إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تبختر المال في مشيته أمام العِلْم واختال بمظهره البرَّاق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تبختر المال في مشيته أمام العِلْم واختال بمظهره البرَّاق

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وال محمد





    تبختر المال في مشيته أمام العِلْم واختال بمظهره البرَّاق ووميضه المشرق، فنظر إليه العلم نظرة المشفق المعلِّم وقال له: أَكُلَّ هذا الفرحِ بمظهرك وجمالك؟ وماذا يكون ممَّا ظاهره فيه الرحمة وباطنه مِنْ قِبَله العذاب؟


    وما أكثرَ ما تُخفي الحلاوة الظاهرة من المرارة الباطنة! وما أكثرَ ما يخفي جمال المنظر من قبح المخبر، بل ومن فقدان طيب الأصل والجَوْهر.


    وماذا يفيد المال بدون العلم ألم ترَ كيف أصابك التيه والعجب بما لا يعجب منه العاقل الحكيم؟!

    قال المال: ولماذا لا أفرح وكل الناس يعتزُّون ويفتخرون بوجودي عندهم، ويتكاثر الناس بما عندهم من مال، ولا يملون ولا يسأمون من الازدياد مني مهما ملكوا..

    قال العلم: أيُّ عزٍّ هذا وأيُّ فخر؟ ألم تعلم أنَّ كلَّ عزٍّ لم يُوطَّد بعلم فإلى ذلٍّ مصيرُه، وإلى زوالٍ عبيرُه، أما علمتَ ما حصل بقارون كان مالُه وبالاً عليه، حتى الذين تمنَّوا أنْ يكونوا مكانَه فرحوا أنْ لم يكونوا مثلَه، وشعروا بمنَّة الله عليهم في ذلك، وصدق القائل:


    أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذاباً كلما كَثُرَتْ لديه
    تُهين المُكرِمينَ لها بصُغرٍ ... وتُكرِمُ كلَّ مَنْ هانت عليه
    إذا استغنيت عن شيءٍ فدعهُ ... وخذ ما أنت محتاجٌ إليه


    وكان سقراط فقيراً فقال له بعض الملوك: ما أفقرَك! فقال: «لو عرفتَ راحةَ الفقر لشغلك التوجُّع لنفسك عن التوجُّع لي»، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة.
    وقيل له: لِمَ لا يُرى أثر الحزن عليك؟ فقال: «لأني لم أتخذ ما إنْ فقدتُه أحزنني».


    قال المال: لكن لا يمكن لأحد أن ينكر فضلي وقيمتي، ومهما تكلَّموا وزهَّدوا الناسَ بي تبقى مكانتي عالية في نفوسهم، فهذا أبو سليمان الداراني يقول: «قد وجدتُ لكلِّ شيء حيلة إلا هذا الذهب والفضة، فإني لم أجد لإخراجه من القلب حيلة».

    قال العلم:



    العلمُ يجلو العَمَى عن قَلْبِ صاحبِهِ ... كما يجلِّي سوادَ الظُّلمةِ القمرُ
    والعلمُ يُحيِي قلوبَ الحاملينَ لَهُ ... كالأرض تُحيَا إذا ما مسَّها المطَرُ

    قال أحد الحكماء: (العلم سراجٌ يجلي الظلمة، وضياءٌ يكشف العمى. التذلل مكروهٌ إلا في استفادته، والحرص مذمومٌ إلا في طلبه، والحسد منهيٌ عنه إلا عليه).
    قال أفلاطون: (العلم مصباح النفس، ينفي عنها ظلمة الجهل، فما أمكنك أن تضيف إلى مصباحك مصباح غيرك فافعل).
    وذكر تعالى أن الأمثال لا يفقهها إلا أهل العلم فقال سبحانه:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ}.
    وإنَّ أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ}، فكان حضاً على العلم إذ قال: { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ}، ثم قال عن المال: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} أرأيتَ كيف قابل هنا بين العلم فرفع منزلتَه، وبين المال فحذَّر الناسَ فتنتَه.

    قال المال: لكن ألم ترَ أنَّ الله تعالى قد سمَّاني في القرآن (خيراً) حين قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، وقال: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} وقال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}، فلماذا تتغافل عن هذا؟

    قال العلم:
    لم أتغافل عن هذا، ولكن الشيء قد يكون خيراً بحدِّ ذاته ولكن يغلب على الناس استعماله في الشر فيكون شراً على صاحبه ولهذا حذَّر الله من فتنته فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }،
    قال المال: ألم تر أن الله عز وجل قد جعلني زينة الحياة إذ قال: {المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.


