تحليل آية إياك نعبد وإياك نستعين ـ
اللغة العبادة: في اللغة تأتي لاحد معان ثلاثة:
الاول:
الطاعة، ومنه قوله تعالى: "
ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين"فان عبادة الشيطان المنهي عنها في الاية المباركة إطاعته.
الثاني:
الخضوع والتذلل، ومنه قوله تعالى:
" فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون".
أي خاضعون متذللون، ومنه أيضا إطلاق " المعبد " على الطريق الذي يكثر المرور عليه.
الثالث:
التأله، ومنه قوله تعالى:
" قل إنما أمرت أن أ عبد الله ولا أشرك به ".
وإلى المعنى الاخير ينصرف هذا اللفظ في العرف العام إذا أطلق دون قرينة.
والعبد: الانسان وإن كان حرا، لانه مربوب لبارئه، وخاضع له في وجوده وجميع شؤونه، وإن تمرد عن أوامره ونواهيه.
والعبد: الرقيق لانه مملوك وسلطانه بيد مالكه، وقد يتوسع في لفظ العبد فيطلق على من يكثر اهتمامه بشئ حتى لا ينظر إلا اليه،
ومنه قول أبي عبد الله الحسين (عليه السلام):
" الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم وإذا محصوا بالبلاء قل الديانون " .
وقد يطلق العبد على المطيع الخاضع،
كما في قوله تعالى:
" أن عبدت بني إسرائيل ". أي جعلتهم خاضعين لا يتجاوزون عن أمرك ونهيك.
الاستعانة:
طلب المعونة، تتعدى بنفسها وبالباء،
يقال استعنته واستعنت به أي طلبت منه أن يكون عونا وظهيرا لي في أمري.
الاعراب
" إياك ":
في كلا الموردين مفعول قدم على الفعل لافادة الحصر،
وفي الاية التفات من الغيبة إلى الخطاب.
والسر في ذلك أحد أمرين:
الاول:
أن سابق هذه الاية الكريمة قد دل على أن الله سبحانه هو المالك لجميع الموجودات،
والمربي لها والقائم بشؤونها،
وهذا يقتضي أن تكون الاشياء كلها حاضرة لديه تعالى، وأن يكون ـ
سبحانه ـ
محيطا بالعباد وبأعمالهم ليجازيهم يوم الدين بالطاعة أو بالمعصية،
واقتضى ذلك أن يظهر العبد حضوره بين يدي ربه ويخاطبه.
الثاني:
ان حقيقة العبادة خضوع العبد لربه بما أنه ربه والقائم بأمره والربوبية تقتضي حضور الرب لتربية مربوبه،
وتدبير شؤونه.
وكذلك الحال في الاستعانة فإن حاجة الانسان إلى إعانة ربه
وعدم استقلاله عنه في عبادته تقتضي حضور المعبود لتتحقق منه الاعانة،
فلهذين الامرين عدل السياق من الغيبة إلى الخطاب فالعبد حاضر بين يدي ربه غير غائب عنه.
التفسير بعد أن مجد الله نفسه بالايات المتقدمة لقن عباده أن يتلوا هذه الاية الكريمة
وأن يعترفوا بمدلولها وبمغزاها،
فهم لا يعبدون إلا الله،
ولا يستعينون إلا به،
فإن ما سوى الله من الموجودات فقير في ذاته،
عاجز في نفسه،
بل هو لا شئ بحت،
إلا أن تشمله العناية الالهية،
ومن هذا شأنه لا يستحق أن يعبد أو يستعان،
والممكنات كلها ـ
وان اختلفت مراتبها بالكمال والنقص ـ
تشترك في صفة العجز اللازمة للامكان، وفي ان جميعها تحت حكم الله وإرادته:
" ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين.
ولله ملك السماوات والارض وإلى الله المصير ".
من ذا الذي يعارضه في سلطانه وينازعه في أمره وحكمه؟
وهو القابض والباسط،
يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد،
فالمؤمن لا يعبد غير الله،
ولا يستعين إلا به،
فان غير الله ـ
أيا كان ـ
محتاج إلى الله في جميع شؤونه وأطواره والمعبود لا بد وأن يكون غنيا،
وكيف يعبد الفقير فقيرا مثله؟!.
وعلى الجملة:
الايمان بالله يقتضي أن لا يعبد الانسان أحدا سواه،
ولا يسأل حاجته إلا منه،
ولا يتكل إلا عليه،
ولا يستعين إلا به،
وإلا فقد أشرك بالله وحكم في سلطانه غيره:
" وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ".
البيان في تفسير القرآن
السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي
جزاء الإخلاص في العبادة
- رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إذا قال - أي العبد - : إياك نعبد ، قال الله عز وجل : صدق عبدي إياي يعبد ، أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي .
- الإمام الحسين ( عليه السلام ) : من عبد الله حق عبادته آتاه الله فوق أمانيه وكفايته .
- الإمام الباقر ( عليه السلام ) : لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه ، فحينئذ يقول :
هذا خالص لي فيتقبله بكرمه .
تعليق