بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الكائنات ومرشد الإنسانية إلى طريق الخير والصلاح محمد بن عبد الله وعلى آله الطبين الطاهرين وبعد ....قال تعالى في محكم كتابه (( يا أيُّها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون )) التحريم: 6 الآية الكريمة ترشد الانسان الى توقي الحيطة والحذر ،والسير على الخطى التي رسمها الله لتا واكدها رسولنا الاكرم (ص) و أئمتنا الاطهار (ع) ، وترك سبل الشيطان وهوى النفس الذي يصيرنا وقودا لنار جهنم وحطبا لها والعياذ بالله .
مسؤولية الوقاية التي تتحدث عنها الآية هي ليست مسؤولية وقاية الانسان نفسه فحسب ،بل من يتولى أيضا ،أي وقاية النفس والاهل واهل الانسان هم زوجته وأبناءه ‘وما يهمنا في هذا البحث هو دور ومسؤولية الاب والام في تربية ابناءهم ووقايتهم من شوائب الدنيا التي تودي بهم الى نار جهنم .
إنَّ هذه المسؤولية هي مسؤولية إلزامية يتحمل نتائجها الابوان ويسالان عنا أمام المحكمة الإلهية قال تعالى ((وقفوهم إنَّهم مسؤولون )) نعم هي المسائلة التي تثقل كاهل الانسان وقد تودي به الى مالا يحسن عقباه في الدنيا والاخرة وتلك خسارة الدارين وشر السبيلين .
إنَّ الانسان العاقل هو الانسان الذي يسارع الى دفع الضرر المحتمل فضلا عما إذا كان الضرر بالغ الاثر ومحتوم الوقوع ونادر العلاج وصعب الشفاء ،عندها سيكون الانسان المستخف والمتهاون في دفع هذا الضرر انسان مجنون لا محال ، وهذا الضرر البالغ هو الضرر الناشئ من الافراط و التفريط والاجحاف في تربية الاطفال لما سيؤول اليه من تحطم الذات وانهيار الاسرة ودمار المجتمع .
انَّ ما نقوله ليس افتراض ولا خيال ولا جزاف بل هو واضح وثابت وجدانا في مجتمعاتنا اليوم من قتل وظلم واغتصاب وانتشال ،والسبب بديهي وبيِّن وهو النقص في عامل التربية الذي يبدو من خلال الرجوع الى السيرة الذاتية لهذا النوع من الانحراف والوقوف على معطياته وملاحظة التقصير الواضح في الاسرة التي يفترض ان تكون مربية .
بعد هذا ما علينا الا الوقوف على مواطن التقصير والتجاهل في حق تربية ابنائنا واصلاح ما افسدناه وصون الامانة التي اودعها الله عندنا قبل فوت الاوان وانقضاء الايام ،علينا الرجوع الى محاسبة النفس للتصرف بحكمة وعقل لإنقاذ اطفالنا من شرك الشيطان مستقبلا ،لكون النتائج تلازم مقدماتها ففساد المقدمات يلزم منه فساد النتائج والذي يزرع الحنظل لا يحصد الا الحنظل والزارع للزيتون لا يحصد الا الزيتون فعلينا البدار الى زراعة التربية الصالحة في نفس الطفل كي نحصد السعادة في الدنيا والاخرة .
ان تربية الطفل تعدَّ من المسؤوليات الهامة والاساسية لما لها من دور هام في بناء المجتمع ورقيه فضلا عن بناء الذات التي تكون سببا لصلاح المجتمع وتقدمه .
إنَّ هذه المسؤولية هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الصغير وهو الاسرة وعلى راسها الابوين والمجتمع الكبير والمتمثل بالعلاقات والارتباطات التي تكون خارج المنزل ؛كالمدرسة والمتنزهات والاصدقاء وعيرها .