    قال العلم: لكن ألم تقرأ بقية الآية: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابَاً وَخَيْرٌ أَمَلاً}، ثم إنه قال عن المال: {زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فهو زينة وليس (قيمة).
    وقد رغَّب الله عز وجل في الازدياد من العلم فقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً} أما عن المال فقد قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ}، وقال: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ}.


    قال المال:
    إذا كان الأمر كما تقول، فلماذا إذن امتنَّ الله تعالى على نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}، وامتنَّ على قومه بتوفيقهم للتجارة الواسعة برحلة الشتاء والصيف، وامتنَّ الله به على عباده إذ قال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا}، وقال ممتناً على بني إسرائيل: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}، فلو لم تكن الأموالُ خيراً ونعمة عظيمة لما امتنَّ الله بها على عباده.
    وجعلَ اللهُ تعالى استخراجَ الكنز للغلامين رحمةً منه سبحانه فقال: { وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}، وقال نوح لقومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله والرجوع إليه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارَاً}، وبيَّن عاقبةَ ذلك في الدنيا قبل الآخرة فقال: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
    ونبيُّ الله سليمان عليه الصلاة والسلام دعا ربَّه فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكَاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}، ولم يلمه ربه على ذلك بل استجاب له وكان له ما أراد، {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}.
    فليس الزُّهد فَقْد المال وإنما الزُّهد: فراغ القلب منه، فقد كان سليمان عليه السلام في ملكه من الزاهدين.


    وقال عليه الصلاة والسلام: (لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهوَ غَضْبَانُ) متفق عليه، وقد قاس عليها الفقهاء: لا يقضي القاضي وهو جوعان، أو عطشان؛ لأنها انفعالاتٌ تؤثِّر على حُكْمه.
    قال أحدهم:


    إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ صفاؤُهُ ... وضاقتْ عليه أرضُهُ وسماؤُهُ
    وأصبحَ لا يدري وإنْ كانَ حَازماً ... أقُدَّامه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُهُ



    وقال آخر: إنَّ النفس إذا أحرزت قوتها ورزقها اطمأنت.
    وكان يقال: لا تشاور صاحب حاجة يريد قضاءها ولا جائعاً.

    قال العلم:
    نعم إنَّ حبِّ المالِ أمرٌ فطري جبلي، وهو مِنْ نِعَم الله العظيمة لا يلام المرء في حبِّه له، ولكنْ أنْ يُجعلَ هو الميزان لفضل الإنسان، ويُقَاسُ فضل الناس بما يملكون، ويكون هو الغاية التي يسعى الناس إليها وليس وسيلةً لفعل الخير، فهنا يكون الخلل ويأتي الزيغ والزلل..
    فالمال نعمة عظيمة ولكن مَنْ يعرف حقَّ هذه النعمة ويؤدي شكرها؟ لا ريب أنهم قليلٌ جداً، فأين الأغنياء من قول القائل:


    ملأتُ يدي من الدُّنيا مراراً ... فما طَمِعَ العَواذِلُ في اقتصادي
    ولا وجبَتْ عليّ زكاةُ مالٍ ... وهل تجبُ الزكاةُ على جوادِ
    بذرتُ المالَ في أرض العطايا ... فأصبحَتِ المكارمُ من حصادي
    ولو نلتُ الذي يهواه قلبي ... لوسَّعتُ المعاشَ على العبادِ



    فإننا لا نرى أصحابَ الأموال إلا مشغولين بمتعهم ولذائذهم وترفهم، وينسون إخوانهم المحتاجين، بل قد يتكبرون ويطغون عليهم، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}، والمصيبة الأعظم من ذلك أن لا يطغى على إخوانه فقط بل على ربِّه وخالقه جلَّ وعلا،وانظر إلى صاحب الجنتين كيف أصابه الغرور فدخل جنته وهو ظالم لنفسه وقال: {ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً، وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً} لقد أنساه الغرورُ بماله أنَّ كلَّ نعيم في الدنيا فهو إلى زوال، واستبعد أنْ تقوم القيامة، وعلى فرض أنها قامت فإنَّ له خيراً من جنته.. أرأيتَ ماذا يصنع المال بصاحبه؟
    فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر، فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه: {قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا؟ لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}، فهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تُستعبد للمال ولا يطغيها الغنى، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيزٌ أمام الجاه والمال، وأنَّ ما عند الله خيرٌ من أعراض الدنيا، وأنَّ فضل الله عظيم وهو يطمع في فضله وثوابه، وأن نقمة الله يوشك أن تصيب الغافلين المتبطرين.
    فذُو المال يكون ممدوحاً إذا استعمله فيما يرضي الله عز وجل، وصان به دينَهُ وعِرْضَهُ، وليس في التباهي والتكاثر والتفاخر، قال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان الأكرمَيْن: الدِّين والعِرْض.

