العلم والعبادة جوهران لأجلهما خلقت السماوات والأرض وما بينهما،
ولأجلهما اُنزلت الكتب من السماء واُرسلت الرسل، فهما كلّ شيء، ولولاهما لكان الإنسان كالأنعام بل أضلّ سبيلا،
ولكان قلبه كالحجارة بل أشدّ قسوة.
فحقيق علينا وعلى كلّ إنسان فهم الحياة وكشف سرّ الخلقة،
أن لا يشتغل إلاّ بهما، ولا ينظر إلاّ فيهما، فما سواهما لغو لا حاصل له.
ولمثل هذا يقول الإمام السجّاد (عليه السلام):
(لو علمتم ما في طلب العلم لطلبتموه ولو بسفك المُهج وخوض اللجج)
هذا في مقدار وكيفيّة السعي،
وأمّا في الزمان فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (اطلب العلم من المهد إلى اللحد)
أي طيلة الحياة،
وأمّا في المكان فقد قال النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)اطلبوا العلم ولو في الصين)
كناية عن البعد المكاني.
وأشرف الجوهرين: العلم، فقد جاء في الكافي
عن مولانا الباقر (عليه السلام):
(عالم ينتفع بعلمه ـ هو ينتفع من علمه كما أنّ الناس ينتفعون من علمه ـ أفضل من سبعين ألف عابد).
فلا بدّ للعلم من عمل وعبادة، وهذا معنى العلم النافع والانتفاع به وأنّ ثمرة العلم العبادة، وإلاّ كان العلم هو الحجاب الأكبر، ولم يزدد صاحبه من الله إلاّ بُعداً ـ
كما ورد في الخبر ـ فالعلم بلا عمل كليلة بلا قمر ـ كناية عن الظلام والظلمة ـ
وإنّ العلم بمنزلة الشجرة اليانعة،
والعمل والعبادة بمنزلة ثمرة من ثمراتها،
فالشرف للشجرة، إذ هي الأصل، لكن الانتفاع بثمرتها،
فلا بدّ أن يكون لنا من كلا الأمرين حظّ ونصيب ـ فمن أخذ أخذ بحظّ وافر ـ وإنّ العلم علم الدين والباقي فضل:
(إنّما العلم ثلاث:
آية محكمة ـ
علم العقائد ـ
وفريضة عادلة ـ
علم الفقه ـ
وسُنّة قائمة ـ
علم الكلام ـ
وما سواهنّ فهو فضل).
فعلم الدين فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، وبالعلم يكون الإيمان..
والعبادة الصحيحة إنّما تورث في القلب صفاءً يجعله مستعدّاً لحصول نور فيه..
وليس العلم بكثرة التعلّم، إنّما العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يريد الله أن يهديه..
ومن علم وعمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم..
ومن تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله دُعي في السماوات عظيماً.
وليس العلم في السماء فينزل إليكم ولا في الأرض فيخرج إليكم..
إنّما العلم في قلوبكم..
تخلّقوا بأخلاق الروحانيّين يظهر لكم. إنّ تحصيل العلم مقدّم على العبادة،
فإنّ من لم يعرف المعبود ولا صيغة العبادة ولا آثارها كيف وأنّى تأت له العبادة الصحيحة؟
وكيف يكون عمله صائباً؟
فثمرة العلم الطاعة والعبادة، وإنّ العلم أمام العمل، والعمل تابعه.
تعليق