هل اقتدينا بأنوار سيد الإباء ( عليه السلام ) -1-
قال تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى 13 ) . إذا أردنا التحدث عن شخصية الإمام الحسين ( عليه السلام ) وبيان مقامه الرفيع أو أي واحد من الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) بشكل كامل فإنه لا يمكننا ذلك ، فهم البحر الواسع العميق الذي لا ينال أحد أطرافه ، بل منتهى ما يمكن أن نصل إليه هو إلقاء نظرة عابرة على بعض سواحله فقط ... وأخذ بعض القطرات من جوده فحسب ، يقول أحد الشعراء (هو الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي شاعر فارسي صوفي المسلك ، وأصل الشعر بالفارسية : آب دريا را أكَر نتوان كشيد هم بقدر تشنكَي بايد جشيد ) ما مضمونه : إنه إذا لم تتمكن من شرب ماء البحر وجب عليك أن تذوق بعض القطرات منه لرفع العطش . وقد قال أحد الشعراء في وصفه لأحد الأئمة ( عليهم السلام ) : هو البحر من أي النواحي أتيته فلُجَّته المعروف والجود ساحله فالإمام السبط ( عليه السلام ) من أبرز من خلدتهم الإنسانية في جميع مراحل تاريخها ، ومن أروع من ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين أسهموا في بناء الفكر الإنساني ةتكوين الحضارة الاجتماعية ، وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الأرض . إنّ حياة المصلحين الذين وهبوا حياتهم لأممهم وشعوبهم تبقى مشعة تعطي ثمارها ونتاجها للناس ، ولكن في فترة خاصة ومحدودة من الزمن ثم لا تلبث أن تتلاشى كما يتلاشى الضوء في الفضاء. أما حياة الإمام الحسين ( عليه السلام ) فقد شقت أجواء التاريخ ، وهي تحمل النور والهدى لجميع الناس .... لقد تفاعلت حياة الإمام الحسين ( عليه السلام ) مع أرواح الناس وامتزجت بعواطفهم ومشاعرهم ، وهي ندية عاطرة تتدفق بالعزة و الكرامة وتدفع المجتمع إلى ساحات النضال لتحقيق أهدافه وتقرير مصيره . إنها مدرسة الأجيال الكبرى التي تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعاً متفقين ومختلفين ، فهي تغذيهم بالوفاء والصبر ، وتدفعهم إلى الإيمان بالله عز وجل ، وتعمل على توجيههم الوجهة الصالحة المتسمة بالكرامة وحسن السلوك كما تعمل على تهذيب الضمائر ، وتكوين العواطف ، وتنمية الوعي ، فهي أجدر بالبقاء من كل كائن حي بل أحق بالخلود من هذا الكوكب الذي يعيش فيه الإنسان ، لأنها إطار لأسمى معاني الكرامة الإنسانية ، فإنّ حياة ريحانة الرسول ( صلى الله عليه واله ) ومثله ستبقى حية وخالدة إلى الأبد لأنها استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب . ولا نرى أنّ هناك خدمة للأمة أو عائدة عليها بخير تضارع نشر فضائل أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وإذاعة سيرتهم ومآثرهم فإنها تفيض بالخير والهدى على الناس جميعاً وفيها الدروس الحية ، والعضات البالغة التي تبعث على الاستقامة والتوازن في السلوك ، وهي من أثمن ما يملكه المسلمون من طاقات ندية حافلة بالقيم الكريمة والمثل العليا التي هي السر في أصالة هذا الدين وخلوده . وسيرة الإمام أبي الأحرار ( عليه السلام ) من أروع سير الأئمة الطاهرين ، فقد تخطت حدود الزمان والمكان ، وتمثلت فيها العبقرية الإنسانية التي تثير في نفس كل إنسان أسمى صور الإكبار والتقدير ، والأمر فعلاً كما قيل ( الاسلام محمدي الوجود وحسيني البقاء ) شخصيته وصفاته التي امتاز بها ( عليه السلام )
إنّ مناقب مولانا الحسين ( عليه السلام ) واضحة الظهور ، وسنا شرفه ومجده مشرق النور ، فله الرتبة العالية والمكانة السامية في كل الأمور . وكيف لا يكون كذلك وقد اكتنفه الشرف من جميع أكنافه ، وظهرت مخايل السؤدد على شمائله وأعطافه ، وكاد الجمال يقطر من نواحيه وأطرافه ؟ فهو كما وصفه الحجة ( عليه السلام ) في زيارة الناحية المقدسة ( وفيُّ الذمم رضيُّ الشيم ظاهر الكرم متهجد في الظلم قويم الطرائق كريم الخلائق عظيم السوابق شريف النسب منيف الحسب رفيع الرتب كثير المناقب محمود الضرائب جزيل المواهب منيب جواد حليم رشيد عليم شديد إمام شهيد أواه منيب حبيب مهيب ) . فتجسدت في شخصية أبي الأحرار ( عليه السلام ) جميع القيم الإنسانية ، والمثل العليا والتقت به عناصر النبوة والإمامة ، فكان بحكم مثله وتهذيبه فذاً من أفذاذ الإنسانية ، ومثلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلامية فهو الأطروحة الخالدة للإسلام ولجميع طاقاته ومقوماته . إنّ أية صفة من صفات أبي الشهداء ( عليه السلام ) لترفعه عالياً على جميع عظماء العالم ، وتدفع إلى القول أنه نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشرية على الإطلاق باستثناء جده وأبيه وأمه وأخيه ، فالمظاهر الفذة التي اتصفت بها شخصية أبي الأحرار كانت من عناصره ومقوماته . فقوة الإرادة وصلابة العزم والتصميم كانت من صفاته ( عليه السلام ) ومن أبرزها إباء الضيم حتى لقب ب ( أبي الضيم ) وهو من أعظم ألقابه ذيوعاً وانتشاراً بين الناس ، وعرف أيضاً بأنه شديد العزة وسيد أهل الإباء ، أما الصلابة في الحق فهي من مقومات أبي الشهداء ( عليه السلام ) ومن أبرز ذاتياته ، وكان فريداً في الصبر على نوائب الدنيا ومحن الأيام . أما الحلم فهو من أسمى صفات أبي الشهداء ( عليه السلام ) ومن أبرز خصائصه فقد كان لا يقابل مسيئاً بإساءته ، ولا مذنباً بذنبه ، وإنما كان يغدق عليهم من برِّه ومعروفه . تدول الدول ، وتزول الممالك ، وهذه الأخلاق الرفيعة أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن حي أنها تمثل القيم العليا التي لا كرامة الإنسان بدونها . سلوكه ( عليه السلام ) مع الناس
إنَّ سيرة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه واله ) وأهل بيته الأطهار ( عليهم السلام ) وتعاملهم مع الناس هي المثل الأعلى في كافة ميادين الحياة الاجتماعية ، فهم القدوة في حبهم وعطفهم ، وفي رأفتهم حتى بعدوهم ، وفي أخلاقهم وحسن معاشرتهم ، وقد جعلهم الله تعالى الأسوة الحسنة حيث أمرنا جل جلاله باتباعهم والسير على هداهم فقال عز من قائل ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً ) ( الاحزاب 21 ) . إذا فمن أراد الله عز وجل والنجاة في يوم القيامة ، فعليه اتخاذ هؤلاء الأطهار قدوة ومثلاً أعلى له في الحياة الدنيا ، لأنهم سفن النجاة التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى . لقد كان الإمام الحسين ( عليه السلام ) في سلوكه وتعامله مع الآخرين نموذجاً في الأخلاق الإسلامية ، وكان ( عليه السلام ) محط إعجاب الناس وتعلقهم بالرسول ( صلى الله عليه واله ) والرسالة . ومن جوده وكرمه أنه أعطى سائلاً ألف درهم فجعل السائل ينقدها ، فقال الخازن ، بعتنا شيئاً ؟ قال : نعم ماء وجهي ، فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) : صدق أعطه ألفاً وألفاً و ألفاً ، ( الأول ) لسؤالك ، الألف ( الثاني ) لماء وجهك ، الألف ( الثالث ) لأنك أتيتنا . أما مشيته ( عليه السلام ) فكانت السكينة والوقار فلا طيش ولا خفة ولا شموخ أنف ، لأن الإنسان مهما بالغ في مشيته لا يخرق الأرض ولا يبلغ الجبال طولا . وأبو عبد الله الحسين ( عليه السلام ) أفعاله شاهدة له بصفة الكرم ، ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم ، وقد عُرف عنه ( عليه السلام ) أنه كان يكرم الضيف ويمنح الطالب ويصل الرحم وينيل الفقير ويسعف السائل ويكسو العاري ويشبع الجائع ويعطي الغارم ويشفق على اليتيم ويعين ذا الحاجة ، وقد قال الشاعر فيه : سقت العباد يمينه وسقى البلاد ندى شماله يحكي السحاب يمينه والودق يخرج من خلاله الأرض ميراث له والناس طراً في عاله فسيرة الإمام الطاهرة مليئة بمكارم الأخلاق ، وهي تشكل قسماً مهما من بحر فضائله ومكارمه ، فكان الإمام ( عليه السلام ) خير قدوة للإنسان الصالح ، وأفضل نموذج لكل البشرية في طريق الخير والسعادة ، في الدنيا والآخرة . رُوي في البحار أنه لما قُتل الإمام ( عليه السلام ) وُجد يوم الطف على كتفه أثر فسألوا الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) عن ذلك فقال : هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره
تعليق