    قال المال: وأخيراً وافقتني في كلامي، إنَّ إنصافَك في موافقتك لي أحبُّ لي من كلِّ حُجَجك وأدلتك، فما أجملَ الإنصاف وما أقلَّه!

    قال العلم: إذا لم يجعلني العلم منصفاً عادلاً فلا خير فيّ، فالإنصافُ دليلٌ على العقل والفضل، وقد أغلظ رجل على المهلب فحلم عنه، فقيل له: جهل عليك وتحلم عنه؟ فقال: (لم أعرف مساوئه، فكرهتُ أن أبهته بما ليس فيه)! فأين من ينصف مثل هذا؟
    ودعني أهمس في أذنك ما ينفعك في خطابك:
    إنَّ الحماسةَ الزائدَةَ للفكرة وإعطاءَها أكبر من حجمها يسيء إليها، وقد يؤدي هذا إلى عدم قبول الناس لها وتحفظهم منها، قال أحدهم: (حين تصرخ في أذني لا أسمعك جيداً). ثم إن من يرد على فكرة متطرِّفة لا تخلو من ردة الفعل، عليه: أن يحفظ توازنه ويبتعد عن المبالغة والتهويل، حتى لا يكون رده أيضاً عبارة عن ردة فعل ولكنها في الاتجاه الآخر.
    وعوداً على حوارنا أقول: إنَّ العلم يستفاد منه لغذاء الروح، والمال لغذاء الجسد، وأيهما أشرف الروح أم الجسد؟


    يَا خَادِمَ الجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ... أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ فِيمَا فِيهِ خُسْرَانُ؟
    أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا... فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لاَ بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ


    وفي وصايا لقمان لابنه قال: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء.
    قال المال: لا شك بأنَّ الرُّوح أشرف من الجسد، لكن الجسد هو المجال والطريق لتحقيق مطالب الروح وأشواقها.
    أم أنك تريد أن تكون كذلك المعذَّب الذي يقول:


    جسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكمُ ... فالجسمُ في غربةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ
    فليعجبِ الناسَ مني أنَّ لي بدناً ... لا روحَ فيه، ولي روحٌ بلا بَدَنِ

    ألم يجعل الله العبادات مزيجاً من الرُّوح والعقل والجسد، فالذي يصلي مثلاً: يتوجه بروحه إلى خالقه الذي يناجيه، وبعقله فيتدبَّر ما يقرأه من القرآن والذِّكْر، وبجسمه فيقف ويركع ويسجد؛ وهكذا تعلِّمنا الصلاة أن لا نفصل بين الروح والجسد.
    قال العلم: ألم تسمع إلى من قال: (حبيب المال لا حبيبَ له , وعدو ماله لا عدوَّ له)، ومن قال: (مَنْ أذلَّ ماله فقد أعزَّ نفسه، ومَنْ أعزَّ ماله فقد أذلَّ نفسه)؟
    قال المال: دعك من هذه الفلسفة وانظر في واقع الناس، فواقعهم يجيبك ويرد على هذا الكلام.

    قال العلم: ما أراك إلا قد عجزتَ عن الجواب فأحلتني على واقع الناس.

    قال المال: كلا، فإنَّ الواقع يثبت ما قاله الشاعر:


    يُغَطَّى بالسَّمَاحَةِ كُلُّ عَيْبٍ ... وَكَمْ عَيْبٍ يُغَطِّيهِ السَّخَاءُ

    ألم تر أن كثيراً من الحكَّام يدركون هذه الحكمة ويطبقونها، فهم يعلمون أنَّ عيوبهم كثيرة ولا يمكن أن تُغَطَّى هذه العيوب بشيء كما تُغَطَّى بالسخاء فهم يجودون على أتباعهم ابتداءً، وعلى مَنْ يمكن له أن يكون بالسخاء من أتباعهم، فيصير المعارض لهم موافقاً لهم بل ومدافعاً عنهم، أما سمعتَ بسياسة العصا والجزرة؟

    قال العلم: من يُشترى بالمال قد يتظاهر أمام من اشتراه بمحبته وولائه له، فإذا ذهب عن سيِّده المال أو المنصب فقد يكون أول مَنْ ينقلب عليه، أمَّا مَنْ أحبه الناس لفضله وشرفه وصدقه وسلامة قلبه فيجتمع الناس عليه ولو لم يكن ذا منصب، ألا ترى الناسَ يحبون العلماء الصادقين أكثر من حبِّهم للسلاطين.

    قال المال: لكن الناس يجلون ويحترمون من يملك الأموال الكثيرة، ويبررون أخطاءه ويجعلون سيئاته حسنات، إن سكت فهو العاقل الحكيم، وإن تكلم فهو البليغ ذو الحجة والبرهان
    وقالوا:
    وكان بنو عمي يقولون مرحباً ... فلما رأوني مُعدماً مات مرحبُ


    قال العلم: إنَّ موازين الناس لا قيمة لها إذا لم تكن مبنية على أساس صحيح، فمجرد جمع المال لا يقرب من الله عز وجل قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى}، وقال تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}،

    فالمال ظِلٌّ زائل وعارية مسترجعة وليس في كثرته فضيلة، ولو كانت فيه فضيلة لخص الله به من اصطفاه لرسالته، واجتباه لنبوته.

    ومن مأثور الحِكَم: (ولا تحزن لقلة المال، فإنَّ الرجلَ ذا المروءة قد يُكرم على غير مال، كالأسد الذي يُهاب وإن كان رابضاً، والغني الذي لا مروءة له يُهان وإن كان كثيرَ المال، كالكلب لا يُحفَلُ به وإن طُوِّق وخُلخِل بالذهب، فلا تَكبُرَنَّ عليك غربتك، فإنَّ العاقلَ لا غربةَ له، كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوَّته.
    وقد قيل في أشياء ليس لها ثباتٌ ولا بقاء: ظل الغمامة في الصيف، وخلة الأشرار، والبناء على غير أساس، والمال الكثير، فالعاقل لا يحزن لقلته، وإنَّما مالُ العاقل: عقلُه، وما قدَّم من صالح، فهو واثق بأنه لا يُسْلَب ما عمل).


    فكثرة المال والبنين لا تدل على رفعة صاحبه عند الله عز وجل فقد قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ}، وقال: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، وقال: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}.
    وجعل اللهُ قيمةَ الرجل بما في قلبه من التقوى
    هذه هي عزة المؤمن التي لا تلقي بالاً للدنيا كلِّها، وهكذا يفلح مَنْ وزن الأمورَ بميزان الله وليس بميزان الناس.

    وكان العلم متكئاً فجلس وقال: خلاصة الأمر أنَّ العلم هو أساس الفضائل، ومنبع الكمالات، وبالحض عليه جاءت الرسالات، والمال وسيلة من الوسائل فإن استُعمِلَ في الخير فهو خير على صاحبه، وإن استعمل في الشر فهو وبال وخسران عليه.
    وعلينا أن نجعل من العلم والمال مجتمعَيْن أداةً لبناء الحضارات، وتشييد المنارات، وفعل الخيرات وإزالة المنكرات.. فيكون كلٌّ من العلم والمال يصبُّ في مصلحة الآخر ويكمِّله، ولا يعارضه أو يعطِّله.

    و قال :

    وَالمالُ إِن لَم تَدَّخِرهُ مُحَصَّناً ... بِالعِلمِ كانَ نِهايَةَ الإِملاقِ
    وَالعِلمُ إِن لَم تَكتَنِفهُ شَمائِلٌ ... تُعليهِ كانَ مَطِيَّةَ الإِخفاقِ
    لا تَحسَبَنَّ العِلمَ يَنفَعُ وَحدَهُ ... ما لَم يُتَوَّج رَبُّهُ بِخَلاقِ


    وقال آخر:

    إنَّ الكريمَ الذي لا مالَ في يدهِ ... مثل الشجاعِ الذي في كفِّه شللُ
    والمالُ مثل الحصا ما دام في يدنا ... فليس ينفع إلَّا حين ينتقلُ


    وشتَّان بين العلم ميراث الأنبياء، وبين المال ميراث الملوك والأغنياء.
    وشتان بين العلم الذي يحرس صاحبه، وبين صاحب المال الذي يحرس ماله.
    وشتان بين العلم الذي يزداد بالبذل والعطاء، وبين المال الذي تذهبه النفقات.
    وشتان بين العلم الذي يرافق صاحبه حتى في قبره، وبين المال الذي يفارقه بعد موته، إلا ما كان من صدقة جارية.
    وشتان بين المال الذي يحصل للبر والفاجر، والمسلم والكافر، وبين العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن.
    والعالِم يحتاج إليه الملوك ومَنْ دونهم، وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة.
    والمال يعبِّد صاحبه للدنيا، والعلم يدعوه لعبادة ربه.
    والعالم قَدْرُه وقيمته في ذاته، أما الغني فقيمته في ماله، قال بعضهم: (الولاية الوحيدة التي لا يملك أحدٌ أن يعزل صاحبها عنها هي: ولاية العلم).
    والغني يدعو الناس بماله إلى الدنيا، والعالم يدعو الناس بعلمه إلى الآخرة.

