بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.
عندما يذكر القران الكريم حادثة معينة قد يتصور البعض إن الإختلاف الذي يرد في ألفاظ الآيات القرآنية ليس فيه دلالات على أمور فقهية أو عقائدية وإنما هو مجرد تحسين للعبارات , وهذا التصور في غاية السذاجة إذ القرآن ليس كتابا قصصيا وهدفه هو تحسين العبارات فقط وإنما هو كتاب فيه تبيان كل شيء ومن جملة الأمور التي يراعيها تحسين ولطافة العبارة على وفق القواعد البلاغية من المحافظة على المعنى المراد .
وفي هذه المشاركة نسلط الضوء إخوتي الأكارم على قصة موسى والخضر عليهما السلام ونقتصر على جانب واحد وهو أجوبة الخضر عليه السلام وما هو الوجه في نسبة الفعل تارة لنفسه وأخرى إلى الله تعالى وثالثة له ولله تعالى .
ولأجل ذلك نذكر الآيات المباركة :
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) الكهف
فنلاحظ إن الآيات القرآنية نسبت فعل خرق السفينة للخضر عليه السلام بقوله (فأردت أن أعيبها ) على لسان الخضر.
وفي الآية الثانية نسبت قتل الغلام إلى الله تعالى والى الخضر عليه السلام بقوله (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة واقرب رحما).
وفي الآية الثالثة نسبت الفعل إلى الله تعالى (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا).
فما هو السر في تغيير نسبة الفعل ؟
الجواب والله العالم:
أولاً: إن خرق السفينة فعل ظاهره الإفساد فلذلك نسبه الخضر عليه السلام لنفسه دون الله تعالى فقال (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) .
ثانياً: أما قتل الغلام فهو فعل يحوي المفسدة الظاهرية وهي إزهاق النفس ويحوي المصلحة التي هي تعويض الأبوين بالأفضل فلذلك نسب الفعل إلى الخضر باعتبار ظاهر المفسدة ونسبه إلى الله للمصلحة المتوخاة منه فقال (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) ولم يقل فأردتُ كما قال سابقاً .
ثالثاً:أما إقامة الجدار فانه فعل ظاهره المصلحة فلذا نسبه إلى الله تعالى إذ ليس فيه شائبة المفسدة فقال(فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) ولم يقل فأردت أو فأردنا.
والحمد لله رب العالمين

تعليق