائق » .