(لو لم يكن في كتاب نهج البلاغة إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة وحكمة بالغة وبصيرة لمبصر وعبرة لناظر مفكر)
قال الامام علي عليه السلام: (لرجل سأله أن يعظه): لا تكن ممن يرجوا الآخرة بغير العمل، ويرجي التوبة (يؤخر) بطول الأمل.
يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين.
يظهر فيها شيمة المحسنين ويبطن فيها عمل المسيئين.
إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع.
يقول لم اعمل فاتعنى بل اجلس فاتمنى.
يبادر ابدا مايفنى ويدع ابدا مايبقى.
يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي.
يرشد غيره ويغوي نفسه.
ينهى الناس ولا ينتهي ويأمرهم بما لا يأتي.
يتكلف من الناس مالم يؤمر ويضيع من نفسه ما هو اكثر.
يرجو ثواب مالم يعمل ويأمن عقاب جرم متيقن.
يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم.
يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت من اجله (اي يداوم على اتيان الذنوب)
إن سقم ظل نادما ، وإن صح أمن لاهيا.
يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي.
إن أصابه بلاء دعا مضطرا وإن ناله رخاء اعرض مغترا.
تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن .
يستميل وجوه الناس بتدينه ويبطن ضد ما يعلنه.
يخاف على غيره بأدنى من ذنبه. ويرجو لنفسه بأكثر من عمله.
إن استغنى بطر وفتن ، وإن افتقر قنط ووهن. وان مرض حزن.
فوهو بين الذنب و النعمة يرتع ، يعافى فلا يشكر ويبتلى فلا يصبر.
يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل.
إن عرضت له شهوة أسلف (قدّم) المعصية وسوف (اخر) التوبة.
وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة .
يصف العبرة ولا يعتبر ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ.
فهو بالقول مدل (متعالي) ومن العمل مقل.
ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى.
يرى المغنم مغرما ، والمغرم مغنما. يخشى الموت ولا يبادر الفوت .
يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه،
ويستكثر من طاعته ما يحقر من طاعة غيره.
فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن.
اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء.
يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره،
يرشد غيره ويغوي نفسه.
فهو يطاع ويعصي، ويستوفي ولا يوفي،
ويخشى الخلق في غير ربه ولا يخشى ربه في خلقه.
كأن المحذر من الموت سواه وكأن من وُعد وزجر غيره.
يا أغراض المنايا! يا رهائن الموت! يا وعاء الأسقام! يا نهبة الأيام! ويا ناقلة الداء! ويا فاكهة الزمان! ويا نور الحدثان! ويا خرس عند الحجج! ويا من غمرته الفتن وحيل بينه وبين معرفة العبر! بحق أقول: ما نجا من نجا إلا بمعرفة نفسه، وما هلك من هلك إلا من تحت يده،
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾
جعلنا الله وإياكم ممن سمع الوعظ فقبل، ودعي إلى العمل فعمل.
تعليق