    فلم يكن من المال بعد أن سمع ما سمع إلا أن يقبِّل رأسَ العلم وينصرف وهو يقول
    : حفظك الله وأدامَك أيُّها العِلْم، فقد كنتَ لي شُعَاعاً ينير دربي، ونَجْماً هادياً في ظُلَمات نفسي، وعقلاً يقيِّدني عن الرذائل ويحفظني من المهالك، ورُوحاً يبعث فيّ مِنَ الفضل والجمال والخير ما أرتقي به مِنْ أرض الجَهَالة إلى سماء المعرفة، ومن قُبْح الأثَرة إلى جمال الإيثار، ومن بُؤس الطين إلى السَّعادة في صراط ربِّ العالمين.



  • #2
    احسنت ايتها المبدعه المتالقه
    الاخت العزيزة فاضله صدقي
    موضوع رائع ومفيد وقيم
    يستحق الوقوف عنده
    دمت بتميز مستمر
    نحن الشيعة الأبية شجاعتنا نبوية غيرتنا
    حيدرية حشمتنا فاطمية آدابنا حسنية كرامتنا حسينية عزتنا زينبية .أدعيتنا سجادية علومنا باقرية أحاديثنا جعفرية سجداتنا كاظمية صلواتنا رضوية .كراماتنا جوادية أنباؤنا هادية.حكمتنا عسكرية انتصاراتنا مهدوية

    تعليق


    • #3
      اللهم صلِ على محمد وآلِ محمد.
      أثابك الله خير الثواب
      ولا حرمك أجرما قدمتِ وأجر من أستفاد
      دمتِ بحفظ الله وتوفيقة
      اللهم عجل لوليك الفرج
      وعجل فرجنا بفرجه وأكحل ناظرنا بنظرة منا إليه ياالله بحق محمد وآله الأتقياء
      sigpic

      تعليق


      • #4
        اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم الشريف
        احسنتِم اخوا تي العزيزأة (زينب قدوتي وعين الحيات)
        اسعدني مروركي جدا والله يبارك بكي
        على المداخلة وجزاك الله كل خير .


        تعليق


        • #5
          sigpic

          تعليق


          • #6

            بارك الله بك
            الاخت اية شكر على المشاركه واتمنى لكم الموفقيه
            وكل عام وانتم بخير
            بحلول المبعث الشريف
            واسئاله التوفيق لما يحب ويرضى.

            تعليق


            • #7
              بسم الله الرحمن الرحيم
              اللهم صلِ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

              بااارك الله فيك موضوع جدا رائع سلمت تلك الأمل الذهبية ..
              بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين . عميت عين لا تراك عليها رقيبا

              تعليق


              • #8

                كل القــلوب إلي الحبيب تميل
                ومعي بذلك شاهد و دلــيل

                أما الدلـــيل إذا ذُكر محمداً
                صارت دموع العاشقين تسيل

                -------------------------------
                احسنتم على مروركم موفقين لكل خيرا
                تحياتي

                تعليق


                • #9
                  بسم الله الرحمن الرحيم
                  اللهم صل على محمد وال محمد
                  بارك الله بجهودك اختنا المحترمة (فاضلة صدقي ) ولا حرمنا الله من مزيدكم الاباعي

                  تعليق


                  • #10

                    كل القــلوب إلي الحبيب تميل
                    ومعي بذلك شاهد و دلــيل

                    أما الدلـــيل إذا ذُكر محمداً
                    صارت دموع العاشقين تسيل

                    احسنت الاخت خادمة ام العباس وبل توفيق
                    نبارك لكم حلول شهر شعبان المبارك.

                    تعليق


                    • #11
                      في صيد الفوائد :: للكاتب محمد عبد المجيد البيانوني

                      تعليق


                      • #12

                        لم نسمع ردكم على الموضوع فقط عرفنا اسمكم

                        تعليق

                        يعمل...
                        X