إنَّ الطفل يكون مرتبط بالمجتمعين ويتأثر بهما معا ،لذا لبد ان يكون هناك تكيف وانسجام بين المجتمعين وتوافقهما في اساليب التربية ،حتى لا يحصل هناك تصادم وصراع في نفسية الطفل بسبب الافكار المتناقضة بين الطرفين خصوصا بين الاسرة والمدرسة وهذه هي مسؤولية الابوين في رفع هذا التصادم النفسي إن حدث و الذي يولد انعكاسات سلبية في تصرفات الطفل ،فان كان هذا الخلل من الاسرة نفسها فعليها ان تبادر الى رفع هذا التقصير قولا او فعلا للتماشي مع الطرف الاخر وهو المدرسة بالفرض .أما إذا كان الشذوذ من الطرف الاخر ،فهو مسؤولية الابوين ايضا في اختيار المدرسة الصالصة والجيدة او اختار الصديق المناسب ان كان هو السبب او البيئة المناسبة ان كانت هي السبب .
إنَّ ما يؤسف إليه اليوم ان نجد الكثير من الناس يخطا في فهمة للتربية إذ يحصر مفهومها بمسالة توفير الاحتياجات المادية للطفل من مأكل وملبس وألعاب ،ولا يكترث إلى حاجة الطفل الكبرى وهو الريع التربوي الذي يعتبر كغذاء روحي ،إذ كما يحتاج الجسد الى الغذاء كذلك الروح تحتاج الى غذاء بل هو اللازم الاكبر والحاجة العظمى التي لا تجبر إذا كسرت .
إنَّ هذا الاعتقاد الخاطئ في فهم التربية هو وليد لانجراف الطفل في تيارات الغزو الفكري الغربي الجارية في انفاس مجتمعاتنا الساذجة ، كيف لا ونحن الذين اسسنا لهذا الواقع المزرى لتجاهلنا للمبادئ التي فرضها علينا ديننا الاسلامي ،ليقود بنا هذا التجاهل إلى فقد افلاذ أكبادنا وزهرة حياتنا لنراها تحترق في نيران الغرب ولات حين مناص .
إنَّ كلَّ هذه الآثار والتبعات التي تهدد المجتمعات بالانهيار هي نتائج لمقدمات فاسدة في محور التربية والذي يتحمل اوزارها بالدرجة الاولى هما الابوان ، لكونهما المتصدي الاول لهذه المسؤولية .
بعد معرفة النتائج المتولدة كآثار للتربية الفاسدة وخطرها المدمر ،علينا أن نسارع إلى جبر هذه الأخطاء بالحكمة ،وأن نتدارك ما فات وأن نبني ما هدمناه بجهلنا قبل فوت الاوان وانقضاء الاجل وأن نعمل على تهذيب الفطرة السليمة التي أودعها الله بقلب كل مولود ونحافظ عليها من الزيغ والانجراف لتبقى بذرة صالحة تكوَّن لنا زهور مشرقة وبرحيقها الطيب الذي يملأ الخافقين والذي يقضي على الروائح النتنة التي خلفتا ضواري الكفر والالحاد ،إنَّه لأعظم مكسب ان نرى إنسانا ناجحا ومعطاء لدينه الاسلامي ولمذهبه مذهب الحق الذي تكالبت عليه ايدي الزمان التي تعمل جاهدة ليلا ونهارا للنيل من صدى التشيع في العالم ،ولكن هيهات هيهات لما ترموا اليه افكارهم البائسة والسقيمة ، تجاهلوا ان لنا أم عظيمة أولدتنا وهي تستغيث باسم المرتضى وارضعتنا من لبن مزج بحب آل المصطفى (ص) .
إنَّ هذا المستوى من العظمة هو نموذج للتربية الصالحة ،هي التربية التي غرست جذورها في مزرعة العشق الإلهي ،وسقيت من ريع حب المصطفى (ص) وآل بيته النجبا ليكون نتاجها السعادة في الدنيا والاخرة .
لا عذب الله امي شربت حبَّ الوصيّ و غذتنيه بالبنِ *** وكان لي أبٌ يهوى ابا حــــــــــــــــــسنِ
*فصرت من ذا وذي اهوى ابا حسنِ *
دعائنا لجميع المربين بالموفقية والسداد وان يأخذ الله بأيدهم الى جادة الخير والصلاح انه ولي التوفيق .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
تعليق